ألسنة النيران تلتهم أشجار زيتون قبل قطافها في سوريا

المزارعون السوريون انتظروا الموسم بفارغ الصبر لتأمين قوتهم، غير أنهم صُدموا جراء الخسائر التي تكبدوها خلال اليومين الماضيين حيث التهمت النيران محاصيلهم.
الثلاثاء 2020/10/13
كنز العمر ينتهي رمادا

يعيش الفلاحون منتظرين مواسم محصول مزارعهم التي يدخرون منها مؤونتهم ويبيعون ما زاد عن حاجتهم لتأمين متطلبات حياتية أخرى، لكن المزارعين السوريين الذين كانوا يستعدون لجني الزيتون، تفاجئهم ألسنة النيران التي أتت على أشجارهم ووصلت إلى منازلهم.

 طرطوس (سوريا) – أصيب المزارعون والأسر بالصدمة جراء الخسائر التي تكبدوها خلال الحريق الذي التهمت فيه النيران محاصيلهم ووصلت إلى منازلهم في مناطق ريف محافظتي اللاذقية وطرطوس شمال غربي سوريا وكذلك في ريف محافظة حمص وسط البلاد.

وكانت الأكثر تضررا محاصيل الزيتون التي كان من المقرر جنيها من قبل المزارعين في الشهر المقبل لاستخراج زيت الزيتون السوري الشهير.

ولم يبق لسهيل ديب أيّ من أشجار الزيتون التي ورثها عن والده في محافظة طرطوس في غرب سوريا، بعدما التهمتها ألسنة النيران قبل موعد قطافها، في إطار سلسلة حرائق أتت على مناطق واسعة في البلاد.

يحاول ديب (61 عاما) أن يثني أغصان أشجار الزيتون المحترقة، على أمل أن يجد فيها طراوة تدلّ على عدم احتراقها بالكامل، لكنها تتكسّر بين يديه.

يقول متنهّدا بحسرة “كانت لدي مئة شجرة، لم يبق منها أي شيء.. كلها أصبحت رمادا”، مضيفا “لم أشاهد طيلة حياتي حريقا مماثلا”.

اندلعت حرائق ضخمة منذ فجر الجمعة في مناطق عدة، أتت على الآلاف من الدونمات من الغابات والأراضي الزراعية قال عنها  المزارع كنعان دوبا (50 عاما) من قرية سنبله في ريف اللاذقية، لوكالة أنباء شينخوا، “إن الحريق كان قويا إلى درجة أنه لا شيء يمكن أن يوقف طريقه..النيران اجتاحت الأراضي الزراعية والغابات.. لا شيء يمكن أن يقف في وجهها ولا حتى الجرافات أو شيء آخر.. كانت الرياح قوية والنار لم تترك شيئا.. لم تبق هناك أشجار لتجلس في ظلالها”.

وبذلت فرق الإطفاء وأهالي المناطق المتضررة جهودا جبارة لإخماد الحريق، وهي مهمة صعبة نظرا للطبيعة الجبلية الصعبة والوعرة لتلك المناطق. ووصف مدير دائرة الزراعة في اللاذقية منذر خيربيك، ظروف العمل على إخماد الحريق بأنها كانت صعبة للغاية.

وأشار إلى أنهم تلقوا مساعدة من محافظات أخرى للتعامل مع الظروف التي كانت صعبة حيث كانت الرياح شمالية شرقية وجافة وكانت الطبيعة الجغرافية للمناطق صعبة أيضا، مما جعل من الصعب على سيارات الإطفاء الوصول إلى النار.

النيران تأتي على ما لم تأت عليه الحرب
النيران تأتي على ما لم تأت عليه الحرب

ووسط تلك الظروف، وجه رئيس الوزراء السوري حسين عرنوس، كافة الوزارات المعنية والجهات التابعة لها وفرق الإطفاء والدفاع المدني في كافة المحافظات بتقديم الدعم والمساعدة في إخماد الحرائق.

ولم تصدر السلطات حصيلة رسمية لحجم الخسائر، إلا أن تقديرات أوردها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) في تقرير الأحد، أفادت عن تدمير أكثر من تسعة آلاف هكتار من الأراضي الزراعية والغابات والبساتين وأشجار الزيتون. ورغم مضيّ يوم كامل على إخمادها، لا يزال الدخان يتصاعد من بين رماد الغابات المحترقة في أرياف طرطوس واللاذقية. وتحولت مساحات واسعة من الجبال المحيطة إلى كتل سوداء ضخمة.

أمضى ديب عمره في زراعة الزيتون والعناية به في منطقة مشتى الحلو. وجراء الصعوبات الاقتصادية التي تشهدها سوريا،

انتظر قطاف الموسم الجديد الذي يبدأ هذا الشهر بفارغ الصبر لتأمين قوته من زيت وزيتون. ويقول “كنّا نعوّل كثيرا على هذا الموسم لنعوّض خساراتنا المتتالية (..) كان الزيتون ناضجا وحباته كبيرة، ولولا الحرائق لكنا نستعد الآن لبدء جنيه”.

بحسب تقديرات أولية نشرها أوتشا، تضرّرت قرابة 28 ألف أسرة، أي 140 ألف شخص، بمنازلها أو ممتلكاتها أو أراضيها الزراعية جراء الحرائق.

وفي مشتى الحلو وحدها، تضرر أكثر من 65 مزارعا، بينهم علي عيسى (47 عاما). على صخرة صغيرة، يجلسُ المزارع ويسندُ ظهره على شجرة محروقة. ينظر إلى الطرف الآخر من البلدة الذي طاله الحريق أيضا، ويقول “مرّت علينا ظروف صعبة كثيرا خلال الحرب، لكن كلّ ما جرى في كفة، وهذه الحرائق في كفة أخرى. نحن أمام كارثة حقيقية”.

يوضح عيسى بعد تفقده الأضرار في أراضيه، أن شجيرات عدّة نجت من الحريق الكبير. ويصرّ على إعادة زراعة الزيتون فهو “شجر مبارك ومقدس، وهو لقمة عيشنا”. ويضيف “سنعود لزراعته مُجددا، لكن ليس لنأكل نحنُ منه، بل ليأكل منه أبناؤنا”. ورغم سنوات الحرب، تحافظ سوريا على إنتاج مقبول من زيت الزيتون. وتوقّعت وزارة الزراعة في وقت سابق إنتاج 850 ألف طن زيتون هذا الموسم من أكثر من 87 مليون شجرة مثمرة، بحسب ما أفاد مدير مكتب الزيتون في وزارة الزراعة، المهندس محمّد حابو في شهر أغسطس.

منذ الجمعة، طالت الحرائق منازل ومنشآت، منها مبنى مستودعات المؤسسة العامة للتبغ ومستشفى حكومي في بلدة القرداحة، مسقط عائلة الرئيس السوري بشار الأسد في اللاذقية، ما أسفر عن أضرار جسيمة في مبنى مؤسسة التبغ وتطلب إخلاء المستشفى. ودفعت الحرائق أيضا عائلات كثيرة للنزوح من مناطق عدة بعد اقتراب النيران من منازلها.

تعزيزات لم تنقذ الأشجار
تعزيزات لم تنقذ الأشجار

وأعلنت وزارة الصحة عن وفاة ثلاثة أشخاص في اللاذقية، جراء الحرائق.

وقال أحمد محمد (48 عاما)، وهو مزارع من بلدة أم الطيور بريف اللاذقية لشينخوا إن الحريق دمر كل شيء في طريقه ووصل إلى منازل المواطنين الذين كانوا يسكبون دلاء الماء لإخماد النيران.

وتابع يقول، وهو يدير رأسه جانبا وهو في حالة صدمة، إن “كل شيء تضرر، كل شيء احترق حول البيوت وفي أماكن أخرى في أم الطيور، احترق كل شيء”.

وأضاف “هذه هي المرة الأولى التي نشهد فيها مثل هذه الكارثة.. بدأنا في صب الماء من الدلاء لإخماد النيران التي أتت على علف الحيوان من نخالة وتبن”.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صورا ومقاطع فيديو تظهر الحرائق مرفقة بوسم “سوريا تحترق”. وانتشرت كذلك مناشدات للأهالي الذين يطلبون المساعدة.

يتجول رئيس بلدية مشتى الحلو جوزيف عيد على الأراضي والمنشآت المتضررة، ويتحسّر على المنتزهات الخالية والتي كانت تزدحم بالمصطافين أواخر الصيف.

ويقول “تسبّبت الحرائق بأضرار كبيرة. تحتاج الأراضي إلى سنوات كي تعود إلى ما كانت عليه”.

أضرار كبيرة
أضرار كبيرة

 

20