ألعاب السيرك الخطرة ورائحة البارود في كوميديا مسرحية مثيرة

"كينغ كونغ" يخوض مغامرات كوميدية مثيرة في عرض مسرحي غنائي يجسد الصراع بين قوى البناء والهدم في مصر.
الثلاثاء 2018/10/09
"كينغ كونغ" شخص له ضمير حي (تصوير: محمد حسنين)
ينجرف المسرح أحيانا إلى تبنّي قضايا مجتمعية صارخة، غير مكترث بتصنيفه على أنه مسرح تعبوي أو تربوي، انطلاقًا من نظرية الفن الملتزم، التي ترى حتمية تقديم مضمون الرسالة على أساليب التوصيل بالمعنى الجمالي الصرف، في حالة مرور المجتمع بأزمات أو كبوات تستلزم تضافر الجهود للتقويم والإصلاح، وهذا ما يحاوله عرض “كينغ كونغ”.

القاهرة – يخوض “كينغ كونغ” على مسرح البالون بالقاهرة مغامرات كوميدية مثيرة في عرض مسرحي غنائي يجسد الصراع بين قوى البناء والهدم في مصر، ويشهد العرض تفجيرات بالبارود وألعابًا خطيرة من السيرك القومي في سابقة فريدة.

وفق رؤية العلاج بالفن، يأتي العرض المسرحي الجديد “كينغ كونغ” الذي تشهده القاهرة حاليًا على مسرح البالون من تأليف سليم كتشنر وإخراج محمد حسن وإنتاج فرقة “تحت 18″ بإدارة الفنان وليد طه، وبطولة المطرب نادر أبوالليف الذي يجسد شخصية “كينغ كونغ” (الإنسان في صورة دب، أو الدب في هيئة إنسان).

يتوجه العرض إلى غاياته الإصلاحية والتوعوية بشكل مباشر ومن أقصر الطرق.

ويستدعي العرض المصري دراما المغامرات الأميركية الشهيرة “كينغ كونغ” دون تماس فني فعّال معها، ويتوسل العرض في طرح أفكاره الهادفة ونصائحه الأخلاقية موتيفات كوميدية وتقنيات مسرحية رشيقة من حركة وغناء وموسيقى ورقص، فضلًا عن استعانته بمجموعة من ألعاب السيرك الخطرة التي يؤديها فنانو السيرك القومي في سابقة غير مألوفة على المسرح.

يشهد العرض كذلك حيلا وخدعا وآليات مبتكرة، خصوصًا في أثناء المعارك والانفجارات التي تبدو حقيقية مدوّية، ويُستخدم فيها البارود، الذي يتلمس المتفرجون رائحته بوضوح، ويرون أدخنته المتصاعدة في سائر الأرجاء.

حقائق وأساطير

يحيل العرض المصري إلى التجربة الأميركية ذائعة الصيت “كينغ كونغ”، التي جرى تقديمها سينمائيًّا مرتين؛ الأولى في عام 1933 من إخراج إرنست بي شيوديساك وميريان كوبر، والثانية في عام 2005 من إخراج بيتر جاكسون. وحاز الفيلم الأحدث ثلاث جوائز أوسكار لأفضل مونتاج صوتي، وخلط أصوات، وتأثيرات بصرية، محققًا أرباحًا خيالية بلغت 550 مليون دولار.

تنبني الدراما الأميركية على حكاية أسطورية، لتقديم صورة مختلفة للوحش، حيث يلتقي مكتشفو إحدى الجزر مع مخلوقات عجائبية، منها القرد العملاق “كونغ”، الذي يفتتن بالممثلة الحسناء المشاركة في هذه الرحلة.

عرض ينوّع وسائله التعبيرية في تقديم رسائله، مستخدما المواقف الكوميدية، والمفارقات الطريفة، وحركات السيرك 

يحمل العرض المصري العنوان ذاته، مستغلًا نجاحه ورواجه، وإن كان “كينغ كونغ” يبدو في بداية المسرحية دبًّا، ويتضح بعد ذلك أنه إنسان عملاق جرى تشبيهه بالدب على سبيل المجاز، وهو شخص عادي يعمل ممثلًا في السيرك، ويؤدي كل ليلة دور الدب أمام الجمهور، فالتصقت به صفات الدب.

لا يتقاطع “كينغ كونغ” في العرض المصري مع نظيره في القصة الأميركية إلا في أمور هامشية قليلة، منها ضخامة الهيئة كالوحوش ورهافة الشعور كالأطفال، ويحركه في الأساس قلب بشري وضمير حي، وتمضي أحدث المسرحية في فلك مختلف تماما، لا علاقة له بالحكاية الأميركية.

ولعل مسوغًا آخر يكون وراء اختيار “كينغ كونغ” عنوانًا للمسرحية التي يلعب بطولتها المطرب أبوالليف، فبالإضافة إلى تشابه هيئته مع ملامح “كينغ كونغ” في النسخة الأميركية، فإن له أغنية قديمة شهيرة من تأليف الشاعر أيمن بهجت قمر يقول فيها “أنا كينغ كونغ”، وقد أراد صنّاع العرض استثمار نجاحها في الظهور الكوميدي الأول للمطرب نادر أبوالليف، وغنى بالفعل مقطعًا منها خلال العرض.

يشكّل “كينغ كونغ” رمانة الميزان في العرض المصري، فهو الكائن المتذبذب بين الانحياز إلى أحد الفريقين، فريق الخير، وفريق الشر. وبعدما يتكشف له الصواب، ويستنبط أن الشر في طريقه إلى التبدد والزوال، ولو بعد حين، يتمكن من اختيار وجهته الصحيحة حتى النهاية.

حبكة فانتازية (تصوير: محمد حسنين)
حبكة فانتازية (تصوير: محمد حسنين)

يصوّر العرض صراعًا نموذجيًّا بين مجموعتين متنافرتين، متضادتين في المعتقدات والتوجهات، في أعقاب بركان ثائر حل ببلدهم مخلفًا الموت والدمار والخراب. تلتفّ المجموعة الأولى حول “حكيم”، صاحب الأفكار المثالية حول إقامة الوطن من جديد على المحبة والخير والانتماء، وتحقيق التنمية الصناعية والزراعية وغيرها من سبل الإصلاح الرشيدة.

أما المجموعة الثانية، فيقودها “بومبة”، وهي ترى أن التسليح هو الأولوية الملحّة، فدون القوة لا مجال للبناء، والحق لا يستطيع حماية ذاته بذاته. ويقود سباق التسلح المحموم هذه المجموعة إلى معارك خاسرة، ثم إلى الدمار والفناء بسبب انفجار مفاعل الشر النووي، وينجو “كينغ كونغ” مع الناجين بعد انضمامه لفريق “حكيم”.

يقدّم العرض إسقاطات واضحة تتوازى مع أفكاره المباشرة، مصرحًا بأن الواقع المصري الحقيقي هو المقصود بتلك الحبكة الفانتازية، وهو ما يتجلى على سبيل المثال في إشارة “كينغ كونغ” إلى أن تجربة “الشقيقة مصر” هي النموذج الذي يجب الاحتذاء به.

وسائل وغايات

ينوّع العرض وسائله التعبيرية في تقديم رسائله، مستخدمًا المواقف الكوميدية، والمفارقات الطريفة، وعروض الأراجوز، واستعراضات البلياتشو الباسمة، والمونولوجات والنكات والقفشات، والغناء والحركة والرقص، وألعاب السيرك، وغيرها من الآليات، على أن الغايات من وراء الوسائل والرسائل تأتي دائمًا ذات توجه محدد، هو كما يقول أحد الاستعراضات الغنائية “هنبنيها.. هنرجّع ليها ابتسامتها.. ونرجّع ناسها وأهاليها”.

العرض يستخدم تقنيات مسرحية رشيقة من حركة وغناء وموسيقى ورقص ويستدعي دراما المغامرات {كينغ كونغ} دون تماس معها
 

هكذا، يخوض عرض “كينغ كونغ” ببساطة معركة المصير في مصر من خلال الإلحاح على الإصلاح والبناء والإيجابية، في مواجهة معاول الهدم والإحباط والصراع والعنف والتدمير. وتبدو كل الفنيات والجماليات والتقنيات المسرحية المستجدة مسخّرة لبلوغ هذا الهدف “بأيدينا نشيد مصر الحديثة”.

إلى جانب الاستعراضات المرحة والحركات الراقصة التي صممها محمد سميح ولحنها سيد أبوالعلا ووزعها هيثم فاروق، يسعى العرض إلى كسر الأطر التقليدية في مثل هذه العروض التلقينية التوعوية، بفقرات مثيرة، أخطرها لعبة رشق السكاكين، التي أداها محمود أبوالعينين فنان السيرك القومي.

تصاعدت انفعالات المتفرجين كذلك في بعض المشاهد غير النمطية، المعتمدة على التقنيات الحديثة، وعلى الحيل والخدع التي هندسها إيهاب جمعة، ومنها تلك المعارك والانفجارات المدوّية، التي جاءت طبيعية وكأنها حقيقية.

تبدو مسرحية “كينغ كونغ” اجتهادا مسرحيا لتقديم عرض لطيف يليق بالمشاهدة الممتعة ويحمل قيمة فكرية في الوقت ذاته، لكنه لم ينج من فجاجة المباشرة بخطابيتها ومنبريتها الزاعقة.

14