"ألعاب بهلوانية" لإنقاذ السياحة التونسية

لا الشمس ولا البحر أصبحا يغريان السياح الذين اعتادوا على قضاء إجازاتهم في تونس بعد الهجمات الإرهابية التي تسببت في إغلاق الفنادق والركبات السياحية وأحالت الآلاف من العمال على البطالة، لذلك يحاول البعض أن يجد سبلا أخرى تعيد الحركة السياحية إلى سالف نشاطها، وذلك من خلال التعريف بالمناطق الأثرية والطبيعية وبنمط حياة السكان، للترويج للسياحة الثقافية والبيئية التي مازالت تغري البعض من الأجانب والتونسيين باكتشاف بلدهم الغني بطبيعته وتراثه وآثاره.
الجمعة 2016/07/08
في تونس.. هناك ما يستحق الاكتشاف

تونس - تعد القلعة القديمة ذات الطراز المعماري الإسلامي بمدينة المنستير المطلة على الساحل الشرقي لتونس والتي تقع في مهب الرياح، موقعا مثاليا لأربعة من الشباب يرتدون الملابس الرياضية، ويقومون باستعراضات سريعة الإيقاع حيث يندفعون متخطين برشاقة الأسوار القديمة للقلعة، ثم يقفزون في حركة دوران إلى الخلف باتجاه قاعة لعرض الأعمال الفنية المركزية.

وبينما يمارس الشبان ألعابهم البهلوانية في الباحات الداخلية للقلعة، ينظر البعض من الزوار التونسيين إليهم بإعجاب بالغ مرددين عبارات التشجيع، ويسجل أحد الشباب الحركات الاستعراضية بآلة تصوير سريعة مخصصة للمغامرات والألعاب الرياضية.

وتصبح القلعة بمثابة فردوس بالنسبة لممارسي رياضة “الباركور” الجديدة الآخذة في الانتشار، والتي تقوم على اجتياز العوائق والحواجز بالمدن بسرعة ورشاقة وقوة، وهم يأملون في أن تشجع هذه العروض الأجانب على القدوم ومشاهدتها بأنفسهم.

ومن المتوقع أن تشق اللقطات المصورة في هذا الفيديو طريقها إلى موقع يوتيوب الإلكتروني.

يقول شاب من المشاركين في العرض ويدعى طاهر نوري وهو يحاول التقاط أنفاسه “إننا نسعى إلى إظهار الجانب الجميل من تونس”.

وفي العام الماضي أسس نوري بالاشتراك مع أنيس بوخريس موقع “اكتشف تونس” الإلكتروني، ويقوم هذان الطالبان باستكشاف المواقع الشهيرة والنائية في بلدهما، وعرض صور لها بعد إضافة البعض من التوابل التجميلية إليها على شكل عروض رياضة الباركور.

وهذه الرياضة المستحدثة فتنت ألباب الشباب في مختلف أنحاء العالم، على الأقل منذ أن قام جيمس بوند بالقفز فوق أسطح العمارات والأوناش في فيلم ” كازينو رويال”، وتحظى فيديوهات “اكتشف تونس” بالآلاف من المشاهدات على يوتيوب.

ويضيف نوري الذي يبلغ من العمر 22 عاما ويقيم في تونس العاصمة “إننا بحاجة إلى تشجيع السياح على العودة مرة أخرى”.

من المؤكد أن هذه الدولة الواقعة في شمال أفريقيا في أمس الحاجة إلى استعادة معدلات السياحة الوافدة إليها، وحتى الآن نجد أن السياح الراغبين في زيارتها يخشون الإرهاب ويفضلون البقاء في أوروبا.

رياضة الباركور المستحدثة فتنت ألباب الشباب في مختلف أنحاء العالم منذ أن قام جيمس بوند بالقفز فوق أسطح العمارات والأوناش في فيلم ” كازينو رويال”
تزامن يوم 26 يونيو مع مرور عام على وقوع الهجوم الإرهابي على منتجع ساحلي في مدينة سوسة وقد أسفر عن مقتل 38 سائحا، كما وقعت هجمات أخرى خلال الأعوام الأخيرة مما مثل مشكلة كبرى لدولة تعتمد إلى حدّ كبير على إيرادات السياحة، إذ أن قطاع السياحة التونسية ظل يعاني منذ قيام ثورة 2011 وسقوط الرئيس زين العابدين بن علي الذي حكم البلاد لفترة طويلة.
لقد شهدت تونس تراجعا كبيرا للأنشطة السياحية، فنرى مثلا الفنادق المتناثرة بمدينة توزر والواقعة في الصحراء حيث توجد مناظر خلابة بواحاتها قد أغلقت أبوابها، أما في ميناء بنزرت القديم شمالي البلاد فيمكن رؤية الهيكل الخرساني لحوض السفن الذي لم يُستكمل بناؤه مطلا على المدينة القديمة، وفي بلدة جرجيس الجنوبية بالقرب من جزيرة جربة السياحية، يمضي الشباب التونسي العاطل أوقاتهم جالسين في المقاهي بعد أن كانوا يعملون في فنادق المنطقة.

وتحاول السلطات التعامل مع مشكلة الإرهاب، فلقد تمّ تشديد الإجراءات الأمنية في مختلف أنحاء البلاد، وتم نشر نقاط تفتيش قبل الدخول إلى مدينة سوسة ومنتجعاتها، كما وضعت حواجز داخل المدينة ذاتها للحد من سرعة السيارات حول الفنادق.

وتمرّ دوريات من رجال الأمن الذين يرتدون زيا أسود اللون لحراسة الشواطئ، وسط مقاعد الشاطئ الخالية من الرواد، باستثناء مجموعة قليلة من السياح أو البعض من السكان المحليين الذين يمارسون رياضة الهرولة، بينما لا يستبعد الخبراء في أوروبا وأماكن أخرى إمكانية وقوع المزيد من الهجمات، ومنذ الهجوم الذي وقع في العام الماضي على الأقل، أصبح من الواضح أن النموذج القديم لتنظيم الأفواج السياحية بشكل شامل والهادف إلى تمضية العطلات على الشواطئ التونسية قد انتهى.

وحتى قبل ذلك بذلت جهود لتنويع المنتج السياحي لتونس، بحيث يشمل رحلات سفاري صحراوية إلى الجنوب، وتنظيم رحلات للسير بين المرتفعات والغابات، إلى جانب تشجيع السياحة الثقافية في المواقع الرومانية القديمة والتي تنتمي إلى الفترة الأولى من دخول الإسلام إلى البلاد، والآن يحاول البعض من التونسيين العمل بكل جد لتنشيط هذه البدائل.

ويعرض موقع “اكتشف تونس” فيديوهات رائعة عن أطلال المباني الرومانية في مدينة دقة الأثرية، والوديان في مدينة الكاف، كما تحاول شركات السفر البديلة مثل “التواصل مع الثقافة” اجتذاب السياح بارتياد مجموعة من المعالم وتنظيم أنشطة ثقافية وزيارات للعائلات الأمازيغية.

ولا يمكن التنبؤ بما إذا كان في استطاعة تونس التخلص من تركة الإرهاب، ومع ذلك تتمتع البلاد بالكثير من المعالم التي تغري الزائرين بالقدوم، ومن هنا فإن طاهر نوري يبدو متفائلا، ويقول “في كل مرة أكتشف فيها موقعا جديدا، أقع في هوى تونس بدرجة أكبر”.

20