ألغاز العلاقة بين روسيا ومصر

الاثنين 2015/11/23

المتابع لمسار العلاقات بين القاهرة وموسكو يشعر بالحيرة، فتارة تبدو مزدهرة وأخرى ملتبسة، وقد كشفت بعض التطورات خلال الأسابيع الماضية عن حالة نادرة من التناقض، جعلت مصير العلاقات المشتركة مرتبطا بمدى القدرة على فك شفرات الكثير من الألغاز السياسية.

ففي الوقت الذي بدت فيه مصر كأنها حسمت خيارها نحو التوجه شرقا، ووضعت جزءا من رهاناتها الدولية على موسكو، فاجأتها الثانية بسلسلة من المواقف السلبية، عقب سقوط الطائرة الروسية فوق صحراء سيناء نهاية الشهر الماضي.

وبدلا من أن تتضامن موسكو مع القاهرة في محنتها السياسية، التي ترتبت على سقوط الطائرة، انحازت إلى المواقف الدولية التي اتهمت مصر بالتقاعس الأمني، وقامت بمنع هبوط طائراتها في المطارات المصرية، والإعلان عن إجلاء رعاياها.

وعندما تأكدت من أن طائرتها سقطت بفعل تفجير إرهابي، منعت تماما هبوط الطائرات المصرية في مطارات روسيا، وهو ما منح مصداقية للاتهامات التي وجهتها قوى دولية، مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية إلى مصر، فإذا كانت موسكو الحليف الجديد للقاهرة، اتخذت حزمة من الإجراءات العقابية، فما بالنا بالدول المتهمة بالتربّص؟

قطاع كبير من المصريين بدأ يتشكك في نوايا موسكو، وأنها من الصعوبة أن تكون حليفا قويا لبلدهم، ولم يصدق هؤلاء محاولات التطمين التي كانت تبعث بها المكالمات الهاتفية مؤخرا بين الرئيسيْن، الروسي فلاديمير بوتين والمصري عبدالفتاح السيسي، وكان كل طرف يعلن عن جانب إيجابي من مضمونها، بما يوحي أن العلاقات لم تتأثر بالإجراءات التي اتخذتها موسكو وأن القاهرة متفهمة للرؤية الروسية.

زاد الأمر حيرة، مع التلميح الذي حواه خطاب بوتين، وهو يعلن أن عملا إرهابيا أسقط الطائرة، متوعدا باستخدام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تخول له متابعة المجرمين في أي مكان، هنا بدأ يتردد على نطاق واسع أن موسكو يمكن أن توجه طائراتها العسكرية نحو سيناء، التي تعد أهم بؤرة إرهابية في مصر، بصورة تتضافر مع معلومات عملت على تسريبها بعض وسائل الإعلام الغربية، لم تستبعد أن تكون سيناء هدفا دوليا محتملا للحملات الانتقائية بذريعة مكافحة الإرهاب.

التفسير المصري للألغاز الروسية ظل مختفيا، بل غير عابئ بالاجتهادات التي وصلت إلى حد أن تصرفات موسكو مع القاهرة، ترمي إلى جرها للمستنقع السوري، أي الضغط عليها لإرسال قوات برية تحارب إلى جوار القوات الجوية الروسية، التي بدأت منذ حوالي شهرين قصفا مكثفا على معسكرات داعش في سوريا ولم تحقق نصرا حاسما، لأن ذلك لن يحدث دون وجود قوات عسكرية على الأرض.

ولأن موسكو تسعى بكل قوة إلى تجنّب تكرار سيناريو أفغانستان، وعدم التورط في معارك برية على الأراضي السورية، كان من الطبيعي أن تفكر في اختبار حليفتها الجديدة مصر، التي تبنت مواقف منحازة لنظام بشار الأسد، المدعوم من روسيا وإيران.

لكن القاهرة التي تحفّظت على انخراط قواتها البرية في اليمن، لم تستجب لدعوات صريحة أو ضمنية، بالنسبة إلى سوريا، من هنا كان التفسير بأن روسيا سلكت مسلك الضغط على مصر للاستجابة إلى مطلب التدخل في سوريا الذي له وجهة منطقية.

في هذا السياق، جرت مياه كثيرة، غالبيتها كان يصب في إطار التفسيرات والتبريرات ومحاولات فهم العقدة التي ظهرت في منتصف طريق العلاقات بين موسكو والقاهرة، بعضها ذهب إلى أن روسيا تعرضت لضغوط دولية لتبني مواقف سلبية من مصر، بسبب حادث الطائرة، ولم تستطع مقاومتها، وبعضها روّج بأن هناك أزمة نشبت بين البلدين جراء شح المعلومات الأمنية التي قدمتها القاهرة لموسكو، وهناك فريق ثالث قال إن موقف بوتين طبيعي لأنه يخشى من تعرض مواطنيه إلى مكروه آخر في مصر، تكون له تداعيات سلبية على مستقبل تدخله في سوريا.

وسط التقديرات المتضاربة، أصرت روسيا على استمرار سياسة الغموض، حيث وقّعت مع مصر اتفاق بناء أول محطة نووية في منطقة الضبعة على الساحل الشمالي لمصر، ما يوحي بأن العلاقات تسير في طريقها الإيجابي ولم تتأثر بالمنحنيات والتعرّجات التي دخلتها عقب حادث سقوط الطائرة الروسية، وهو ما جعل الألغاز تبقى على حالها.

التقدير عندي أن العلاقات بين البلدين، لا تزال تتمتع بقدر من المتانة، لكن المشكلة أن الأدبيات الدولية الجديدة لم تعد تقبل سياسة إما مع أو ضد، والدليل أن الخلافات الكثيرة بين روسيا والولايات المتحدة لم تمنع كلا البلدين من الدخول في تفاهمات بشأن بعض القضايا، بمعنى أن التباين الظاهر بين القاهرة وموسكو بموجب تطورات حادث الطائرة، لن يحل دون المضي قدما في استكمال تنفيذ اتفاقيات جرى الإعلان عنها.

وهناك ثلاثة محددات رئيسية، التوقف عندها قد يزيح جزءا من الغبار الذي تراكم في الآونة الأخيرة على جدار العلاقات المصرية – الروسية.

الأول، تردد مصر تجاه حسم خيارها بالتوجه نحو روسيا، الأمر الذي يقلق موسكو ويجعلها أكثر تريّثا مع القاهرة، التي لا تزال تضع عينا على واشنطن والثانية على موسكو، لأن التشابكات الحاصلة في الأزمات الإقليمية الراهنة، مكّنت الولايات المتحدة من القبض على بعض مفاتيح الحل والعقد فيها.

الثاني، أن روسيا تتعامل بمنطق الدول الكبرى، ولا تقبل بأن تكون بديلا أو احتياطيا لأي دولة، وترفض أن يتم التعامل معها باعتبارها رقما عاديا، وهو ما كشفته التوجهات البراغماتية التي تسير عليها السياسة المصرية، حيث تريد أن تضع في سلتها جميع دول العالم، بصرف النظر عن حجم التناقضات بينها.

الثالث، الأجواء السياسية والاقتصادية التي تعيشها مصر حاليا، تضعها في خانة الدول ذات القابلية المرتفعة للابتزاز، الأمر الذي يجعلها في هذه اللحظة أكثر تعرضا للمساومات، لأن تعافيها التام سوف يضاعف من مناعتها ومقاومتها السياسية.

كاتب مصري

8