ألغاز الكتيبة الإعلامية في مصر

الاثنين 2015/02/16

الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في مصر منذ ثورة 25 يناير، منح عددا كبيرا من الإعلاميين ثقة في النفس، جعلت بعضهم يتصور أنه فوق النقد، والأخطر أن دوائر رسمية في الدولة، بدأت تخشى غضبهم، وتعمل ألف حساب لألسنتهم وأقلامهم، وتسعى إلى استمالتهم، وقد تمادى هؤلاء في صلفهم أحيانا إلى حد الحديث عن أعراض بعض المسؤولين في مؤسسة الرئاسة، وتقديم نصائح للرئيس عبدالفتاح السيسي، للإيحاء بأنهم يشاركون في صناعة القرار.

هذا جانب مهم في الحالة الإعلامية المتردية التي وصلت إليها مصر، ومن يدقق في تفاصيلها، يمكنه بسهولة أن يتعرف على الخيوط المتشابكة، والأسباب التي أدت إليها، والمخاطر التي تنطوي عليها، خاصة أن هناك من يتعاملون، في الخارج، مع ما تبثه قنوات فضائية مصرية كثيرة من معلومات وتصريحات وتخمينات، على أنه تعبير عن وجهة نظر رسمية تتبناها الحكومة، طالما سمحت بمرورها إلى المشاهدين، في الداخل والخارج، اتساقا مع القاعدة القديمة أن كله تحت السيطرة، ويعمل تحت مظلة واحدة.

الحقيقة التي يخشى كثيرون من الاقتراب منها، أن ثمة إعلاميين خارج السيطرة يتعمّدون تضخيم دورهم، وارتكاب تجاوزات مقصودة، وهم واثقون أنهم لن يحاسبوا أو يعاقبوا أو حتى يعاتبوا، في ظل غياب القوانين الرادعة، واختفاء وزارة الإعلام في ظروف غامضة، وفزع بعض المسؤولين من سلاح الإعلام، الذي لعب دورا مهمّا في الحشد الجماهيري لإسقاط حكم الإخوان، وإنجاح الرئيس عبدالفتاح السيسي في الانتخابات بنسبة تصويت جيّدة.

كما أن هؤلاء، تقف خلفهم إمبراطوريات مادية وإعلامية، نجحت في تثبيت أقدامها في المشهد المصري العام، وأنست الناس أصولهم وانتماءاتهم السياسية، فغالبية أصحاب القنوات الفضائية في مصر من رجال الأعمال الذين عملوا واستفادوا من نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، واستعانوا بعدد من الصحفيين على شاكلتهم، فاجتمعت المصالح المشتركة بينهما، واتفقا على ضرورة تثبيت الأقدام الإعلامية والسياسية، للدرجة التي يبدي غالبيتهم قربا من الرئيس السيسي، ويظهرون تأييدا له، وفي الوقت نفسه يمارسون تكسيرا ممنهجا في هياكل نظامه.

المشكلة الأخطر، أن طريقة “الطبطبة” التي تدير بها معظم المؤسسات الرسمية، بما فيها رئاسة الجمهورية، علاقتها مع الإعلاميين، خاصة المشاهير من مقدمي البرامج التلفزيونية، أعطت انطباعات بأن الجميع أصبح حريصا على عدم الدخول في خلافات معهم، بل ويسعى إلى استرضائهم، ولعل مواكب الإعلاميين التي ترافق السيسي في رحلاته الخارجية خير دليل، والتي يمولها بعض رجال الأعمال، للتأكيد على أن لديهم قنوات وخطوط مباشرة مع مؤسسة الرئاسة، الأمر الذي يعزز مصداقية من يتحدثون في قضايا وملفات بعينها، حيث تبدو مواقفهم كأنها مطلوبة، أو ضمن سمفونية رسمية تعزف لأغراض سياسية محددة.

رغم المشاكل التي تسبب فيها بعض الإعلاميين، من المغرب وحتى السعودية، مرورا بالمزايدات الرخيصة أحيانا في ملفي قطر وتركيا، غير أن الجهات الرسمية لم تردع أحدا منهم وهو ما أعطى رسائل خاطئة بأن الانتقادات التي أقدم عليها هؤلاء تأتي في إطار توجيه مقصود، مع أن نتائج هذه التصرفات كانت باهظة، لأنها كادت تتسبب في أزمات عميقة وكبّدت وزارة الخارجية جهدا لتخفيف تداعياتها السياسية.

السائد في أوساط قطاع كبير من الإعلاميين، أن أجهزة الدولة تتجنّب الصدام مع بعض مقدمي البرامج وتتعمّد تدليلهم، خوفا من انقلابهم عليها، وقد تعززت هذه القناعة لدى الرأي العام، بعد اللقاءات المتكررة التي يعقدها الرئيس السيسي مع إعلاميين، وحرصه على عدم تفويت فرصة لشرح مواقفه أمامهم، وهو ما عزز التكهنات بأنه يتجنّب غضبهم، مع أن الكثير منهم يتعمد تسويق تقديراته ويقدمها كمعلومات مستقاة من مصادر حكومية، بما أدى في بعض الأوقات إلى مزيد من الضوضاء، فقد أحرج البعض أجهزة رسمية في الدولة، لأنه من الصعوبة استيعاب أن تكون الآراء التي جرى تسويقها، جاءت بلا موافقات رسمية.

حيال هذه المشكلة من الطبيعي أن يتم تعامل البعض مع ما يقدم من نقد لدول عربية وغيرها، باعتباره يعكس مواقف رسمية واضحة، أو تعبيرا عن رسائل تريد مصر توصيلها من خلال هذه القنوات، لكن ما لا يدركه كثيرون خارج مصر، أن الدولة لم تعد قادرة على التحكم في كثير من مفاصل الإعلام كما كان في السابق، وحتى التوجيهات الودية، لم تعد مأمونة، فهناك صحفيون وصحفيات في مصر، يتصرفون بقدر من اللامسؤولية، ويتعمّدون إفشاء ما هو في حكم الأسرار، فإحداهن التقت رئيس الوزراء، بعد ذلك بيوم واحد حكت في مقال لها تفاصيل اللقاء الذي جمعهما، حتى أنها روت حكاية أنه سمح لسائق سيارته بأن يوصلها إلى منزلها، بطريقة تؤكد الاهتمام والتدليل.

أي نظام يقبل أن يتسبب الإعلام في أن يضر بمصالحه إلى الدرجة التي كاد أن يتسبب في أزمة سياسية كبيرة مع المغرب، وأخرى مع السعودية، وفي الحالتين، كانت الشرارة إعلامية، والآن يبدو الموقف السياسي في طريق والإعلامي في آخر منفصل تماما، وقد أفضت العشوائية التي يدار بها جانب كبير من الإعلام في مصر، إلى حالة عارمة من التشويش، اختلط فيها الإعلامي بالسياسي، ومن الصعوبة أن تفصل بين الجانبين، لأن هناك فئة حريصة على استمرار المشهد المرتبك لأكبر فترة ممكنة، وتخشى أن يؤدي الاستقرار العام إلى الالتفات لتجاوزاتها، ومحاسبة من يقف خلفها، على جريرة الأخطاء التي ارتكبت طوال الفترة الماضية.

هذا الفريق يدرك أن فتح ملف التجاوزات الإعلامية في الوقت الراهن، عليه محاذير، خوفا من أن يتم استثماره في إطار الحملة الدولية التي تتهم الحكومة بالتضييق على الحريات، من هنا يطمئن المتجاوزون أنهم معصومون من العقاب في كل الحالات، وسوف تظل ألغاز الكتيبة الإعلامية مستمرة، حتى يأخذ القانون مجراه.


كاتب مصري

9