ألغاز الوزارات الأمنية في العراق

الأربعاء 2014/10/15

ربّ سائل يسأل عن الأسرار الكامنة وراء تحوّل الوزارات الأمنية في العراق إلى ألغاز ومعميّات ودهاليز سريّة مظلمة، لا يكاد يعرف عنها المواطن العراقي شيئا منذ عام 2003 وحتى الوقت الراهن. ترى، هل هناك أسباب منطقية تبرِّر للنظام العراقي الجديد سرّيته وتكتّمه على حقيقة ما يجري في أروقة وزارتي الدفاع والداخلية ومستشارية الأمن الوطني.

وإذا وضعنا هذه الأخيرة جانبا، على الرغم من اقتصـار حقيبتها على مسؤولين من التحالف الوطني الذيـن يتميـّزون بنفسهم الطائفي الواضح، نجد أن وزارتي الدفاع والداخلية أصبحتا تمثلان ألغازا مستديمة لا حلّ لها، والسبب في ذلك هو البناء الطائفي لهاتين الوزارتين السياديتين كما يُطلق عليهما، ولأن تعداد المكوِّن السُني يكاد يتساوى مع المكـوِّن الشيعي أو يقـلّ عـنه بنسبة ضئيلة، فإنه يُطالب بإحدى هاتين الوزارتين المهمتين، وغالباً ما يحدث شدّ وجذب متواصلان في أروقة البرلمان ينتهيان بالتسوية على أساس التحاصص أو الشراكة من دون إغفال التواجد الكردي الذي يحتل مناصب رفيعة في هاتين الوزارتين.

إنَّ منْ يتابع تشكيـل وزارة الداخلـية، بعد أن حلّها بول بريمر وأفرغها من كل عنـاصرها المهنية الكفأة، سيجد أن غالبية منتسبيها الجُدد هم من الميليشيات الشيعية المتطرفة التي كانت تصطـفُّ إلى جانب العـدو الإيراني آنذاك، وتصوّب فوّهات بنادقها على العراقيين من أبناء جلدتهم في موقف لم يعرف له التاريخ مثيلاً، وعلى رأس هذه الميليشيات “فيلق بدر” الذي يقوده هادي العامري، وميليشيات حزب الدعوة الإسلامية الذي تصدّع إلى ثلاثة أحزاب صغيرة لكنّ ميليشياته، بغض النظر عن قياداتها، ظلت تشكِّل رافداً طائفياً لوزارة الداخلية، وكذلك “جيش المهدي” الذي اندمجت الكثير من عناصره في وزارة الداخلية وأورقتها الأمنية والاستخبارية.

ولتأكيد صحة ما نذهب إليه لا بد لنا أن نتوقف عند ما يسمى “بألوية الذئب”، وهي فرق موت مؤلفة كلها من عناصر “فيلق بدر” الذين يشكّلون النواة الأولى لألوية الذئب في وزارة الداخلية، وسوف يقابلها في وزارة الدفاع “فرق الموت” أو “الفرق الذهبية” التي اعتاد العراقيون السُنة على تسميتها بـ”الفرق القذرة”، وذلك بسبب بطشها بالناس البسطاء والمواطنين العُزّل الذين لا حول لهم ولا قوّة في مواجهة هذه الفرق المدجّجة بأحدث الأسلحة الأميركية وأشدها فتكاً وضراوة.

لقد تمّ في حقبة بول بريمر السوداء استدعاء الكولونيل جيمس ستيل، رجل أميركا الغامض كما يُطلق عليه، فهو متخصص في مكافحة التمرّد المسلّح، وله تاريخ ملطّخ بـ“العار والشنار” في بلدان أميركا الوسطى والحروب القذرة التي اندلعت هناك، ويُتهم بقتل 75 ألف مواطن سلفادوري تمت تصفيتهم باستشاراته الإجرامية الخاصة بتهمة التمرّد، الأمر الذي جعل منه علامة فارقة في هذا المضمار، فذاع صيته السلبي في كل مكان تقريباً. وحينما أُسندت له مهمة تأسيس “لواء الذئب” أمر باستقدام عناصر “فيلق بدر” ليكون النواة الأولى للتشكيلات الطائفية ذات الصبغة الواحدة.

وقد أوعز بتدريبهم تدريباً قاسياً لكي يفتكوا بالمكوّن السُني برمته بحجة ولائهم للنظام السابق. وحينما تأسست الوحدات والتشكيلات الأخرى درجت على نفس المنوال مستقطبةً عناصر ميليشيات حزب الدعوة الإسلامية، وجيش المهدي وسواه من الميليشيات التي تناسلت أثناء حقبتي نوري المالكي السوداوين.

لم تكن الشرطة هي التشكيل الطائفي الوحيد في وزارة الداخلية، بل أن معظم العناصر الأمنية والاستخبارية تكونت من هذه الميليشيات الطائفية التي لم تشبع من الانتقام حتى هذه اللحظة. وهذا يعني أن الأحزاب الدينية الشيعية وميليشياتها الطائفية يتحملان المسؤولية القانونية والشرعية لموت آلاف مؤلفة من المواطنين العراقيين الأبرياء، الذين غُدر بهم على أساس المذهب غالباً أو الدين والعرق في أحيان أخرى.

شهدت وزارة الداخلية خروقات متفاوتة خلال توزير فلاح النقيب، جواد البولاني، باقر جبر الزبيدي، ونوري المالكي الذي كان يدير الوزارتين بالوكالة خلال دورته المشؤومة الثانية.

وإذا كانت حقبة النقيب والبولاني هي الأخف وطأة على العراقيين، على الرغم من الفجائع التي تعرّضوا لها، إلا أن حقبتي باقر جبر الزبيدي ونوري المالكي تعتبران الأسوأ في تاريخ وزارة الداخلية، حيث تعرض العراقيون السُنة تحديداً والمعارضين الشيعة إلى تصفيات جسدية مروّعة، وعمليات قتل ممنهج ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والإبادة الجماعية.

وهذا هو السبب الرئيس الذي يمنع الساسة الجُدد من إسناد هذه الوزارة إلى أي مسؤول عراقي من خارج كتلة التحالف الشيعي لأنه قد يزيح الغطاء عن هذه الأسرار المُلغزة التي يريدون طمرها في بئرهم العميقة، متصوّرين أن بإمكانهم إسدال الستار عليها إلى الأبد، متناسين أن المجرمين مهما راوغوا القانون وتحايلوا عليه، فإنهم سيقعون في شرَكه في خاتمة المطاف.

لا تختلف وزارة الدفاع كثيراً عن شقيقتها الداخلية، فالجيش هو من ذات المكون الذي هيمن على فصائل الداخلية وألويتها الوحشية التي تفتك بالمواطنين. ولقد صرخ أسامة النجيفي، رئيس البرلمان العراقي السابق، غير مرة، بأن جميع الوزارات الأمنية تفتقر إلى الموازنة السكانية وأن الفروقات فلكية ولا يمكن لأحد أن يتصور حجم الفارق بين حصص المكونات العراقية في الوزارات السيادية، ولكنه كان يصرخ في قربة مثقوبة إلى أن حدثت كارثة احتلال الموصل وصلاح الدين، ثم سيطرة “داعش” والتنظيمات المسلحة الأخرى على ثلث مساحة العراق تقريباً.

إن ألغاز وزارتي الدفاع والداخلية ومستشارية الأمن الوطني قد تكشفت للجميع، ماعدا الذين في أعينهم قذىً وفي آذانهم وقر، وإذا أراد السيد حيدر العبادي أن يُخلص في ولائه للعراق، فعليه أن يكشف كل الأوراق، ويحلّ كل الألغاز العويصة التي استعصت على بعض العراقيين وأرّقتهم لسنوات طوال، علماً وأن الحلّ بسيط ويكمن في عدالة الموازنة بين مكونات الشعب العراقي جميعها، من دون أن ننسى محاسبة المقصّرين، والذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب العراقي العزيز، عند ذلك نستطيع أن نتحدث عن جيش عراقي لا تُهزمه قوات “داعش”، ولا يزعزع سواتره الأمامية أي تنظيم إرهابي مهما أوغل في تطرفه، وتنمّر في سلوكه الوحشي.


كاتب عراقي

8