ألغاز تحيط بتاريخ اللغة العربية

الأربعاء 2016/10/05

ثمة أسئلة كبيرة وكثيرة حول اللغة العربية وتاريخها، لا يملك الباحثون وعلماء اللغة إجابات عليها حتى هذه اللحظة، ومن ذلك: كيف امتلأت لغة القرن الثامن الميلادي بالمصطلحات الفلسفية العربية دفعة واحدة، وهل ثمة مرحلة سابقة تم فيها تطويع الفلسفة للغة الضاد؟

لا جواب حاسما حتى اللحظة، ولكن، من الناحية المنطقية، ليس ثمة مجال لافتراض معاكس، إذ تندر المصطلحات الفلسفية التي لا نجد لها تخريجا لغويا عربياً، وهذا من ألغاز التاريخ العجيبة، فحتى اللاتينية وما تفرع عنها من لغات استخدمت المصطلح الفلسفي اليوناني كما هو من دون أن تعثر له على مقابل! أما كيف تم ذلك للعربية، وفي وقت مبكر، وبشكل متفق عليه بين جميع الفلاسفة واللاهوتيين الذين وصلتنا مؤلفاتهم، فهذا ما يدعو للحيرة والافتراض عقلياً بأن ثمة مرحلة تأسيسية سابقة لما يسمى عصر التدوين خلال العصر العباسي الأول، ولكن متى وكيف؟ هذا ما يصعب التكهن به وحوله ضمن المعطيات المادية المتوفرة بين أيدينا اليوم.

ولكن، لا بد من ملاحظات البعض من الظواهر اللافتة المرتبطة بهذا الموضوع، وعلى رأسها أن المؤلفات المكتوبة بلغة فلسفية عربية هي تلك المتعلقة باللاهوت المسيحي العربي، خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، أي قبل أي كتاب فلسفي لمتكلم مسلم. وتبرز هنا أسماء مثل ثاودورس أبوقرة وحبيب ابن خدمة وعمار البصري وربما عبدالمسيح الكندي، الذين كتبوا بلغة فلسفية واحدة تشي بأنهم اعتمدوا على مصدر سابق لا نعرف عنه شيئا.

لم تنشأ اللغة العربية التي نسميها اليوم لغة فصحى دفعة واحدة. لقد مرت بمراحل تطور متلاحقة لا نكاد نعرف عنها شيئا، ولم يبحث فيها، لا السابقون ولا اللاحقون، وما محاولات البعض من المستشرقين أمثال ثيودور نولدكة، ومن أتوا بعده من المدرسة الألمانية، إلا حجر صغير في بحيرة كبيرة مترامية الأطراف.

ربما سبب الخشية من جانب الدارسين العرب يعود إلى هالة القداسة التي تحيط باللغة العربية كونها لغة القرآن الكريم والأحاديث النبوية، فالقداسة هنا عطلت البحث الجدي الذي كان من شأنه أن يضيء على جوانب مظلمة حول تاريخانية هذه اللغة وعلاقتها باللغات الشقيقة السابقة لها، والتي نشأت هي في بوتقتها وأخذت عنها، بالإضافة إلى اللغات غير الشقيقة كاليونانية واللاتينية التي أثرت فيها خلال العصر الهلنستي المديد، ومنذ القرون الميلادية الأولى، حين كان العرب يشكلون عماد الجيوش الرومانية، وحين كان الطقس الديني المسيحي يؤدى باللاتينية واليونانية والسريانية.

تحتاج اللغة العربية إلى الكثير من الجهود البحثية للوقوف على تاريخها الحقيقي والمقارن مع اللغات الأخرى، فمن شأن هذه الدراسات أن تجعلنا نفهم هويتنا بشكل أوضح وأكثر تجذرا، في زمن تتناهب أمة العرب رياح عاتية لا تبقي ولا تذر.

كاتب من سوريا

14