ألغام الإخوان تحت أقدام المصريين

حادثة المنيا التي استهدفت مواطنين مصريين من الأقباط، صنعت إضافة إلى نتائجها المباشرة المتمثلة في ضحاياها من المدنيين، سوء فهم خطير ومضلل يقوم على الدعوة إلى توفير الحماية للأقباط المصريين بوصفهم أقلية دينية، وهو فهم يعيد إنتاج نفس المنطلقات التكفيرية والإقصائية التي تروّجها تنظيمات الإرهاب، وبصرف النظر عن تبيّن الفاعل الحقيقي والمنفذ المباشر، فإن هذا الفكر الديني التقسيمي هو جزء من حقل الألغام الذي زرعه الإخوان في المجتمع المصري.
الأربعاء 2017/05/31
الأقباط مواطنون وليسوا أقلية

كما لو أن مصر تشهد حربا دينية، تتعالى فيها الأصوات المدافعة عن الأقباط كلما وقعت جريمة في حقهم. وهو بالضبط الهدف الذي يسعى إليه الإرهابيون وهم يظنون أن المسألة الدينية هي المنطقة الرخوة التي يتمكنون من خلال ضربها من نشر الفوضى والذعر والعنف في ثنايا المجتمع، بدءا من هز صورة الدولة التي تبدو عاجزة عن كبح جماح الجماعات المتطرفة.

وإذا ما كانت جريمة المنيا (26 مايو الجاري) قد أُلحقت عنوة بالسجل الإجرامي لتنظيم داعش، وهو أمر لا يمكن التأكد منه، فإن سلسلة الوقائع الدموية التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة وبالضبط بعد إسقاط حكومة الإخوان المسلمين، تؤكد أن الجماعة الدينية التي عادت إلى الحظر قد أعلنت حربا مفتوحة على الشعب المصري الذي خذلها حين حرمها من تنفيذ فقرات أجندتها من خلال السلطة.

ولأن حرب الإخوان على المصريين لا تستثني أحدا، فيمكن أن تكون جريمة المنيا هي واحدة من فقرات تلك الحرب. وهي حرب خُطط لها أن تكون طويلة.

ذلك لأن إزاحة الفكر الإخواني، الذي هو مصدر كل الإرهاب الذي ضرب المنطقة، تتطلب نفسا طويلا وخبرة أمنية وزمنا ليس بالقصير، إضافة إلى اعتماد برامج تعليمية وتثقيفية تستند بشكل أساس إلى مراجعة الأخطاء الثقافية البشعة التي ارتكبت في حق الإنسان المصري عبر عهدي الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك.

التركيز على الطابع الديني لجريمة المنيا هو من وجهة نظري خطأ انجر إليه الكثيرون من غير أن ينتبهوا إلى الأهداف السياسية التي يسعى إليها إرهابيو الإخوان. وهي أهداف تبدأ بضرب الوحدة الوطنية وإنهاء السلم الأهلي ووضع مصر على لائحة الدول المرشحة للحروب الأهلية. لذلك فإن كل رصاصة وجهت إلى صدور أطفال المنيا الأبرياء، إنما كانت موجهة إلى رأس كل مصري لا يزال يؤمن بالمواطنة.

التركيز على الطابع الديني لجريمة المنيا خطأ انجر إليه الكثيرون من غير أن ينتبهوا إلى الأهداف التي يسعى إليها إرهابيو الإخوان

جريمة المنيا هي جزء من حرب سياسية أريد لها أن تلوث المجتمع المصري بعار العنصرية التي ينطوي عليها تاريخ الحرب الدينية.

لذلك فإن الدفاع عن حق الأقباط في العيش الآمن والكريم باعتبارهم أقلية في بلدهم إنما يعبّر عن سوء فهم واضطراب في الرؤية، وهو ما يمكن أن يجر الجميع إلى المنطقة موقع القتل الذي هيأه الإرهابيون.

هي مؤامرة سياسية تقوم قواعدها على أساس الفتنة الدينية. وما من جهة يمكن أن تفكر سياسيا بذلك الغطاء الديني سوى جماعة الإخوان التي تأكد لها أن مشروع إقصائها قائم وإلى الأبد، وأن الشعب المصري قد طوى صفحتها بعد أن ذاق مرارة سنة واحدة من حكمها.

لا يحتاج الإخوان إلى الاستعانة بتنظيم داعش لتنفيذ مؤامرتهم.

فما يجب الاعتراف به جهرا أن جزءا لا يُستهان به من الشعب المصري لا يزال مؤمنا بحق الجماعة المهزومة في الحكم، أو على الأقل لا يزال متعاطفا مع الرئيس محمد مرسي الذي عاد إلى السجن الذي سبق له وأن غادره إلى قصر الرئاسة.

وكما يحتاج اجتثاث فكر الإخوان إلى زمن طويل، فإن فهم تقنيات المؤامرة الإخوانية يتطلب وعيا جريئا وصادقا، بعيدا عن الانزلاق إلى مهاوي الأكاذيب التي تسعى الجماعة الظلامية إلى إشاعتها باعتبارها حقائق حياة.

فلا حرب دينية في مصر.

مَن يصدق أن ما جرى في المنيا هو تجسيد لاحتقان ديني، إنما يضع نفسه وصوته في خدمة الإخوان، ويرهن وعيه لرؤيتهم التي تقوم على الانتقام السياسي.

ما يجب استيعابه في هذه المرحلة الخطيرة أن جماعة الإخوان المسلمين، بكل فروعها وتجلياتها، هي الجماعة الأكثر وعيا لمهماتها التدميرية وهي إذ تجيد التعمية على صلتها بالجرائم التي ترتكب في حق المدنيين المصريين فإنها، في الوقت نفسه، تسعى إلى تعبئة المجتمع المصري بالألغام.

13