ألغام الاستعمار الفرنسي مازالت تحصد الضحايا في الجزائر

حصول الجزائر على استقلالها عام 1962 لم ينه مأساة الاستعمار الفرنسي الذي استمرت مخلفاته في حصد الضحايا بسبب الملايين من الألغام التي زرعها والتي تحصد الآلاف من القتلى وتسبب الإعاقات الجسدية إلى اليوم. وقد سارعت السلطات المحلية لنزعها في عملية تتواصل منذ نصف قرن.
الثلاثاء 2016/10/11
رحل الاستعمار وبقيت ألغامه

الجزائر - أزال الجيش الجزائري قرابة 80 بالمئة من مجموع الألغام التي زرعتها السلطات الاستعمارية الفرنسية على مرحلتين؛ الأولى بدأت في عام 1963 وتواصلت 25 عاما والثانية بدأت في عام 2004 وتستمر إلى اليوم، فيما تعلن وزارة الدفاع بشكل دوري في بيانات عن تدمير المئات من الألغام التي زرعها الجيش الفرنسي أثناء حرب التحرير (1954-1962).

ويفوق عدد الألغام التي أزالتها وحدات الجيش الجزائري المتخصصة طوال المرحلتين 8.8 ملايين لغم أرضي، ما يعني أنها تمكنت من تطهير أغلب المواقع التي كانت حقول ألغام في السابق، بحسب بيانات رسمية.

وقال زعباب حسن، أستاذ التاريخ في جامعة العاصمة الجزائرية، إن “دراسات تاريخية عسكرية فرنسية تشير إلى أن الجيش الفرنسي زرع 11 مليون لغم في الجزائر أثناء حربه ضد جيش التحرير الوطني، أغلبها في المناطق الحدودية الجزائرية مع كل من تونس والمغرب لمنع وصول الإمدادات إلى الثوار”.

وأضاف حسن أنه “لا توجد إحصائية دقيقة لعدد ضحايا الألغام الجزائريين، إلا أن عددهم التقريبي خلال 54 سنة من بعد الاستقلال يتعدى 50 ألف ضحية منهم من قتل ومنهم من أصيب بجروح وحالات إعاقة خطيرة بسبب حالات بتر الأعضاء”.

وقال الضابط المتقاعد من الجيش الجزائري، زواهر بشير، من مدينة بشار، التي تقع على بعد 1800 جنوب غرب العاصمة الجزائرية، “بدأنا في عام 1963 عملية نزع الألغام، كنا أعضاء في كتيبة هندسة بالتعاون مع خبراء من الاتحاد السوفيتي، وقد قتل في أثناء عملنا 5 عسكريين جزائريين في 4 أعوام وأصيب 6 آخرون بإعاقات نتيجة انفجار الألغام أثناء نزعها التي كانت تتم بوسائل بسيطة في ذلك الحين”.

لا تملك الجزائر خرائط لحقول الألغام الموجودة، وهو ما يصعب عملية نزعها منذ الستينات من القرن الماضي

وأوضح أن “عملية إزالة الألغام تواصلت طيلة 30 عاما في الفترة بين 1963 و1988، حيث اضطرت السلطات لإيقافها بسبب الأزمة الاقتصادية، ثم عادت بشكل أكثر قوة في عام 2004”.

وأضاف زواهر بشير “اليوم توجد ألغام فقدت فاعليتها بسبب بقائها في باطن الأرض لـ60 عاما تقريبا، بينما توجد غيرها مازالت فعالة وهي التي زرعت في مناطق جافة”.

ووصف الضابط الجزائري عملية إزالة الألغام في الحدود قائلا “كانت عملية شاقة جدا ومتعبة، حيث كانت تتم بوسائل تقليدية نسبيا، مجرد أجهزة للكشف عن المعادن، وكان الجنود تقريبا لا يرتدون البزات الواقية المعروفة الآن، إلا أنهم تمكنوا في السنوات الأولى من تطهير مساحات واسعة من الأرض المزروعة بالألغام”.

وأشار إلى أن القيادة العسكرية في ذلك الوقت أي في الستينات من القرن الماضي قررت الاستعانة بعمال جزائريين سخرتهم القوات الاستعمارية لإقامة خطي “شارل وموريس”، وهما خطان من الأسلاك الشائكة وحقول الألغام أقامهما الجيش الفرنسي أثناء حرب التحرير الجزائرية على طول الحدود بين الجزائر وتونس ومع المغرب، حيث لا تملك الجزائر خرائط لحقول الألغام الموجودة، وهو ما صعب العملية.

وقال الخبير العسكري، محمد تاواتي، إن الألغام المزروعة في الجزائر تنقسم إلى أنواع عدة منها المضادة للأفراد والجماعات، والمضيئة التي زرعت على الحدود الجزائرية التونسية والجزائرية المغربية لمنع وصول الإمدادات إلى قوات جيش التحرير الوطني الجزائري، ثم قنابل عادية وأخرى عنقودية ألقتها الطائرات الفرنسية ولم ينفجر أغلبها، وهي التي تسببت في أغلب الإصابات وسط المدنيين الجزائريين لأنها ألقيت في مناطق جبلية وريفية، ثم قذائف المدفعية التي لم تنفجر بعد إطلاقها، وأخيرا قنابل في شكل أوان وعلب معدنية وتدعى “شراك” أو الفخ.

وروى شمس الدين باهي، أحد ضحايا الألغام من مدينة بشار كيف فقد إحدى قدميه في عام 1970 وكان سنه حينها 11 عاما، قائلا “كنت أرعى مواشي جدي وقد حذرني كبار السن في قرية بوداغ القريبة من الحدود مع المغرب من السير في منطقة واسعة حددها سكان القرية بحجارة ملونة كعلامات”.

وتابع “أثناء رعي القطيع هرب خروف نحو حقل الألغام وعند محاولة الإمساك به انفجر لغم تحت قدمه وتفتت جسده بينما أصابت شظية كبيرة قدمي”، مضيفا “حينها نقلت للعلاج على الفور وقرر الأطباء بتر قدمي اليسرى”.

ويحصل شمس الدين، الذي يعتبر واحدا من آلاف الجزائريين الذين يتعدى سنهم 50 سنة يعيشون بإعاقات دائمة بسبب ألغام الاستعمار، على إعانة شهرية من الحكومة التي منحته كذلك بيتا.

وتعمل جمعية ضحايا الألغام المضادة للأشخاص في الجزائر مع مختلف الوزارات على غرار وزارة المجاهدين (قدماء المحاربين) ووزارة التضامن الوطني ووزارة الصحة من أجل وضع بنك معلوماتي حول الضحايا.

وقال رئيس جمعية ضحايا الألغام المضادة للأشخاص في الجزائر، محمد جوادي، في تصريحات صحافية سابقة إن “الجزائر تعد البلد الوحيد الذي يخصص منحة لهذه الفئة من بين 163 بلدا موقعا على اتفاقية أوتاوا لنزع الألغام”، معتبرا أن “آخر الضحايا تم تسجيلها خلال شهر مارس الماضي في مدينة الأغواط (400 كلم جنوب العاصمة الجزائرية) إذ لم تقع أي ضحية منذ 2011 بفضل جهود وحدات الجيش”.

4