ألغام مبكرة في طريق زيارة إيمانويل ماكرون للجزائر

كشفت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة خلال القمة الأوروبية الأفريقية التي اختتمت أعمالها الخميس بأبيدجان، عن مساعي فرنسا لاسترداد نفوذها القديم بالقارة، ويحاول ماكرون الذي أكد عند تنصيبه رئيسا على قصر الإليزيه، في مايو الماضي، رغبته في اعتماد دبلوماسية متوازنة تعيد باريس قوة إقليمية لها دور محوري في القضايا الدولية، وككل القوى الكبرى ذات الطموح البراغماتي وجد الرئيس الفرنسي الجديد قضايا الهجرة والإرهاب بالقارة منفذا لتعزيز حضور بلاده أفريقيا، إلا أن رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى انتقد ضمنيا مساعي فرنسا لترسيخ نفوذها خاصة على المستوى العسكري، الأمر الذي يثير قلق الجزائر، وينبئ بأزمة دبلوماسية بين البلدين، كما سيلقي تذكير ماكرون بالملف الاستعماري للجزائر وتصريحاته الاستفزازية الأخيرة، بظلالهما سلبا على زيارته المقررة للبلد في السادس من الشهر الجاري.
السبت 2017/12/02
لا عودة للماضي الإستعماري

الجزائر – ألمحت تصريحات رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى، في القمة الأفريقية الأوروبية المنعقدة مؤخرا في أبيدجان الإيفوارية، إلى خلافات عميقة بين الجزائر وفرنسا، حول ملفات خطيرة أبرزها محاربة الإرهاب وشبكات الاتجار بالبشر في القارة السمراء، الأمر الذي يلغم مبكرا الزيارة المنتظرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للجزائر في السادس من الشهري الجاري، خاصة عقب تصريحاته الاستفزازية الأخيرة وفتحه ملف الاستعمار الفرنسي بالقارة.

وقال الرئيس الفرنسي خلال خطاب في جامعة واغادوغو في بوركينا فاسو، الثلاثاء الماضي، إن “جرائم الاستعمار الأوروبي لا جدال فيها”، داعيا إلى “إرساء علاقة جديدة مع أفريقيا”.

وتابع ماكرون “أفريقيا ليست قارة ضائعة ولا ناجية، إنها قارة مركزية تلتقي فيها التحديات المعاصرة كافة”.

في المقابل وجه رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى انتقادات ضمنية للتصريحات الفرنسية، تفصح عن قلق جزائري من محاولات فرنسا لاسترداد نفوذها بالقارة الأفريقية خاصة على المستوى العسكري.

وكشف أويحيى أن “بلاده قدّمت في غضون السنوات الأخيرة، مساعدات مالية بأكثر من 100 مليون دولار إلى دول الساحل الأفريقي، لمساعدتها على مكافحة الإرهاب، في شكل مساعدات لوجيستية، وتكوين وبناء قواعد أمنية وتجهيزات عسكرية”.

مأخذ الجزائر

حمل تصريح أحمد أويحيى، رسائل مبطنة إلى السلطات الفرنسية، على خلفية ترويجها الدعائي، لدعم القدرات العسكرية لما يعرف بالقوة الأفريقية لمحاربة الإرهاب، والعمل على توفير مبلغ قدره 50 مليون دولار، لتزويد الخمسة آلاف جندي بمختلف الأجهزة والمعدات الحربية، وتكوينهم على محاربة الإرهاب خاصة في منطقة الساحل الصحراوي.

وكان الرئيس الفرنسي قد أعرب عن رغبته في إقامة “قوة دول الساحل الخمس” للتصدي للمجموعات المتطرفة.

وقال أويحيى، في تصريح للإذاعة الحكومية، على هامش مشاركته في القمة الخامسة للاتحاد الأفريقي – الاتحاد الأوروبي، إن “الجزائر وعلى مدار السبع أو الثماني سنوات الأخيرة، قدمت مساعدات لكل من تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا بأكثر من 100 مليون دولار، لتكوين نحو 10 فرق للقوات الخاصة، وبناء قواعد عسكرية على أراضي هذه الدول، إضافة إلى منحها عتادا عسكريا كبيرا”.

إطلاق فرنسا للقوة الأفريقية لمحاربة الإرهاب مصدر قلق حقيقي للجزائر، بعد استشعارها لنوايا باريس في تقليص دورها

وعمد أويحيى بحديثه عن هاته الحقبة من الزمن، إلى تذكير المجموعة الدولية والاتحاد الأوروبي، أنهما لم يكونا مهتمين بالمخاطر الإرهابية التي تهدد المنطقة آنذاك، وأن بلاده “قامت بتقديم المساعدة دون ضجيج أو دعاية”.

ووجه بذلك رسالة إلى الدول الأوروبية مفادها أن “القوى الإقليمية لم تهتم بمعاناة أفريقيا من ظاهرة الإرهاب إلا عند تضرر مصالحها واستهدافها من طرف التنظيمات الجهادية في الآونة الأخيرة”.

وشكل إطلاق فرنسا وإشرافها على القوة الأفريقية لمحاربة الإرهاب، مصدر قلق حقيقي للجزائر، بعد استشعارها لنوايا باريس سحب البساط من تحتها في ملفات الإرهاب في الساحل الصحراوي والوضع الأمني المتدهور في مالي وليبيا، خاصة وأن القوة الأفريقية تشكلت بعيدا عن الحضور الجزائري، رغم رصيده وتجربته في محاربة هذه الظاهرة.

ويرى مراقبون أن باريس وظفت تمسك الجزائر بعدم رغبتها في تجاوز جيشها حدوده الإقليمية، طبقا لبنود دستور البلاد، بإطلاقها عدة مبادرات عسكرية في المنطقة، اعتبرتها الجزائر تقليصا لدورها في القارة، ولا سيما بعد تشكيل القوة الأفريقية، وسعي باريس لمراجعة اتفاق السلام المالي الموقع في الجزائر عام 2015، وتلميح الرئيس إيمانويل ماكرون، في قمة أبيدجان، إلى إمكانية التدخل العسكري في ليبيا، بحجة محاربة شبكات الاتجار بالبشر.

زيارة ماكرون للجزائر

يشير تصريح أحمد أويحيى إلى ما أسماه بـ”الدعاية المغرضة لإنشاء قوة ‘جي 5’، منتقدا ضمنيا المساعدات الأوروبية للقارة بقوله “إن الاتحاد الأوروبي رغم أنه يضم 28 دولة، إلا أن مساهمته لم تتعدّ حدود 50 مليون دولار، ولا أحد يعلم متى وكيف يصرف المبلغ، بينما الجزائر قدمت 100 مليون دولار”.

امتعاض الجزائر، من الدور الفرنسي المتنامي في أفريقيا منذ مجيئ الرئيس الجديد

وقال “الجزائر بذلت مجهودا مضاعفا في مساعدة الدول الأفريقية في مكافحة الإرهاب، دون أي دعاية، غير أن ذلك لم يفهم من قبل البعض”.

وأردف “الجزائر ساهمت أيضا بتجربتها الكبيرة أفريقيا في مجال مكافحة التطرف، من خلال مجلس رؤساء أركان بلدان لجنة الأركان العملياتية المشتركة لدول الساحل المعنية بالظاهرة منذ أكثر من 10 سنوات”.

ومن المتوقع أن تلقي تصريحات أحمد أويحيى بظلالها على الزيارة المنتظرة للرئيس الفرنسي إلى الجزائر في السادس من الشهر الجاري، ولا سيما بعد التصريح الاستفزازي لهذا الأخير بقوله “سأزور الجزائر في السادس من ديسمبر وسأدخلها عبر شاطئ سيدي فرج ( غرب العاصمة)”.

وأثار التصريح لغطا كبيرا في الجزائر، لكونه يحمل دلالات تاريخية، لأن طلائع الجيش الفرنسي احتلت الجزائر في 1830 انطلاقا من شاطئ سيدي فرج، وتوظيف ماكرون لهذه الحادثة، قد يكون خلطا في أوراق الملف التاريخي والذاكرة الجماعية بين البلدين، وقد يكون سببا في تلغيم الزيارة الأولى له من نوعها للجزائر.

ورغم أن ماكرون، ذكر في تصريحه الأخير لقناة فرنسية بأنه لا بد من مراجعة السياسة الفرنسية في أفريقيا، وتغيير المفاهيم النمطية حول النفوذ والهيمنة، وشجب الاستعمار الذي تعرضت له القارة السمراء، إلا أن تصريحه حول الجزائر، كرس ازدواجية المعايير لدى سلطات الإليزيه في المستعمرات القديمة، لا سيما وأن حديثه قد استفز الجزائريين وأعاد إليهم الخوف من حنين الأبناء لما فعله الأجداد في الجزائر، أثناء الحقبة الاستعمارية (1830 - 1962).

ويكشف تصريح أويحيى مدى امتعاض الجزائر، من الدور الفرنسي المتنامي في أفريقيا منذ مجيئ الرئيس الجديد، كما يعكس أزمة دبلوماسية غير معلنة بين البلدين، ستعمل على إجهاض مساعي التقارب بين باريس والجزائر، وقد تلغم الزيارة المنتظرة لإيمانويل ماكرون.

وكان ماكرون، قد أدى زيارة انتخابية للجزائر في فيفري الماضي، قبل اعتلائه قصر الإليزيه، والتقى مسؤولين كبارا في الحكومة الجزائرية، وأبدى خلالها استعداده لطي صفحة الماضي بين البلدين، وعبر في تصريحات لوسائل إعلام محلية، عن إدانته وشجبه للسلوك الاستعماري مهما كان مصدره، لأنه كرّس ممارسات ممقوتة وجرائم ضدّ الإنسانية.

وتطالب أحزاب سياسية وجمعيات مدنية جزائرية، بإيعاز من السلطات الرسمية، باعتذار رسمي فرنسي عن الحقبة الاستعمارية، وتسوية ملف التاريخ والذاكرة الجماعية، مقابل التوجه لبناء مرحلة جديدة من العلاقات الندية بين البلدين.

6