ألغام محادثات التبادل الحر بين تونس والاتحاد الأوروبي

الاثنين 2017/02/06

سبقت التحذيرات التي صدرت عن مؤسسات أوروبية جميع تحذيرات الاقتصاديين التونسيين بشأن ثغرات ومخاطر إعادة التفاوض بين تونس والاتحاد الأوروبي لإبرام اتفاقية للتبادل التجاري الحر الشامل. وتركزت على أنها يمكن أن تقوّض أسسا ديمقراطية ناشئة في منطقة مضطربة.

جوهر التحذيرات يشير إلى أن العلاقات المتساوية في جميع التفاصيل، تكون عادة بين أطراف متكافئة، وأنه ينبغي إعطاء الطرف الأضعف تنازلات كثيرة لمنع الأضرار الجانبية التي قد تدمر الكيان الهش لقطاعاته الاقتصادية، على الأقل لفترة انتقالية، لحين اشتداد عود الاقتصاد وتزايد قدرته التنافسية في الملعب الاقتصادي المفتوح.

وتعتمد منظمة التجارة العالمية، هذا المبدأ، من خلال أكثر من فئة للانضمام إلى عضويتها، لأن العضوية الكاملة دون أي إعفاءات يمكن أن تكون قاسية ومدمرة للبلدان الفقيرة والنامية، لذلك فإن شروط عضويتها تختلف كثيرا عن عضوية الدول المتقدمة.

وسبق أن أجبرت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، المنظمة على تنازلات كبيرة وقبولها في فئة البلدان النامية. بل حتى اتفاق باريس للمناخ يفرق بين التزامات البلدان المتقدمة والبلدان النامية، وقد رصد 100 مليار دولار سنويا لمساعدتها على الالتزام بالاتفاق.

وتؤكد دراسة أوروبية مستقلة بعنوان “التنمية من خلال التبادل الحر” أن مبادئ “التبادل التجاري الحر مع الاتحاد الأوروبي كبدت تونس خسائر كبيرة لأنها أجبرتها على التخلي عن التعرفة الجمركية” على الصادرات الأوروبية.

وقالت الدراسة التي أعدتها مؤسسة روزا لوكسمبورغ الألمانية إن ذلك أدى إلى نضوب إيرادات الموازنة التونسية، التي كان يمكن أن تتجه للاستثمار في البنية التحتية.

بل إن الخبير الاقتصادي الألماني فيرنر روف أحد معدي الدراسة، أكد خلال ندوة عقدت في تونس الأسبوع الماضي، أن شروط النظام الاقتصادي الليبرالي الجديد الذي تحاول أن تفرضه الاتفاقية، تجعل من الصعب تحقيق مطالب التونسيين بحياة كريمة.

وأضاف أن الأسباب الحقيقية لاندلاع انتفاضة يناير 2011 لا تزال موجودة وتعمقت أكثر، مشيرا إلى أن “الظروف المعيشية للأغلبية الساحقة من التونسيين، لم تتحسن خاصة في جنوب وغرب البلاد”.

ويمكن تفهم حاجة الحكومة التونسية الملحة لإبرام اتفاقية التبادل التجاري الحرّ الشامل والمعمّق (أليكا) لقلة الخيارات المتاحة أمامها، في ظل التذمر الشعبي والاحتجاجات على ركود الوضع الاقتصادي.

ويمثل مشروع الاتفاقية الذي اطلعت عليه “العرب” امتدادا لاتفاقية التبادل الحر والشراكة التي أبرمتها تونس مع الاتحاد الأوروبي في عام 1995، حيث كانت تونس أول بلد من جنوب البحر المتوسط يوقع مثل تلك الاتفاقية.

ورغم العناوين البراقة لتلك الاتفاقية، إلا أنها لم تمكن تونس على مدى 22 عاما من تعديل ميزانها التجاري المختل مع أوروبا، بل إن خسائرها تفاقمت منذ عام 2011 لتفقد موازنتها نحو 30 بالمئة من الإيرادات. وقد دفعها ذلك إلى المزيد من الاقتراض الخارجي.

مكمن الخطر يتركز في أن التوسيع الجديد للاتفاقية، يمتد إلى تحرير قطاعي الزراعة والخدمات اللذين كانا خارج إطار التبادل الحر. الأمر الذي يفتح أبواب المنافسة غير المتكافئة مع الشركات الأوروبية العملاقة، التي يمكن أن تدك معاقل قطاعات استراتيجية تونسية مثل الغذاء والصحة والبنوك والطاقة، التي لن تستطيع منافسة الشركات الأوروبية.

ويلخص الخبير الاقتصادي والأكاديمي التونسي سامي العوادي ذلك بالإشارة إلى وجود “تباين صارخ… العملاق الأوروبي يتفاوض مع قزم اقتصادي”. ويؤكد أن تونس لن تستطيع الدفاع عن مصالحها كشريك حقيقي مع أوروبا.

وتبلغ المخاطر ذروتها في قطاع الزراعة بسبب توصيات قديمة للمؤسسات الأوروبية والدولية بتغيير هيكل زراعة بعض المحاصيل غير الرابحة، والتي لا تستطيع منافسة مثيلاتها الأوروبية مثل القمح وتربية الماشية، لكن تراجعها يمكن أن يحدث هزة عنيفة للنسيج الاقتصادي والاجتماعي في تونس.

وحاولت تونس في عام 2014 إطلاق مفاوضات اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق، لكنها تراجعت في أعقاب ضغوط داخلية، ثم عادت وأطلقتها في أكتوبر 2015 رغم العواقب التي يؤكد الخبراء أنها ستكون وخيمة على اقتصاد البلاد.

وبدأت الجولة الأولى من المفاوضات في أبريل الماضي، وتركزت على تحرير القطاع الصناعي، عبر تحرير التعرفة الجمركية على المنتجات الصناعية، لكن دون تفويض رسمي من البرلمان.

وتبدو الحاجة ملحة لتقييم نتائج اتفاق الشراكة المبرم قبل 22 عاما بين الطرفين، قبل الانتقال إلى اتفاق أوسع، خاصة أن البيانات الرسمية تؤكد اختفاء نحو 55 بالمئة من الشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة في هذا القطاع، والتي من نتائجها الكثيرة فقدان قرابة نصف مليون تونسي لوظيفته.

وشهدت الأشهر الماضية تصاعد الدعوات داخل تونس ومن مؤسسات أوروبية مستقلة لتقييم مشروع الاتفاق الجديد وتحديد احتياجات الاقتصاد التونسي وتطوير نموذج جديد للتنمية، وذلك قبل الانطلاق في المفاوضات بشكل رسمي.

وتمتد المخاوف من الاتفاقية لتصل إلى بنود حقوق الملكية الفكريّة، حيث تطالب لوبيات أوروبية بتشديد قوانين حماية براءات اختراعات الشركات الأوروبية بدرجة أكبر من تلك المعتمدة في علاقات الدول الغنية والفقيرة.

ويمكن أن يلحق ذلك أضرارا بالغة بصناعة الأدوية التونسية، إذا تم تمديد حقوق براءات الاختراع إلى 20 عاما، قبل إتاحة إنتاج أدوية مثيلة من قبل الشركات التونسية، وهي محور جدل عالمي سياسي وأخلاقي، لأنه يعرقل علاج المرضى، قبل أن يؤثر على شركات صناعة الأدوية في تلك البلدان.

ويخشى مراقبون أن يؤدي ذلك إلى زلزال كبير في مستوى الخدمات الطبية وفرص حصول التونسيين على العلاج، أكبر من تأثيره على فرص النمو الاقتصادي في البلاد.

ويبدو أن تلك المخاوف دفعت الحكومة لمراجعة اندفاعها للهروب إلى الأمام من الأزمة الاقتصادية. وقد أكدت أن المفاوضات مع الأوروبيين ستكـون على مراحل وقـد تدوم سنوات، وأنها سوف تؤجل التفاوض حول كل ما من شأنه أن يضر بمصالح تونس.

وتشير تحذيرات المؤسسات الإنسانية المستقلة إلى خطورة وزن اللوبيات الصناعية والتجارية الأوروبية، التي تضغط على الأوساط السياسية لحماية مصالحها في ظل الغموض الذي يكتنف الاقتصاد العالمي.

وتحاول تلك اللوبيات البحث عن فضاءات جديدة تعوضها خسائر تزايد زخم السياسات التجارية الشعبوية، منذ تصويت البريطانيين للانفصال عن الاتحاد الأوروبي، ووصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة وتهديده بإلغاء الاتفاقات التجارية العالمية.

ويبدو أن ضغوط مصالح الشركات الكبرى على مراكز صنع القرار السياسي في الاتحاد الأوروبي والاقتصادات الكبرى، ستتزايد مع تزايد غموض مستقبل الاقتصاد العالمي، وقد تؤدي إلى أن تدفع تونس والمغرب وبلدان أخرى ثمن تلك الضغوط.

10