ألفا كوندي أكاديمي خسر الرئاسة وفشل في أن يكون مانديلا غينيا

مناضل من أجل الديمقراطية حوّله الكرسي إلى دكتاتور.
الأحد 2021/09/19
بطل تراجيدي بخصوصية أفريقية محضة

تبدو قصة الرئيس الغيني المعزول ألفا كوندي استثنائية، وأهم ما يميزها أن بطلها لطالما كان رمزا من رموز النضال من أجل الديمقراطية والتعددية وضحية للاستبداد، قبل أن يتحول إلى دكتاتور مستبد يخضع دستور البلاد لمزاجه بإدخال تعديلات عليه تضمن له الاستمرار في الحكم لمدة أطول، ويتعرض، مثل سابقيه ممن كان يعارض سياساتهم، لاتهامات بتزوير الانتخابات دون أن يتأثر لدماء القتلى ممن خرجوا داعين إلى الإطاحة بنظامه.

يعتبر كوندي بطلا تراجيديا بخصوصية أفريقية محضة، فهو رجل متعلم ومثقف ومناضل في سبيل الحرية ثم الديمقراطية. دافع عن وحدة غرب القارة وواجه المنفى والسجن من أجل مواقفه، وعندما وصل إلى الحكم سعى إلى قيادة حركة تحديث للمجتمع، لكنّ رغبته في الاستمرار على كرسي الرئاسة أدت به إلى نهاية وخيمة، فالزعيم الذي كان أول المنددين بانتهاك حقوق الإنسان في بلاده خلال 45 عاما قضاها في المعارضة، هو ذاته ينتهك تلك الحقوق، ويواجه معارضيه في شوارع المدن وفي العشوائيات برصاص الشرطة.

السوسيولوجي التائه

كوندي يعتبر في بلاده  رمزا من رموز النضال من أجل الديمقراطية والتعددية وضحية للاستبداد، قبل أن يتحول إلى دكتاتور مستبد يخضع دستور البلاد لمزاجه
كوندي يعتبر في بلاده رمزا من رموز النضال من أجل الديمقراطية والتعددية وضحية للاستبداد، قبل أن يتحول إلى دكتاتور مستبد يخضع دستور البلاد لمزاجه

كوندي من مواليد الرابع من مارس 1938 في بوك في غينيا السفلى، ويتحدر من أصل مالينكي فوالداه من بوبو ديولاسو، وهي بلدة في بوركينا فاسو، نزلا بمنطقة كانكان، خلال فترة الاستعمار، حيث كان والده يعمل طاهيا، ودرس المرحلة الابتدائية في العاصمة كوناكري، ثم في مدرسة الآباء في ديكسين، ثم غادر إلى فرنسا في سن 15 عاما لينتسب إلى مدرسة بيير دي فيرما الثانوية في تولوز، وانتقل إلى مدارس أخرى قبل أن يحصل على شهادة الباكالوريا في باريس.

خاض دراسته الجامعية في "السوربون" ونال الباكالوريوس في علم الاجتماع ثم دبلوم الدراسات العليا، وصولا إلى دكتوراه دولة في القانون العام، ليبدأ في العام 1963 حياته المهنية من هناك مدرسا ومحاضرا في كلية الحقوق بجامعة باريس الأولى، وفي عدد آخر من الكليات الفرنسية، ثم شغل لاحقا العديد من المناصب التنفيذية للشركات في التجارة الدولية. خلال دراسته الجامعة استطاع كوندي أن يتحول إلى شخصية مؤثرة وسط الطلاب الأفارقة، فقد كان يرأس رابطة الطلاب الغينيين في فرنسا واتحاد الطلاب الأفارقة السود في فرنسا، وتولى مهمة منسق توجيه المجموعات الوطنية الأفريقية، وكان بذلك واحدا من ضمن النخبة الأفريقية المستقبلية التي تعدّ نفسها لمرحلة ما بعد الاستقلال، وهو مؤلف كتاب "غينيا، ألبانيا أفريقيا، أو مستعمرة أميركية جديدة"، وقد ظل بعد تخرجه ناشطا متحمسا للقضية الأفريقية والنضال من أجل الديمقراطية في القارة الأفريقية وفي بلاده. أدى ذلك إلى الحكم عليه بالإعدام غيابيا من قبل النظام السابق للرئيس أحمد سيكو توري بعد انتفاضة الثاني والعشرين من نوفمبر 1970 في كوناكري والتي قام بها متمردون مسلحون، تبيّن أنهم ممولون ومدعومون من البرتغال.

وعود كوندي بـ“عهد جديد” وإعلانه عزمه على أن يصبح “مانديلا غينيا” من خلال توحيد بلاده وتنميتها، لم تجعل الوضع يستتب تماما له بعد أيام من وصوله إلى الحكم.

استطاع بمؤهلاته تلك وتجربته السياسية وتأثيره في الوسط الأفريقي في باريس أن يتجه للعمل في القارة السمراء من خلال إنشاء عدد من الشركات في دول ككوت ديفوار والكونغو والكاميرون وبوروندي وغيرها، فأنشأ "استشارات أفريقيا" وهو مكتب للدراسات الاقتصادية والمالية، وكان العضو المنتدب له، حيث قدم المشورة الاقتصادية والمالية والاجتماعية للحكومات الأفريقية والشركات الدولية الراغبة في العمل في أفريقيا، ونيابة عن المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة تقوم الشركة بإجراء دراسات للشركات الخاصة والحكومات خاصة في الكونغو، وعندها تم تعيين كوندي كمستشار في تسوية النزاعات السياسية مع العديد من رؤساء الدول في المنطقة.

وفي أعقاب اجتماع المصالحة الثلاثي في مونروفيا بين الرئيس الغيني سيكو توري والإيفواري فيليكس هوفويه - بوانيي والسنغالي ليوبولد سيدار سنغور، والذي ساهم في حلحلة ملف المعارضات في الدول الثلاث، أنشأ ألفا كوندي الحركة الديمقراطية الوطنية "إم إن دي" مع البروفيسور ألفا إبراهيم سو وبايو خليفة، وهي حركة متعددة الجنسيات ترفع شعارات الوحدة والعدالة بين دول غرب أفريقيا وكانت تعمل في إطار سري ثم شبه سري، ثم أسس تجمع الوطنيين في غينيا، واستفاد من حالة الانفتاح السياسي وعاد إلى البلاد للنشاط من الداخل من خلال "تجمّع شعب غينيا" الذي حصل على التأشيرة القانونية آنذاك.

وبعد 30 عاما من الحكم الاستبدادي شهدت غينيا أول انتخابات تعددية، تقدم كوندي لينافس على كرسي الرئاسة مع لانسانا كونتي، الرئيس الذي وصل إلى سدة الحكم بعد انقلاب 1984. وأعلن فوز الجنرال كونتي بنسبة 51 في المئة من الأصوات فيما استنكر المراقبون الوطنيون والدوليون المسؤولون عن الإشراف على الاقتراع مناخا قويا من التزوير. وراحت المعارضة تطعن بالإجماع في النتائج الرسمية. وخرج أنصار كوندي في احتجاجات عارمة عمت مدن البلاد ولاسيما بعد إلغاء المحكمة العليا لجميع النتائج في محافظتي كانكان وسيجويري. وقد دعا كوندي آنذاك أنصاره إلى التهدئة وعدم جر البلاد إلى حرب أهلية رغم أنه يدرك أن التزوير هو الذي حرمه من فوز مستحق.

العبور إلى الحكم

وعود كوندي بتوحيد بلاده وتنميتها، لم تجعل الأوضاع تستتب له تماما منذ أيام عهده الأولى
وعود كوندي بتوحيد بلاده وتنميتها، لم تجعل الأوضاع تستتب له تماما منذ أيام عهده الأولى

في أواسط التسعينات من القرن العشرين وصل كوندي لأول مرة إلى البرلمان، وقدم نفسه مرة أخرى للمنافسة على كرسي الرئاسة لكنه اعتقل وسجن بعد محاولته الهروب قبل نهاية الاقتراع، وأعلنت النتائج الرسمية التي نشرتها الحكومة فوز لانسانا كونتي بالجولة الأولى، يليه مامادو بوي با. وبعد يومين من الاقتراع تم القبض على العديد من قادة المعارضة بسبب الإعداد المزعوم لتمرد ضد الدكتاتورية القائمة. وبعد أسابيع دشنت القوات العسكرية حملة انتهاكات ضد المتعاطفين مع المعارضة.

ظل كوندي في السجن لأكثر من 20 شهرا قبل أن تنشئ الحكومة محكمة خاصة للنظر في ملفه. أثار هذا السجن دون محاكمة حركة احتجاج دولية قوية. نددت منظمة العفو الدولية بانتهاك حقوق الإنسان، واستنكر مجلس الاتحاد البرلماني الدولي انتهاك الحصانة البرلمانية التي يتمتع بها كوندي كنائب غيني. ارتفعت أصوات كثيرة طيلة فترة سجنه للمطالبة بالإفراج الفوري عنه.

غينيا بسكانها البالغ عددهم 13 مليون نسمة، لا تزال في المرتبة 175 – من أصل 189 دولة – من حيث مؤشر التنمية البشرية.

تحول كوندي إلى شخصية تدعمها النخب ويتغنى بها الفقراء وتهتف لها النساء والأطفال، وفي الخارج ارتفعت الأصوات المنادية بالإفراج عنه، وذهبت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك مادلين أولبرايت إلى كوناكري للدفاع عنه وأبدى الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك دعما للكبير للمعارض السجين.

أدت القضية إلى محاكمة مدوية وشكلت نقطة تحول سياسية مهمة لغينيا. وبعد محاكمة مطولة، قضت محكمة أمن الدولة الغينية على كوندي بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة "الاعتداء على سلطة الدولة وسلامة الإقليم الوطني" و"الاستخدام غير القانوني للقوة المسلحة"، ولكن الانتقادات الدولية الواسعة أدت إلى الإفراج عنه بعد صدور عفو رئاسي.

في العام 2008 توفّي الرئيس كونتي واستولى المجلس العسكري برئاسة موسى داديس كامارا على السلطة، فدعا كوندي إلى عودة السلطة المدنية وإجراء انتخابات شفافة. وهو ما دعّمته القوى الوطنية المكونة من المعارضة والنقابات والجهات الفاعلة الأخرى في المجتمع المدني.

دخلت القوى العالمية مرحلة الضغط المباشر من أجل التغيير في غينيا وتم إعلان فوز كوندي في الانتخابات الرئاسية من قبل اللجنة الانتخابية المستقلة بنسبة 52.52 في المئة من الأصوات، مقابل سيلو دالين ديالو، وصدّقت المحكمة العليا على النتائج، وبعد 18 يوما تم تنصيب كوندي رئيسًا للجمهورية بحضور 13 رئيس دولة أفريقية ووفود حكومية من قارات أخرى.

صراع شرس

كوندي قد يكون آخر حليف لباريس في حكم غينيا، أما المنقلبون عليه فتشير المصادر إلى تلقيهم تدريبات في أميركا
كوندي قد يكون آخر حليف لباريس في حكم غينيا، أما المنقلبون عليه فتشير المصادر إلى تلقيهم تدريبات في أميركا

وعد كوندي بـ"عهد جديد" وأعلن عزمه على أن يصبح "مانديلا غينيا" من خلال توحيد بلاده وتنميتها، وبعد ثلاثة أيام من تنصيبه، عيّن الخبير الاقتصادي محمد سعيد فوفانا في منصب رئيس الوزراء، لكن الوضع لم يستتب تماما، فقد هاجم جنود مسكنه الخاص في كوناكري، حيث تم تفجير جزء منه بصاروخ، وخرج كوندي سالما بينما قتل أحد حراسه الشخصيين، واتهمت غينيا الشخصيات والدول المجاورة مثل السنغال وغامبيا بالوقوف وراء هذا الحدث.

بعد وصول كوندي إلى السلطة شرع خبراء بنك البحرين والكويت في تطهير النظام المصرفي وترويض التضخم، لاسيما عن طريق الحد من استخدام طباعة النقود. والنتيجة وفقًا للأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي، منذ عام 2016، تراوح معدل التضخم بين 8 و10 في المئة.

ومع ذلك، انخفضت قيمة الفرنك الغيني بشكل كبير، واليوم لا تزال غينيا بسكانها البالغ عددهم 13 مليون نسمة، في المرتبة 175 - من أصل 189 دولة - من حيث مؤشر التنمية البشرية.

الطريق إلى الانقلاب على كوندي مرّ بجدل واسع وغضب من المعارضة وتململ شعبي بعد أن أُجرى استفتاء دستورياً شمل تغيير ولاية الرئيس من خمس إلى ست سنوات، وفسح المجال أمامه للترشح لولاية ثالثة.

لكن في الوقت نفسه كما يشير تحليل أجرته وزارة المالية الفرنسية "بعد فترة صعبة بسبب أزمة الإيبولا، فقد عاد الاقتصاد الغيني إلى النمو المستدام منذ عام 2016".

أعيد انتخاب كوندي في أكتوبر 2015 لولاية ثانية وفي مايو 2018، أعلن عن تعديل وزاري وعين فوفانا قاصوري رئيسة للوزراء. كان هناك تمهيد واضح لشيء ما يدور في عقل الرئيس، وهو تعديل الدستور الذي لا يتيح له إلا عهدتين رئاسيتين للتشريع لعهدة ثالثة.

ففي الثاني والعشرين من مارس 2020 وفي ظل جدل واسع وغضب من المعارضة وتململ شعبي أُجري استفتاء دستوري في غينيا إلى جانب الانتخابات البرلمانية، وشملت التعديلات تغيير ولاية الرئيس من خمس إلى ست سنوات، وفسح المجال أمامه للترشح لولاية ثالثة، مع قوانين تعتبر ثورة في المجتمع من بينها منع ختان الإناث وحظر زواج القاصرات والزواج القسري، ومنح الزوجين حقوقا متساوية في الطلاق، ومنع أن يوجد جندر واحد يشكل أكثر من ثلثي المؤسسات الحكومية، إضافة إلى التوزيع العادل للثروة لصالح الشباب والفقراء وتخفيض سن الترشح النيابي إلى 18 سنة.

في الخامس من سبتمبر 2021 أعلن الجيش الغيني استيلاءه على السلطة واعتقال الرئيس وأكد رئيس مجموعة القوات الخاصة مامادي دومبويا أن النهاية المفاجئة لحكم الرئيس بعد 11 عاما في السلطة تمت بسرعة دون إراقة دماء
في الخامس من سبتمبر 2021 أعلن الجيش الغيني استيلاءه على السلطة واعتقال الرئيس وأكد رئيس مجموعة القوات الخاصة مامادي دومبويا أن النهاية المفاجئة لحكم الرئيس بعد 11 عاما في السلطة تمت بسرعة دون إراقة دماء

أدت الاحتجاجات ضد الاستفتاء في الفترة التي تسبق يوم الاقتراع إلى مقتل أكثر من 32 شخصًا، مع تنظيم احتجاجات منتظمة في كوناكري وغيرها من المدن بما في ذلك لابي، مامو، بوكي ونزيريكوري.

دعت الجبهة الوطنية للدفاع عن الدستور، وهي جماعة معارضة جامعة، إلى مقاطعة الاستفتاء ورفضت نتائجه. وأظهرت النتائج أن الدستور الجديد حصل على ما يقرب من 90 في المئة من الأصوات المؤيدة وسط مقاطعة كاملة لأحزاب المعارضة.

ووسط احتجاجات صاخبة أدت إلى سقوط العشرات من القتلى من المدنيين، انتظمت الانتخابات الرئاسية وأعلن رسميا عن انتخاب كوندي رئيسا لغينيا  لولاية ثالثة، ورفضت المحكمة الدستورية طعون المعارضة، فيما أكد الخصم الرئيسي لكوندي سيلو دالين ديالو أن الأمر يتعلق بما وصفها "عملية احتيال واسعة النطاق"، وأعلن حزبه، اتحاد القوى الديمقراطية في غينيا، فوز زعيمه في الانتخابات.

عندما أطاح الجيش بالرئيس المالي إبراهيم أبوبكر كيتا، قال الرئيس كوندي "لم يحدث انقلاب في غينيا قط. تولى الجيش السلطة بعد وفاة الرئيس سيكو توري. ثم تولى الجيش السلطة بعد وفاة الرئيس كونتي. ولم تشهد غينيا تمردًا أبدًا، ولم تشهد حربًا أهلية قط، ولم يحدث انقلاب. منذ أن توليت السلطة، تم إصلاح الجيش. واليوم، لدينا جيش جمهوري. الوضع لا علاقة له بمالي".

في الخامس من سبتمبر 2021 أعلن الجيش الغيني استيلاءه على السلطة واعتقال الرئيس، وقال رئيس مجموعة القوات الخاصة مامادي دومبويا الذي قاد الانقلاب إن الجيش الغيني بأسره، من نزريكوري إلى كوناكري، سيتكاتف لمساعدة البلاد، مؤكدا أن النهاية المفاجئة لحكم الرئيس بعد 11 عاما في السلطة تمت بسرعة دون إراقة دماء.

الأمر مع ذلك ليس بعيدا عن إعادة توزيع النفوذ في غرب أفريقيا والقارة ككل، كوندي قد يكون آخر حليف لباريس في منصة الحكم في غينيا، والمنقلبون عليه تشير بعض المصادر إلى أنهم تلقوا تدريبات في الولايات المتحدة، والفرنسيون يحذّرون من عودة خطاب الكراهية ضدهم في المنطقة، ولاسيما في غينيا، وقبلها مالي، وقد يتسع الأمر ليشمل دولا أخرى عاد فيها العسكر إلى الحكم في صورة ينتقدها البعض علنا ويدعمها سرّا.

8