ألفريد المنذر هولوكوست العرب في متحف هولوكوست اليهود

السبت 2016/10/01
ألفريد المنذر طبيب نجا من المحرقة النازية يحذر العالم من محرقة أخرى في سوريا

واشنطن- بالقرب من نصب واشنطن المعروف، وبجوار وزارة الخزانة الأميركية يقع متحف الهولوكوست (المحرقة)، والذي استطاع أن يستقطب أكثر من أربعين مليون زائر منذ العام 1993، من بينهم تسعة وتسعون رئيس دولة وأكثر من عشرة ملايين طفل. في العام الماضي وحده، بلغ عدد زوار متحف المحرقة هذا 16.5 مليون زائر.

متحف ونصب تذكاري ومكتبة غنية، تُفتح أبوابها للزوار والأكاديميين والساسة كل أيام الأسبوع حتى يوم السبت. صممت بوابة متحف الهولوكوست على شكل بيضاوي من حجارة بيضاء اللون، ومن الداخل طغى الفن التجريدي على جميع زوايا المتحف. سقف البناء هو عبارة عن نوافذ تطل منها سماء واشنطن السياسية وصنع القرار.

في صباح ماطر، وقف ينتظر على مكتب الاستقبال رجل متوسط القامة ذو شعر أبيض وابتسامة لا تفارق الوجه، بيده كتيّب لونه بني وعلى صدره كتب اسمه؛ ألفريد المنذر. اسم يجعلك تعتقد أنه عربي، ولكن هذا الرجل ولد في هولندا من أب وأم بولنديين. ألفريد المنذر هو طبيب شهير متخصّص بالأمراض الصدرية، لكنه أيضاً أحد الناجين من محرقة النازيين.

اللاجئ

فر أبوا ألفريد المنذر من بولندا إلى هولندا في فترة كانت تشوبها الكراهية والمعاداة للسامية واليهود. بعد ذلك بفترة وجيزة تولى هتلر الحكم في ألمانيا. ولدت شقيقته ألفريد الكبرى إيفا وبعد سنتين شقيقه إليا. وبعد سنة من سقوط هولندا بيد النازيين، اكتشفت أمّ ألفريد أنها حامل. في زيارتها الأولى لطبيب الأمراض النسائية، أمرها الطبيب بأن تجهض الجنين قائلا لها آنذاك إنه من العار أن تنجبي روحاً يهودية إلى الحياة.

خرجت الأم خائفة على مصيرها ومصير ابنتيها وجنينها الذي لم ير الحياة بعد. امرأة لم تمارس الطقوس الدينية فهي لم تكن متدينة أصلاً، حائرة أمام أسباب هذا الحقد و الكراهية على فئة تدين بدين معيّن. في تلك الليلة قرأت في الإنجيل قصة سيدة لم تنقطع عن الذهاب إلى المعبد لتصلّي إلى الآلهة من أجل منحها طفلاً. كانت تلك قصة السيدة حانا، التي قررت بعدها عدم التخلي عن الجنين وعدم الانصياع لأوامر ذلك الطبيب، في زمن حكم على الناس بالعيش أو الموت حسب أعراقهم أو أديانهم.

اشتدت القبضة الحديدية النازية على أوروبا. وكان على عائلة المنذر الهروب والشتات مرة ثانية. أودعت شقيقتا ألفريد عند سيدة كاثوليكية متعاطفة مع اليهود. أما والد ألفريد فاستطاع أن يفتعل عملية انتحار مدبّرة، من خلالها أدخل إلى مشفى الأمراض العقلية. أما الأم فقد ضاق بها الحال وبين يديها طفل عمره بضعة أشهر.

متحف الهولوكوست يوثق جرائم داعش في العراق وسوريا ويعتبرها من خلال تقارير ودراسات اعتمدت على شهادات كثيرة، جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، ولكن كاميرون هدسن يرى أن التركيز على داعش فقط سياسة غير متكاملة

تم إخفاء ألفريد عند الجارة التي كانت ناشطة ضد النازية. استطاعت الأم لاحقاً انتحال شخصية مساعدة ممرض وعملت في نفس المشفى الذي يقيم فيه الأب. لم تستطع الجارة إبقاء ألفريد، ولم يكن لها خيار غير زوجها السابق الذي كان من إندونيسيا. عاش ألفريد في كنف هذا الرجل وبين أولاده. كان للسيد مادنا مربية اسمها ميما سانينا، سيدة أميّة لا تعرف الكتابة ولا القراءة ولا حتى اللغة الهولندية. أوكلت لها مهمة تربية الطفل.

ميما كانت امرأة تدين بالإسلام، سيدة روحانية مؤمنة. كانت تمشي الأميال الطويلة يومياً تبحث لطفلها اليهودي عن حليب لكي يشرب. ترعاه وتنام بجانبه كل ليلة، تغنّي له أغاني أطفال إندونيسيا عند النوم.

في معسكرات الاعتقال

بين صور ضحايا الهولوكوست التي امتلأت بها حيطان متحف الهولوكوست، جلس ألفريد المنذر يحكي لـ”العرب” قصة عائلة يهودية عانت من نازية القرن الماضي ومجازرها. بصوت هادئ كسر الصمت الثقيل قال “أمي ميما كان لديها قلب من ذهب. لم تكن تعرف الكتابة ولا القراءة ولكن كانت تعرف لغة الحب والحنان. كانت تضع السكين تحت وسادتها مستعدة لقتل أيّ أحد يقترب مني”.

بقي ألفريد المنذر مع عائلة مادنا حتى نهاية الحرب. تم اكتشاف أمر والدي ألفريد فاقتيدا إلى معسكرات الاعتقال النازية في يناير 1943. تم ترحيلهما بين عدد من معسكرات النازية كعبيد عند النازيين ومعاملهم. انفصل الأب والأم عن بعضهما البعض، حيث كان الموت ينتظر الوالد، بينما بقيت الأم على قيد الحياة تعمل في المعسكرات لصالح شركة الاتصالات التي تعرف اليوم بشركة سيمنس، ليتم إطلاق سراحها بعد مفاوضات قادها آنذاك مدير الصليب الأحمر السويدي المعروف فولك برنادوت.

أما إيفا وإليا، شقيقتا ألفريد، فقد سلمهما زوج المرأة الكاثوليكية للنازيين. كانت الكبرى في الثامنة والصغرى في السادسة. وكان مصيرهما غرفة الغاز ليموتا اختناقاً. فتح ألفريد ألبوم صورة وبدأ يقلب صور عائلته، ثم توقف عند صوره أختيه. وبأصابعه لامس الوجهين ببطء، مشيراً إلى كلّ واحدة منهما، قال هامساً “هذه إيفا ثماني سنوات، هذه إليا ست سنوات.. في غرفة الغاز”. وعاد بعدها الصمت الثقيل إلى المكان.

أكثر من أربعين مليون زائر دخلوا متحف الهولوكوست منذ العام 1993، من بينهم تسعة وتسعون رئيس دولة وأكثر من عشرة ملايين طفل. وفي العام الماضي وحده، بلغ عدد مرتاديه 16.5 مليون زائر

اليوم يعيش المشرق العربي أقسى وأدمى أيامه. العراق وسوريا، تم تدمير البلدين بلا رحمة، ويجري حرق شعبيهما بكل وسيلة ممكنة، والعالم ينظر بصمت. في سوريا لم يتوقف القصف الروسي بالتعاون مع نظام الأسد على مدينة حلب مستعملاً الصواريخ الفراغية والارتجاجية والفسفورية والبراميل المتفجرة. أطفال ونساء تحت الركام والأنقاض.

حتى القوى المدنية للإغاثة لم تعد تستطيع الوصول لالتقاط الجثث. تهجير وقصف وقوارب أطلق عليها اسم “قوارب الموت” محمّلة بالآلاف من اللاجئين هرباً من بطش نظام الأسد، تغرق في البحار. صور وأخبار تتناقلها وسائل الإعلام الأميركي والمجتمع الدولي في عجز وشلل تامّين، وواشنطن في حالة ثبات لوقف المذبحة السورية.

اصطحبنا المنذر إلى الطابق الثاني للمتحف ودخلنا قاعة عرض صغيرة يعاد تحضيرها، وقفنا نشاهد عرضاً متلفزاً باللغة الإنكليزية. كان هذا العرض عن المأساة السورية التي نعيشها اليوم. صور لأطفال ودمار كبير، وصرخات لأطباء يشرحون الوضع اليوم، واستغاثات تتوسل وقف هذه المحرقة، محرقة النازيين الجدد في الألفية الثانية. في الطرف الثاني للقاعة علّقت على الحائط البعض من الأرقام والحقائق عن الحال في بلد انتفض على الظلم والاستبداد مطالباً بالحرية والكرامة.

هل تعلم العالم

يقول ألفريد المنذر لـ”العرب” إنه يعتقد أن العالم “تعلّم من درس الهولوكوست: لا لمحرقة ثانية”. مضيفاً “إننا أسرة إنسانية واحدة، ولا يوجد فرق بين طفل ولد في سوريا وطفل في الولايات المتحدة، ولا فرق بين إنسان يهودي ومسلم. كلنا بشر وعلينا أن نرتقي إلى ذلك. وإنه لا يمكن الاستمرار بالقتل والتنكيل بهذا الشكل. وعلى العالم أن يقف بوجه الوحشية والكراهية”.

صور المذبحة السورية ترجع المنذر إلى تاريخ عاشه هو وأهله في ظل النازية في أربعينات القرن الماضي. صور أطفال الشرق تعيد المنذر إلى طفولة شابها الخوف من الموت. يقول إن “صور الدمار والقتل في سوريا تعيد الذكريات المؤلمة، ذكرى إيفا و إليا اللتين قتلتا في غرف الغاز النازية. طفلتان حكم عليهما بالموت لأنهما من عائلة يهودية. وعلى يد نظام مجرم فوقي اعتقد أن له الحق بتقرير مصير الناس. ومن هو أهل للعيش في المجتمع”.

ألفريد المنذر يصف لـ"العرب" كيف تم تهريبه، رضيعا، ليعيش مع عائلة مسلمة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، قبل أن يتم اكتشاف أمر والديه اللذين اقتيدا إلى معسكرات الاعتقال الألمانية النازية في يناير 1943، ليقتل والده وترسل شقيقتاه إلى الإعدام في غرف الغاز

يقول المنذر إنه لمن المؤسف أننا نعيش نفس الرعب الذي عشناه في زمن النازيين. فغرق الأطفال هرباً من بطش الأسد يكرر تجربة الأطفال اليهود التي عاشت بطش النازية. والمخيف بالنسبة إليه أن هذا الرعب والبطش ما زالا موجودين و يحدثان في أيامنا هذه، أمرٌ اعتبره “غير قابل للتصديق”. واليوم يتمنى المنذر عند مشاهد صورة جسد الطفل “آلان” على شواطئ تركيا، أن يفتح سكان العالم قلوبهم وأذرعتهم كما فعلت عائلة “مادنا” له عندما كان طفلاً صغيراً.

جرائم داعش والحكومات

جزء مهم من متحف الهولوكوست لا يحكي فقط قصة محرقة النازيين بحق اليهود، بل أيضا يحمل على عاتقه مهمة العمل على وقف المذابح الجديدة والضغط على الحكومات لأخذ الخطوات لمنع حدوثها. وفي لقاء “العرب” مع كاميرون هدسن، مدير مركز سايمون سكيود لمنع الإبادة الجماعية في متحف الهولوكوست، قال إن فكرة المتحف تقوم على مبدأ منع الماضي من أن يكون مستقبل الأجيال القادمة. لذلك فإن لدى المتحف عدداً من الأهداف، منها محاولة منع حدوث الإبادات الجماعية، وإلقاء الضوء على مثيلاتها التي تحدث اليوم في العالم.

يؤكد هدسن أن المتحف يعمل بشكل جاد في الضغط على الحكومات لوضع حدٍّ للأعمال الوحشية واتخاذ الإجراءات القانونية ضد مرتكبي هذه الجرائم، والتواصل مع الإعلام العالمي لتعريف الرأي العام بالجرائم المرتكبة في بعض الدول. وفي نفس الوقت يوضح هدسن أنهم في متحف الهولوكوست غير راضين عن أداء الحكومات ومنها الحكومة الأميركية، ولكنهم ما زالوا يحاولون وبشكل جدي التأثير على السياسات الحكومية، وذلك من خلال التواصل مع الحكومات وصناع القرار. وكذلك التأثير على مراكز الأبحاث والمنظمات الدولية والضغط على الرأي العام.

متحف الهولوكوست في واشنطن يقدم عرضا بصريا للضحايا في سوريا، مقارنا بين الصور التي التقطت في ألمانيا وتلك التي التقطت في سوريا

في ما يتعلق بسوريا والعراق وتعاطف الرأي العام الأميركي معهما، يؤكد هدسن أنه من الصعب تغيير رأي الجماهير كجماعة، ولكن من السهل العمل على تغيير رأي الفرد. وهذا ما أثبت علمياً من خلال دراسة ما حدث في عام 1930 حيث كان موقف الجمهور والرأي العام حول قضية اليهود واللاجئين وحماية المدنيين في استطلاعات الرأي آنذاك تظهر أن 99 بالمئة من الرأي العام في أميركا كان يعتقد أن هناك جرائم ترتكب بحق اليهود في أوروبا، ولكن فقط 15 بالمئة يعتقدون أن على أميركا أن تتدخل لوقف هذه المذابح.

ذلك الاستطلاع مشابه لما يخص القضية السورية اليوم بحسب هدسن، حيث أوضح لـ”العرب” أن هناك تعاطفاً كبيراً بين فئات المجتمع الأميركي، ولكن القليلين من هذه الفئة يطالبون بالتدخل المباشر.

وفي ما يتعلق بسياسة الإدارة الأميركية، يرى هدسن أن سياسة إدارة أوباما “تنحصر في التركيز على محاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا، حيث وثّق المركز جرائم داعش واعتبرها من خلال تقارير ودراسات اعتمدت على الكثير من الشهادات جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية”، ولكن هدسن يرى أن التركيز فقط على داعش دون جرائم النظام السوري وما يقترفه الأسد، سياسة غير متكاملة.

يقول هدسن إنه وخلال الحرب العالمية الثانية “كانت حجج واشنطن والجيش الأميركي آنذاك هي نفس الحجج التي نسمعها اليوم في ما يتعلق بالوضع في سوريا. إن الولايات المتحدة لا تستطيع محاربة النازية وحماية اليهود في نفس الوقت. والنتيجة كانت إبادة ثلث يهود العالم”. مضيفاً أنه لا يمكن فقط التركيز على محاربة داعش دون العمل على وضع حدّ لجرائم الأسد، وحسب هدسن فإن على الإدارة الأميركية “وضع سياسة لمحاربة الطرفين، لأنه من سينجو من داعش، قد يكون الموت بانتظاره على يد نظام الأسد”. حديث هدسن وشخصية ألفريد المنذر يختصران مأساة ما حصل في القرن العشرين، وها هي، كما يقول المنذر، تتكرر اليوم في القرن الحادي والعشرين دون أن تجد من يردعها أو يضع لها حداً ونهاية.

12