ألفريد طرزي يكتب بصريا تاريخ لبنان المعاصر

تحولت صالة “جنين ربيز” المشهورة بنصاعتها وهندستها الداخلية المينيمالية والمعاصرة، لمدة تفوق الأسبوع إلى مجموعة سراديب متصلة ببعضها البعض تحمل عنوان “عزيزي الجنون”، سراديب شبه معتمة مزدحمة بالصور الفوتوغرافية المتداخلة مع تخطيطات ومجسمات نحتية أقامها الفنان اللبناني ألفريد طرزي للمرة الثانية بالصالة، في محاولة لم تيأس بعد من استيعاب أهوال لبنان الحديث.
الجمعة 2017/11/03
تجهيز فني كابوسي

بيروت – تناول الفنان اللبناني ألفريد طرزي في عمله التجهيزي الجديد الذي أقيم مؤخرا على صالة “جنين ربيز” البيروتية والذي عنونه بـ”عزيزي الجنون” سنتين مفصليتين من حياة لبنان المعاصر، هما سنة 2005 وسنة 2006.

سنتان مدموغتان بسلسلة من الحوادث الدامية والسياسية بداية باغتيال الرئيس رفيق الحريري، غير أن زائر التجهيز الفني المشحون بتفاصيل وسلسلة من الكولاج المتقدم جدا تقنيا وفنيا قد وجد ذاته أمام تاريخ لبنان المعاصر ككل.

هذا التاريخ الذي لم يُدوّن بعد أكاديميا ورسميا بسبب الخلافات والاختلافات حول فصوله من قبل وحوش الحرب ذاتها، وقد وصل معظمهم إلى سدة الحكم.

وتعاظم هذا الشعور عند الزائر/ المتقدم في سراديب التجهيز، لأن حوادث الماضي القريب المجسدة في المعرض تكاد تكون هي ذاتها اليوم من خلال حضور لبعض وجوه أبطال الحرب اللبنانية، ومن خلال ظهور لنفس العداء الذي كان يكنّه الواحد للآخر سابقا بشكل أكان سريا أم ظاهريا وقد أدى إلى تفاقم الأزمات.

ومن المعروف أن الفنان ألفريد طرزي المولود سنة 1980 قد انشغل بالعمل الفني منذ سنة 2005 رسما وتصويرا ونحتا وتجهيزا بكل ما يتعلق بالحرب اللبنانية وتداعياتها، ولا سيما الاجتماعية والسياسية.

ولم ينس ألفريد طرزي أن يُذكّر مؤرخه السحري، الجنون، بأن يسرد بصريا على جدران الصالة مظاهر العافية الهشّة والمتجسدة بحراك مدني بدا لفترات صادقا في سلسلة من المظاهرات الشعبية، قبل أن ينحرف ضد ذاته ويوغل في انحرافه حتى يومنا هذا.

طرزي تعامل مع الحرب اللبنانية و"مشتقاتها" بصيغة جديدة اختلط فيها الحاضر والماضي مع الآتي غير المطمئن

خاطب الفنان “الجنون” ووضعه في عنوان فرعي للمعرض على هذا الشكل “الجنون في تماس مع الحب والتاريخ”، فبدا زائر التجهيز على يقين من أن طرزي جعل من “الجنون” المؤرخ الأقدر على سرد فصول تاريخ لبنان الحديث، لأن لا أحد يمكنه أن يقوم باغتياله إن هو أسهب في السرد الفضائحي لفصول التاريخ المقيت، إذ كيف يمكن اغتيال كيان كالجنون وهو تجريدي/ شبحي، ولا ينتمي إلى أي طرف من الأطراف المُتناحرة؟

ربما معظم الذين زاروا هذا التجهيز الفني/ الكابوسي تصوروا ذاتهم سائرين جنبا إلى جنب مع “الجنون”، تخيلوه فارع الطول وشديد الهزال، ومُتعرقا بسحنته البيضاء التي تميل إلى الزرقة وبغيضا بعينيه الجاحظتين الخاليتين من أي نقطة بياض، هكذا هامّة لا بدّ أن تكون همست في آذان الزائرين لحظة ولوجهم السرداب الرئيسي، همست قائلة بلسان الكونت دو لوتريمامون “إنه من العظيم أن تتأمل أطلال المدن، لكن ما هو أعظم هو أن تتمكن من معاينة حطام النفوس البشرية!”.

وقدم ألفريد طرزي معرضه هذا بكلمات تشبه الاعتذار من الزائرين لقسوة ما سيشاهدونه من ناحية، ومن ناحية أخرى الإيضاح بأن ما سيختبرونه أثناء مرورهم في سراديب الزمن التي أنشأها على أرض الصالة وفي فضائها، هو مزيج من الذاكرة المُرتجة ومن الواقع البحت.

يقول الفنان “العالم الذي يوشك أن ينفلت من حولكم كان بإمكانه أن يكون عالما خياليا، ولكن الشخصيات والحوادث ومواقعها هي من نتاج واقع لا بد أن أكون اختبرته ثم نسيته، هكذا تكون الحوادث الموصوفة هي عن لبنان الذاكرة، حوادث مألوفة لبعض الناس وغريبة لبعضهم الآخر، الأماكن والظروف المعروضة في هذا التجهيز قد اختفت تماما اليوم، المحاولة العقيمة في استرجاع ما كان سابقا يُمكن اعتباره نوعا من الهذيان، إنها محاولة أفرزها عقل مسكون بالماضي وممسوس بشيطان الجنون”.

سراديب الزمن التي أنشأها طرزي على أرض الصالة وفي فضائها، هو مزيج من الذاكرة المُرتجة ومن الواقع البحت

هكذا وبهذه الكلمات البهلوانية أنقذ الفنان ذاته من تهمة الموضوعية حتى يتسنى له ولزائري تجهيزه الفني التأرجح على حبال الوهم والحقيقة في الآن ذاته، وقد بنى الفنان سياقه الفني هذا تحت تأثر واضح بفن المونتاج والسينوغرافيا، حيث توالت وتقاطعت المشاهد من خلال سرد منطقي منح المُشاهد ما يكفي من الوضوح لكي يستخلص عبره الخاصة مما شاهد واختبر.

وفي معرضه السابق المعنون بـ”قطعة أرض شاغرة” حاول طرزي تخيّل نهاية للحرب اللبنانية التي لم تنته حتى الآن إلاّ شكليا، غير أن “الأرض الشاغرة” التي زرعها الفنان بنصب تذكارية رثت القتلى وحاولت تضميد الجراح، لم تعد تطيق أن تبقى “شاغرة” وملوّحة بشعرية الفقد وبعذوبة الجراح المبلسمة.

وفي معرضه الجديد اكتظت هذه الأرض بالسراديب المُشبعة بشتى أنواع الهتك بما يُمكن أن يكون وطنا مثاليا ولم يكن حتى اليوم، وإن كان طرزي في معرضه السابق قد فتح دفاتر الحرب اللبنانية السابقة ليسمح للهواء من أن يجفف الدمع، فهو اليوم قد تعامل معها، أي مع الحرب اللبنانية و”مُشتقاتها” بصيغة جديدة وخطيرة اختلط فيها الحاضر والماضي مع الآتي غير المُطمئن.

هل تخلى الفنان في هذا التجهيز الفني عن البحث عن جذور الشرّ التي أنجبت أبطال “الحروب” اللبنانية؟ وهل هذا التخلي في حال حدوثه هو ما جعله يفوّض عملية السرد إلى “الجنون”؟ الجنون والحب والتاريخ، ثلاثية لبنانية قاتلة، ليتها ما كانت ولا استمرت لتكون على النحو التي هي عليه اليوم، صدق الكونت دولوتريامون حين قال “البجع يغني قبل أن يموت.. كان من الأفضل لبعض الأشخاص أن يموتوا قبل أن تتسنى لهم فرصة الغناء”.

17