ألف عام تتوج وجدة عاصمة للثقافة العربية

وجدة ترفع مشعل الثقافة العربية لعام 2018 لتشهد المدينة بداية من 13 أبريل وحتى 29 مارس القادم احتفاليات ثقافية وفنية بنكهة خاصة ومذاق متفرد.
الجمعة 2018/04/13
لقب يوثق أواصر التواصل بين المدن العربية

وجدة (المغرب)- رفعت مدينة وجدة المغربية مشعل الثقافة العربية لعام 2018 لتشهد المدينة بداية من 13 أبريل وحتى 29 مارس من العام المقبل احتفاليات ثقافية من خلال العروض الحية والمعارض الفنية واللقاءات الأدبية والملتقيات العلمية، ما سيجعل المدينة عاصمة ثقافية عربية بنكهة خاصة ومذاق متفرد.

لقب عاصمة الثقافة العربية، هو توثيق لأواصر التواصل بين المدن العربية من خلال انتقال اللقب في كل عام إلى مدينة جديدة، فبعد مدينة الرباط في العام 2003، تستكشف جوهرة الشرق المغربي منابع الإلهام في تاريخها وحاضرها، باحثة عن مكامن الجمال في إرثها الحضاري ورصيدها الثقافي حيث يلتقي بهاء المتاحف بفخامة القصور والمساجد وروعة الأزقة والحواري والأسواق القديمة.

ويقول رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة سمير بودينار، إن اختيار المدينة عاصمة للثقافة العربية لسنة 2018 يعد تكريما للمشهد الثقافي فيها من حيث أصوله وبنياته وحركيته. وجدة، التي احتفلت بألفيتها الأولى سنة 1994، تعد ملتقى للطرق بين المغرب وبلدان أفريقيا من جهة، وبين المغرب وأوروبا عبر الناظور من جهة أخرى.

وتؤكد الآثار والمراجع التاريخية أن هذه المدينة، التي أسسها زيري بن عطية في العام 994، خلاصة للفن والمعرفة حين يمتزجان فيخلفان تراثا حضاريا ثريا وعميقا في الآن ذاته، من قبيل مدرسة سيدي زيان التي تعد أول مدرسة حديثة في المغرب والجامع الكبير ودار السبتي ومتحف للا مريم وخزانة الشريف الإدريسي (دار المخزن) والقصبات وبوابات المدينة العتيقة ومساجدها.

وجدة ببنياتها التعليمية والثقافية تعد عنوانا عن حركية علمية وثقافية استثنائية ودينامية تشهدها المدينة على امتداد السنة

ويبرز بودينار، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة اختيار وجدة عاصمة للثقافة العربية لهذه السنة، أن وجدة حازت هذا الشرف باستحقاق تام، بالنظر إلى موروثها الثقافي والتاريخي الغني والمتنوع والمتعدد المصادر.

ويضيف أنه إذا كان اختيار عواصم الثقافة العربية يتوخى الاعتناء بقيمة الثقافة، باعتبارها عنصرا مهما في حياة أي مجتمع ومحورا رئيسيا من محاور التنمية الشاملة فيه، فإن ذلك يتم من خلال إبراز القيمة الحضارية للمدينة التي تحظى بهذا التكريم وتنمية رصيدها الثقافي وتقوية دورها في دعم الإبداع الفكري والثقافي، مع تنشيط المبادرات الخلاقة لأبناء المدينة.

وأشار إلى أن “المدينة الألفية، تعد بوسطها التاريخي ذي الطابع المريني، بمسجده الجامع وقصبته ومدرسته التاريخية وأسواقه، مركزا ثقافيا مشعا على مختلف الأبعاد، وخاصة المغاربي منها”.

وتقول كتب التاريخ إن تأسيس مدينة وجدة ينسب للزعيم المغراوي زيري بن عطية الذي استطاع أن يؤسس مملكة في المغرب الأقصى وكان في صراع مفتوح مع المنصور بن أبي عامر في الأندلس، والفاطميين وأنصارهم من الصنهاجيين في المغرب الأوسط.

وفي تلك الظروف السياسية الصعبة، فإن زيري بن عطية فكر في ضرورة توسيع مملكته شرق عاصمته فاس وحماية ظهره من كل الأخطار المحدقة به من الناحية الشرقية، لهذا قرر بناء مدينة وجدة في شهر رجب عام 384 هـ/994 م، وحصَّن المدينة عبر إحاطتها بالأسوار العالية والأبواب التي كان يتحكم الحراس في فتحها وإغلاقها، وظلت مدينة وجدة تتأثر بموقعها الحدودي طيلة تاريخها الذي يتجاوز ألف عام.

وتجمع كتب التاريخ على أن من أحاط مدينة وجدة بالأسوار هم الموحدون ثم تم تدميرها في عهد المرينيين بعد صراعهم مع بني عبدالواد ثم أعيد بناء القلعة عام 1336، وتم تجديدها في عهد المولى إسماعيل عام 1679. ويقول بودينار “هي عاصمة جهة الشرق، والبوابة الشرقية للمغرب، والعاصمة المغاربية بامتياز، التي عرفت بكونها قاعدة متقدمة للمقاومة ضد الاستعمار على المستوى المغاربي”.

ويضيف الخبير المغربي أن وجدة بطابع التعدد الثقافي والديني الذي عرفت به تاريخيا، تعد نموذجا حضاريا للتعايش بين مواطنيها المغاربة من المسلمين واليهود، حيث يمثل تراثها الروحي المتعدد، والانسجام الذي يميز نسيجها الاجتماعي نموذجا فريدا.

ويشير إلى أن المدينة ذات الإشعاع الروحي والعلمي تلقب بأنها مدينة المساجد بحوالي 400 مسجد، حائزة بذلك أحد أعلى المعدلات في عدد المساجد بالنسبة لعدد السكان في المغرب والعالم الإسلامي، ويمثل هذا العدد الكبير من المساجد تراثا معماريا غنيا ونموذجا للموروث الثقافي المفتوح على الجمهور.

ووجدة التي قدمت الدعم لقادة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، أقيمت بها أول محطة قطار وأول متحف في المغرب، وتأسست بها أول جمعية فنية ثقافية سنة 1921 مثلت المغرب في مسرح الأمم بباريس سنة 1930.

ويذكر بودينار أن وجدة شهدت أولى المبادرات التعليمية في التاريخ المعاصر، حيث أنشئت بها أول مدرسة نظامية عصرية “سيدي زيان”، التي بدأت تِؤدي خدماتها التعليمية ابتداء من سنة 1907. كما بنيت بها أول ثانوية في المغرب الحديث (ثانوية الفتيان) سنة 1915 (ثانوية عمر بن عبدالعزيز حاليا).

ويؤكد أن وجدة ببنياتها التعليمية والثقافية (جامعة محمد الأول وفضاء مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، والمركبات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والمسرح الكبير، والمكتبات، ومسرح الهواء الطلق، والمتاحف، وأروقة الفنون، ومعاهد الرسم والموسيقى، وفضاءات العروض الثقافية والفنية المختلفة)، تعد عنوانا عن حركية علمية وثقافية استثنائية ودينامية تشهدها المدينة على امتداد السنة.

وأنجبت المدينة العديد من رواد الثقافة والعلوم ومثلت وجهة مفضلة للباحثين والطلبة القادمين من البلدان الأفريقية والعربية. وكانت اللجنة الدائمة للثقافة العربية قد اعتمدت، في ختام اجتماعها في 30 نوفمبر 2017 بالدار البيضاء، بالإجماع اقتراح اختيار مدينة وجدة عاصمة للثقافة العربية لسنة 2018. ويجسد هذا الاختيار، بحسب وزارة الثقافة المغربية، المكانة التي تحظى بها المملكة على الصعيد العربي، كما يمثل مناسبة لجعل وجدة قبلة للعمل الثقافي العربي طيلة سنة 2018.

وسيشكل هذا الاختيار كذلك فرصة لإبراز الحركية الثقافية الوطنية عامة وبالجهة الشرقية خاصة، وسيمكن أيضا من إبراز البعد التاريخي والحضاري لهذه المدينة ذات التاريخ العريق. ويشمل برنامج هذه الاحتفالية تظاهرات ثقافية وفنية كبرى ذات بعد وطني وعربي ودولي، ومهرجانات وندوات فكرية، وتكريم شخصيات ثقافية على مدار السنة.

20