ألقاب مفخمة

السبت 2014/06/28

ربما تتميّز البلدان المغاربية بكونها أقل البلدان العربية ولعا بفن الإيتيكيت، وبالتالي بالألقاب والتفخيمات. فإلى عهد قريب ما كانت الخطابات بين الأشخاص، في هذه البلدان، مثقلة بالتوصيفات التمجيدية، قياسا إلى باقي بلدان المشرق العربي على الأقل. ذلك أن نعوتا من قبيل”الشاعر الكبير” لم تكن واردة ولا مستساغة، حتى ان أحد المذيعين المغاربة، عقـّب ذات مرة، حينما قدِّم له شاعرٌ عربي بهذه الصفة: ألا يكفيه أن يكون شاعرا ليكون كبيرا؟ أما اليوم فقد صار الكل كبيرا وعظيما حتى ولو لم يكن كذلك، إلى درجة أنّ ألفاظ مثل دكتور وأستاذ وشيخ أصبحت توزع يمينا وشمالا. فمن دون شواهد ولا دبلومات ألفينا الجزارين والكناسين والبوابين وما إلى غير ذلك، يَغدون أساتذة بقدرة قادر.

وليس معنى هذا أن هؤلاء وسواهم لا يستحقون التبجيل وإنما هناك أصول لا بد أن تراعى في تنزيل الناس منازلهم دونما استهانة ولا تمييع. فهل يعقل أن يذهب شخص إلى إسكافي، على سبيل المثال، ويخاطبه ” من فضلك يا أستاذ أصلحْ لي هذا الحذاء”.

وكلما اكتسى الحديث قدرا من اللباقة ارتقى في قلوب المستمعين وعقولهم. ومعلوم أن حديث اللبنانيين والمصريين في غاية اللطف والأناقة، وهو من وجهة نظر الغريب لطف مبالغ فيه، وهم ليسوا وحدهم، فالفرنسيين مشهورون، مثلهم، بصيغ المبالغة في الحكم على الأمور، والإنكليز يجيدون الأساليب “الجنتلمانية”. ومع ذلك فإن الشعبين الأخيرين، معا، لا يطلقان،كما نحن، صفة أستاذ أو دكتور إلا على ذويها، أي على الحاملين لهذه الصفات في واقع الحال. بل إنهم في كثير من الحالات لا يطلقونها حتى على هؤلاء. ولاشك أن القراء لم يسمعوا قط بالدكتور فرويد ولا الدكتور أينشتاين وقد لا يجدون كِتابا ينص على أن مؤلفه دكتور أو أستاذ كما هو الشأن عندنا نحن العرب حيث الاعتداد بالنفس قد يصير، أحيانا، أقرب إلى الأعراض المرضية، إذا لنا الصدر دون العالمين أو القبر.

ولابأس في ذلك لو كان لهذا الاعتداد رصيد يتجاوز ” الظاهرة اللغوية”. ونظن أنه فضلا عن هذا المعطى التاريخي الموثـِّر هناك معطى آخر هو الوجود العثماني. فالعثمانيون كانوا مولعين بألقاب الفخامة والعظمة،عسكريا ومدنيا، من قبيل البيه والباي والباشا والباش مهندس والبكباشي إلخ، فتوغلت إلينا حتى تشربناها مع الوقت فغدت من صلب “علاماتنا المسجلة”.


كاتب من المغرب

17