ألكسي نافالني الديمقراطي القومي يثير مخاوف الكرملين

الجمعة 2013/10/18
نافالني ناقد للفساد في روسيا

موسكو ـ أسال ألكسي نافالني الذي يعتبر من أشد معارضي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الكثير من الحبر في الساحة الروسية على اعتبار الأهمية التي حضي بها في إطار الصراع السياسي الحاصل بين المعارضة والكرملين. ونافالني هو أحد قادة حركة الاحتجاج التي برزت في السنتين الأخيرتين والتي تندد بتزوير نتائج الانتخابات التشريعية التي فاز بها حزب بوتين "روسيا الموحدة". كما يعتبر من المقربين من الأوساط القومية والمناهضة للهجرة وهو موضوع حساس جدا تسبب في كثير من الاضطرابات المناهضة للأجانب التي وقعت مؤخرا في موسكو بعد مقتل شاب روسي على يد قوقازي، مما جعل موسكو تشهد الكثير من التوترات النابعة من إشكالية الهجرة وطرق حلها. كما عرفت الأوساط السياسية في روسيا الكثير من التجاذبات خاصة بعد بروز قضية نافالني إلى سطح الأحداث والتي قد تتسبب في كثير من التداعيات على الحراك السياسي الروسي بصفة عامة.

ونعود هنا للتعرف على أكثر تفاصيل عن حياة هذا المعارض الشرس،المحامي البالغ الـ37 من العمر والذي اشتهر بتحقيقاته في مكافحة الفساد التي نشرت على موقع الكتروني، بعد أن قررالقضاء الروسي خفض عقوبة السجن خمس سنوات الصادرة بحقه في يوليو بتهمة اختلاس الأموال، إلى السجن مع وقف التنفيذ. وقد عد البعض القرار انتصارا للمعارض الذي أفلت من السجن في قضية يؤكد أنها مفبكرة.

ولد الروسي ألكسي أناتولييفيتش نافالني في 4 يونيو 1976وهو محام وناشط سياسي ومالي، تخرج في التسعينات من جامعة موسكو ونشط في حزب يابلوكو الليبرالي المعارض قبل أن يطرد منه لمواقفه المفرطة في القومية. اكتسب شهرة في روسيا منذ عام 2009، وخصوصا في وسائل الإعلام الروسية، كناقد للفساد، وخاصة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

استغل مدونته على موقع لايف جورنال لتنظيم مظاهرات واسعة النطاق لمعالجة عدة قضايا. كما أنه يكتب مقالات بانتظام في العديد من المنشورات الروسية، مثل فوربس روسيا.

في عام 2011، ادعى نافالني أن نظام بوتين السياسي يضعف بسبب الفساد لدرجة أن روسيا قد تواجه تمردا على غرار الربيع العربي في غضون خمس سنوات.

ونافالني هو عضو مجلس تنسيق المعارضة الروسية وهو الزعيم غير الرسمي لحزب التحالف الشعبي وهو حزب لم يتم بعد تسجيله رسميا.

تم تسجيله رسميا كمرشح في انتخابات عمدة موسكو التي جرت يوم 8 أيلول 2013.

اتهم بالتخطيط لسرقة 16 مليون روبل من شركة أخشاب مملوكة للدولة أثناء عمله مستشارا لحاكم منطقة كيروف عام 2009، وطالب ممثلو الادعاء توقيع عقوبة السجن لمدة ست سنوات لهذه التهمة. في 18 يوليو حكمت إحدى محاكم كيروف بسجنه 5 سنوات مع دفع غرامة قدرها 500 ألف روبل.

هذه القضية التي اتهم فيها أليكسي أثارت ردود فعل داخل روسيا وخارجها، فقد قال ميخائيل غورباتشوف آخر زعيم للاتحاد السوفيتي إن "استخدام القضاء في الخلاف ضد خصوم سياسيين غير مقبول" وقال إن مجمل القضية "تؤكد مع الأسف أنه ليس لدينا قضاء مستقل". كما قالت كاثرين آشتون مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي إن الحكم يطرح أسئلة خطيرة حول وضع حكم القانون في روسيا.

وصفه مراسل «بي بي سي» بأنه «الشخصية المعارضة الرئيسية الوحيدة التي خرجت في روسيا في السنوات الخمس الماضية».

وقد اندلعت احتجاجات حاشدة ضد بوتن وحزبه من «المحتالين واللصوص» في العام 2011، وأصبح ألكسي نافالني، الذي نعتهم بذلك الوصف، وجه المعارضة في روسيا. كان نافالني، المحامي المناهض للفساد والذي يبلغ من العمر 37 عاما، شوكة في خاصرة بوتين منذ ذلك الوقت، ويصف نفسه «الديمقراطي القومي».

وفي العام 2012 وصفته صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن "الرجل الذي يخشاه فلاديمير بوتين أكثر من غيره".

وهوالروسي الوحيد الذي ذكرته مجلة «تايم» في العام 2012 كأكثر شخصية لها النفوذ الأكثر في العالم من بين 100 شخص.

تم القبض عليه عدة مرات من قبل السلطات الروسية، ومن بينها في العام 2012، عندما اتهمته السلطات الاتحادية بثلاث حالات اختلاس واحتيال، والتي نفاها.

تلقت حملة ترشيح نافالني في انتخابات رئاسة بلدية موسكو دفعة كبيرة عندما أصبح مجرما مدانا، بعد محاكمة أشبه بمحاكمة خودوركوفسكي من حيث التلاعب السياسي الصارخ. فقد تلقى نافالني الذي اتهم بالاحتيال حكما بالسجن خمس سنوات بزعم الاختلاس من كيروفليس، وهي شركة أخشاب ريفية في يوليو 2013. ولكن في تطور غير اعتيادي أطلِق سراح نافالني من السجن لحين نظر الاستئناف بعد يوم واحد فقط من صدور الحكم بإدانته، ويقول البعض إن هذا يرجع إلى نزول أنصاره إلى الشوارع فور صدور الحكم.


محاولة لكسر سلطة بوتين


"نهاركم سعيد، اسمي ألكسي نافالني وعمري 37 سنة"، بهذه الجملة توجه نافالني إلى أنصاره في انتخابات بلدية موسكوالأخيرة. وقد دعا في خطابه ذلك إلى العمل على تحدي سياسة بوتين وكسر سلطته من خلال التحرك من أجل تغيير المشهد السياسي في موسكو.

وقد ساعد تصاعد شهرته بعد القضية التي وجهت ضده وإفراج السلطات عنه نزولا على رغبة آلاف المحتجين الذين شجبوا حكم السجن الصادر بحقه، في كسب مزيد من الأنصار.

كان ألكسي يحاول أن يقنع الناخب الروسي بضرورة التغيير والعمل على تكريس ديمقراطية حقيقية لا تخضع للولاءات ولا لسلطة الكرملين.

ومن خلال التأكيد على دعم الملايين له بالقول: "لا يمكنهم أن يودعوا في السجن شخصا مدعوما من ملايين الناس"، في إشارة إلى الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت موسكو عقب اعتقاله الذي اعتبر أن وراءه دوافع سياسية، يسعى نافالني إلى شحن الروس بمزيد من الثقة في النفس وفي إمكانية الانتصار في المعركة ضد الفساد وضد بوتين.

وبالرغم من أن الاستطلاع الذي أجراه وقتها مركز ليفادا المستقل، والذي أشار إلى أن نافالني يحظى فقط بـ8 بالمئة من نيات التصويت، ليأتي متأخرا بفارق كبير وراء رئيس البلدية الحالي سيرغي سوبيانين من الحزب الحاكم، الذي حصل على أكثر من 70 بالمئة من نيات التصويت، فإن نافالني لم يستسلم ولا فريقه الذي يضم عشرات المتطوعين، بل واصل الحملة بحماسة كبيرة، إذ قام بحملة غير مسبوقة في روسيا لا سيما بنزوله إلى الشارع لملاقاة أهالي موسكو، وتحدى فيها ألكسي نافالني النظام السياسي لفلاديمير بوتن، الذي يمثله رئيس البلدية المنتهية ولايته سيرغي سوبيانين.

وتلك المشاركة للناشط في مكافحة الفساد والمعارض بشدة لبوتين، تشكل تغييرا في ساحة سياسية تبدو فيها المعارضة مهمشة منذ 10 سنوات.

وكان نافالني دعا الناخبين في موسكو إلى التصويت له لكسر هيمنة بوتين، وأكد في مقابلة مع الصحيفة الإلكترونية "غازيتا.رو" أن بوتين "يهيمن على المجال السياسي الروسي".

وأكد في ذلك الحين أن نتائج الانتخابات البلدية ستوجه إشارة واضحة إلى السلطة وستحدد "ما إذا كان بالإمكان إدخال الناس إلى السجون ومواصلة سرقة الأموال".

وقال نافالني، الذي أكد في الماضي أنه ينوي الترشح للانتخابات الرئاسية في 2018، أن هذه الحملة "كان يمكن أن تكون حملة انتخابات رئاسية".

ويرى محللون أن الانتخابات كانت مهمة جدا للكرملين، إذ إن مشاركة نافالني حولتها إلى "استفتاء على بوتين" في موسكو التي كانت ساحة رئيسية لموجة الاحتجاجات على السلطة في 2011-2012.

وبرغم الجهود التي بذلها ألكسي في محاولته لرئاسة بلدية موسكو إلا أن لجنة الانتخابات بمدينة موسكو أعلنت أن القائم بأعمال عمدة العاصمة الروسية والمقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سيرغي سوبيانين، فاز بانتخابات العمدة التي جرت في وقت سابق، وتفوق على المرشح المعارض ألكسي نافالني. وأعلنت اللجنة وقتها أن سوبيانين جمع أكثر من 54 بالمئة من أصوات الناخبين المشاركين في الانتخابات، وحل نافالني في المركز الثاني وحصل على نحو 24 بالمئة من الأصوات.

لكن وفق معسكر نافالني، فإن رئيس البلدية المنتهية ولايته لم يحصل سوى على 46 بالمئة من الأصوات، مقابل 35.6 بالمئة لنافالني، وكان الشعار الرئيسي لحملة نافالني "غير روسيا، إبدأ بموسكو"، فيما قال معظم أنصاره من الناخبين إنهم يريدون توجيه رسالة إلى بوتين.

وقام ألكسي بحملة نشيطة جدا في الشارع وعلى الإنترنت سمحت له بزيادة عدد مؤيديه. وقد حشد آلاف المتطوعين ووظف أكثر من مئة مليون روبل (2.3 مليون يورو) من التبرعات، وعبر عدد من رؤساء شركات قطاع الإنترنت عن دعمهم العلني لنافالني، بينما أعد الخبير الاقتصادي المعروف سيرغي غورييف برنامجه الاقتصادي.

كما قال نافالني في مقابلة مع صحيفة الكترونية الجمعة، قبل أن يعقد آخر تجمع انتخابي له: "هناك مئات الألاف وربما ملايين الأشخاص الذين يشاطروننا اقتناعاتنا (…) على هؤلاء الناس أن يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع ويضعوا حدا جديدا للسلطة".

وأضاف: "في الوقت الراهن ليس هناك سوى بوتين في الساحة السياسية الروسية".

وجمع نافالني المدون المناهض للفساد البالغ 37 عاما والذي تصدر الاحتجاجات ضد النظام الروسي في 2011-2012 أنصاره في جادة ساخاروف في وسط موسكو.

وقال نافالني مخاطبا أنصاره: "إذا كنتم هنا جميعا تحت المطر، فهذا يعني أن الوضع يتغير". وأضاف: "نحن معا وسيكون النصر حليفنا".

كما اعترض المعارض الروسي أليكسي نافالني على فوز سوبيانين مشيرا إلى حدوث عمليات "تزوير" ومهددا بدعوة أنصاره إلى النزول للتظاهر إن لم تعقد دورة ثانية.

ويقول: "مرة أخرى، أتوجه بالدعوة للكرملين ولعمدة موسكو لوقف التزوير ونطلب أن تعاد الانتخابات بجولة ثانية".

ويذهب عدد من المراقبين إلى القول إن الغاية من مشاركة ألكسي في انتخابات بلدية موسكو هو إحداث نوع من الاهتزاز في سلطة بوتين ومؤيديه من خلال التأكيد على أن هيمنته على المجال السياسي لن تستمر طويلا.


التهمة والصراع


الكثيرون يعتقدون أن حكام الكرملين عملوا على ضرب صعود ألكسي في مقتل من خلال التهمة التي وجهت له ومحاولتهم التسريع من نهايته السياسية قبل أن تشتد شوكته ويكثر أنصاره ويتحول إلى منديلا جديد.

فكانت التهمة تحمل روائح سياسية لا غبار عليها ممثلة في اتهامه بالسرقة، فقد أصدرت إحدى محاكم مدينة كيروف الروسية حكما بالسجن لمدة 5 سنوات ودفع غرامة قدرها 500 ألف روبل بحق أليكسي في قضية "كيروفليس"، التي اتهم فيها نافالني بالاختلاس والفساد.

وقال القاضي إنه مذنب بتنظيم مخطط لسرقة ما لا يقل عن 16 مليون روبل (494400 دولار) من شركة للأخشاب مملوكة للدولة أثناء عمله كمستشار لحاكم منطقة كيروف في 2009.

والعقوبة القصوى للجريمة التي أدين بها هي السجن عشر سنوات. وإذا سجن لست سنوات أو أكثر فإنه لن يكون بمقدوره المنافسة في انتخابات الرئاسة القادمة المقرر إجراؤها في 2018.

كما أعلن القاضي سيرغي بلينوف أثناء نطقه بالحكم في محكمة حي لينينسكي في كيروف عن إدانة معاون نافالني رجل الأعمال بيوتر أوفيتسيروف وسجنه لمدة 4 سنوات. وكان فريق الاتهام قد طلب من المحكمة بسجن نافالني وأوفيتسيروف لـ 6 و5 سنوات على التوالي.

وقرار المحكمة بإدانة نافالني يعني، وفقا للقانون الروسي والذي جرى تعديله العام الجاري، أن المعارض الروسي لن يستطيع ترشيح نفسه في الانتخابات. ومع ذلك أعلنت لجنة الانتخابات في موسكو أنها لا تنوي إلغاء ترشيح نافالني إلا بعد دخول الحكم حيز التنفيذ.

كما اتهمت اللجنة الانتخابية في موسكو، في وقت سابق ألكسي باللجوء إلى "الغش" في حملته للانتخابات البلدية الأخيرة، وذلك بعدما قامت الشرطة بتفتيش شقة لمناصرين له.

وقالت اللجنة في بيان على موقعها الإلكتروني: "من المؤسف أن يلجأ مرشح يعتبر نفسه محاربا للفساد إلى وسائل غش في حملته الانتخابية".

إلا إن نافالني في تغريدة على تويتر قال إن القاضي اكتفى بتكرار الاتهامات التي ساقها ممثلو الادعاء والموافقة عليها.

وكانت ردود الفعل الدولية وقتها في ما يخص قضية الاختلاس الموجهة لألكسي معبرة عن قلقها من الحكم ومن صدقية التهمة.

وعبر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عن القلق بعد الحكم على ألكسي بالسجن خمس سنوات بعد إدانته بالاختلاس. وهو أمر يبعد أحد منافسي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الساحة السياسية.

وقال السفير الأميركي في موسكو ماكيل ماكفول في تغريدة على تويتر: "نحن نشعر بخيبة أمل شديدة بسبب الحكم والدافع السياسي كما يبدو للمحاكمة".

الصراع بدا واضحا من خلال بعض مؤشراته في الانتخابات البلدية الأخيرة وكانت المعارضة مركزة على شعار أن التغيير يبدأ من موسكو.

وهو ما جعل الكثيرين يتساءلون هل أصبح ألكسي عنوان المعارضة المقبلة البارز في روسيا.

وهل أنه أصبح أبعد من النتيجة التي حققها في انتخابات بلدية موسكو الأخيرة والتي اعتبرت انتصارا من طرف العديد من المحللين والخبراء.

ويذهب محللون إلى أن الشيء الذي نجح فيه نافالني هو تمكنه من تعبئة الشارع، و كان سببا في المظاهرة الضخمة التي شهدتها موسكو في شتاء ألفين وإثني عشر، مباشرة بعد الانتخابات التشريعية والتي سبقت بدورها عودة فلاديمير بوتين على رأس البلاد.

لكن تلك الاحتجاجات تمكنت السلطات الروسية من لجمها بعدة وسائل والتي تؤكد من دون شك إحكام قبضة النظام على قواعد اللعبة السياسية.

ألكسي نجح في الإفلات من عقوبة السجن لكنه مع ذلك يرى أن الإبقاء عليها مع وقف التنفيذ يرمي إلى إبقاء الضغط عليه لمنعه من مواصلة أنشطته السياسية، قائلا: "تحاول السلطات بكل قواها إبعادي عن المعركة السياسية. لكنها لن تنجح وسنواصل عملنا".

فهل يتمكن ألكسي من دفع المعارضة إلى المواجهة مع بوتين أم أن معركته السياسية لن تتجاوز الشعارات والخطب التي يتقنها؟

12