ألمانيا تأمل في إعفاءات أميركية لشركاتها المتعاملة مع إيران


تسعى ألمانيا، قاطرة الاقتصاد الأوروبي، إلى الظفر بإعفاءات أميركية على شركاتها العاملة في إيران من أجل حماية استثماراتها من العقوبات التي ستطالها بموجب عودة العمل بعقوبات ما قبل الاتفاق النووي الموقع في 2015.
الأربعاء 2018/05/23
إكراهات الواقع تلغي الدعم السياسي

برلين - أقر وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير الثلاثاء، بصعوبة الالتفاف على العقوبات الأميركية التي تستهدف إيران والشركات الأجنبية المتعاملة معها، داعيا الولايات المتحدة إلى منح شركات بلاده إعفاءات تجنبها تداعيات العقوبات.

ويرى محللون أن تصريحات ألتماير تأتي في سياق وعي ألماني بصعوبة تفادي تداعيات العقوبات الأميركية، ما دفع برلين إلى التحرك سريعا لاستصدار إعفاءات أميركية لشركاتها المرتبطة بطهران عوض المراهنة على مواجهة العقوبات وفق قانون التعطيل الأوروبي.

وقال الوزير في حوار لصحيفة “باساوير نويه بريسه” الألمانية الخاصة، إن بلاده لن تستطيع حماية الشركات التي تتعامل مع إيران، بشكل كامل، من العقوبات الأميركية.

وأضاف “ستساعد الحكومة الفيدرالية الشركات الألمانية، بقدر ما تستطيع، على القيام بأعمال مع إيران”، مؤكدا “لكننا لن نستطيع حمايتها بنسبة مئة في المئة من القرار الأميركي بإعادة فرض عقوبات اقتصادية على طهران والكيانات المتعاملة معها”.

وتابع الوزير الألماني “سنساعد الشركات على تقييم الوضع والتطورات، ونحث الحكومة الأميركية على منحها إعفاءات”، فيما لم تعلن برلين عن عدد الشركات الألمانية التي تملك أعمالا في إيران.

وتأتي تصريحات ألتماير بالتزامن مع تواجد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في واشنطن، خلال زيارة تستغرق يومين، وتستهدف مناقشة قضايا الاتفاق النووي مع إيران والقضايا التجارية.

وقالت وزارة الخارجية الألمانية، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني الثلاثاء، إن هايكو ماس سيعقد لقاءات في واشنطن مع أعضاء بالكونغرس الأميركي على أن يلتقي، الأربعاء، وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو.

وفي 8 مايو الجاري، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب إعادة العمل بالعقوبات الاقتصادية على إيران والانسحاب من الاتفاق النووي الموقع في 2015، الذي يقيد البرنامج النووي الإيراني في الاستخدامات السلمية مقابل رفع العقوبات الغربية عنها.

واختارت شركات أوروبية بارزة أن تحسم الجدل السياسي بشأن العقوبات على إيران بشكل عملي بإعلان وقف أنشطتها هناك لتجنب العقوبات الأميركية من ناحية، وقطع الطريق أمام المناورات السياسية التي قد تطيل الأزمة لكنها ستفضي في الأخير إلى تنفيذ الشروط الأميركية من ناحية ثانية.

بيتر ألتماير: لن نستطيع حماية شركاتنا التي تتعامل مع إيران من العقوبات الأميركية
بيتر ألتماير: لن نستطيع حماية شركاتنا التي تتعامل مع إيران من العقوبات الأميركية

وأعلنت مجموعة ميرسك تانكرز الدنماركية لناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أنها ستوقف أنشطتها في إيران بعد قرار الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة فرض عقوبات على طهران.

وقالت المجموعة إنها ستلتزم بالاتفاقات المبرمة التي دخلت حيز التنفيذ قبل 8 مايو لكنها ستختتمها بحلول 4 نوفمبر “بموجب العقوبات الأميركية التي أعيد فرضها”. وأضافت أنها “تتابع عن كثب تقييم الآثار المحتملة على أنشطتها، مع البقاء على اتصال بزبائنها لإبلاغهم بالتطورات المحتملة”.

ويأتي قرار شركة ميرسك بعد قرار آخر شبيه به من شركة الطاقة الفرنسية العملاقة توتال التي لوحت بالانسحاب من مشروع ضخم لتنمية حقل الغاز، إذا لم تحصل على استثناء من العقوبات الأميركية.

وقال باتريك بوياني، رئيس مجلس إدارة مجموعة توتال النفطية الفرنسية في كلمة في واشنطن الأحد، “بمجرّد أن تعيد الولايات المتحدة العقوبات الثانوية، فلن تبقى لدينا إمكانية البقاء في شركة متعددة الجنسيات إذا ما استمرت توتال في التعامل تجاريا مع إيران”.

وأضاف بوياني أن هذه العقوبات “تعني أن الرئيس الأميركي يمكنه أن يقرر أن توتال لم تعد قادرة على الوصول إلى المصارف الأميركية”، موضحا أن ترامب “يستطيع أيضا أن يأمر المستثمرين بالتوقف عن توظيف أموال في توتال؛ حوالي 35 بالمئة من أسهمي أميركية ولا أستطيع أن أسمح لنفسي بأن أخسرها”.

وتابع “لا يمكنني أن أترأس مؤسسة تمثّل حوالي 100 بلد ولا تستطيع الوصول إلى المصارف الأميركية لأن تسعين بالمئة من تمويل توتال مرتبط بالمصارف الأميركية”.

وختم بالقول “لن يكون بإمكان توتال الاستمرار في مشروع، أس.بي.11، وعليها أن توقف كافة العمليات المرتبطة به قبل الرابع من نوفمبر 2018، إلا إذا حصلت على إعفاء للمشروع من السلطات الأميركية، بدعم من السلطات الفرنسية والأوروبية”.

وقال خبراء اقتصاديون ومحللون إن الشركات الكبرى ستكون صاحبة القرار الأخير في حسم الجدل بشأن العقوبات الأميركية، وإن مواقف الساسة الأوروبيين البارزين سيكون في النهاية صدى لمواقف تلك الشركات التي لا يمكن أن تضع مصالحها في سلة السوق الإيرانية وتهدد أنشطتها في أسواق أخرى أكثر أهمية، فضلا عن تأثير العقوبات عليها على المدى البعيد.

وتعرف إيران أن مواقف قادة الاتحاد الأوروبي قد تعطيها دفعة سياسية حينية بمواجهة ضغوط البيت الأبيض، لكنها في النهاية لن تعطيها أي ضمانات طالما أن الشركات المنفذة للمشاريع تستعد للمغادرة، وأن العقوبات الأميركية ستخلق لها تعقيدات كبيرة.

ويستبعد المراقبون أي تراجع أميركي بخصوص العقوبات على إيران، لافتين إلى أن الأمر أكبر من العقوبات، وأنه يرتبط برغبة أميركية واضحة لدفع إيران إلى التراجع عن رغبتها في إنتاج أسلحة نووية، أو خلق تقدم عسكري يهدد جيرانها الخليجيين، فضلا عن الدور التخريبي لها في ملفات المنطقة.

واتفق قادة الاتحاد الأوروبي على السعي للحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني والإبقاء على تعاونهم الاقتصادي مع طهران بعد انسحاب ترامب منه، لكنهم لم يتوصلوا إلى قرارات ذات بال، مما يبرز قدرة النفوذ الأميركي في التجارة والتمويل الدولي على تقييد نطاق التحركات الأوروبية.

5