ألمانيا تحشد لتقوية الليبرالية في وجه تسونامي الترامبية

على الرغم من تحذيرات القوى المتوسطة من خطر تدهور النظام العالمي الليبرالي إلا أن هذه القوى لم تترجم أقوالها إلى أفعال ولا تملك في الوقت الحالي سوى إبطاء عملية الانهيار.
الخميس 2019/08/15
طريق ملغوم

قوّض الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ وصوله إلى السلطة أبجديات كثيرة في السياسة الخارجية الأميركية وطرق إدارتها للأزمات الدولية وذلك منذ رفعه لشعار “أميركا أولا”. وباتباعه سياسة الحمائية التجارية وانسحابه من عدد من الاتفاقيات الدولية أسس الرئيس الأميركي لنهج ينعته كثير من المراقبين بـ”الترامبية”، قوامه الابتعاد أكثر فأكثر عن القيم الليبرالية التي ساهمت في استقرار النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ما يثير المخاوف بشأن مستقبل التعاون الدولي في ظل أنظمة تتجه بوتيرة أسرع نحو الانغلاق.

تورونتو (كندا)- يسعى وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إلى تدعيم التعاون الدولي خلال زيارته لكندا الأربعاء ضمن مبادرة أطلقها قبل نحو عام تحمل اسم “تحالف أنصار التعددية”، حيث يهدف هذا التحالف إلى الدفاع عن نظام عالمي قائم على المنظمات والاتفاقيات الدولية وإلى مناهضة السياسات القومية المنفردة.

ومع وصول دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة واستفتاء بريكست في بريطانيا في العام 2016، كثر الحديث بل التنظير لمرحلة ما بعد النظام العالمي الليبرالي مع اتساع هوة الشعبوية والقومية والحمائية التجارية في أبرز الدول المؤسسة لهذا النظام الذي يبدو أنه يحمل في نفسه بذور فنائه بعد أن أصبح مستهدفا من قبل مهندسيه لا من القوى السلطوية.

وتصاعدت التحديات التي تواجه النظام الدولي في الآونة الأخيرة، من الصين وروسيا والولايات المتحدة وغيرها من الأطراف، مثل الرئيس ترامب الذي تبنى شعار “أميركا أولا” لينبذ دور بلاده الطويل، إذ ارتبطت استراتيجية الولايات المتحدة الكبرى منذ 1945 بتعزيز النظام والحفاظ على المصالح الوطنية الأميركية في إطار نظام متعدد الأطراف.

ومن بين إجراءات أخرى، وصف ترامب الاتحاد الأوروبي بأنه “عدو”، وأوقف تعيين القضاة في لجان تسوية المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية، وانسحب من سلسلة من المعاهدات الدولية كالشراكة العابرة للمحيط الهادئ واتفاق باريس للمناخ والاتفاق العالمي للهجرة والبروتوكول الاختياري لتسوية النزاعات الملحق باتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وهدد بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، ويقال إنه ناقش الانسحاب من الناتو.

وعلى الرغم من تحذيرات القوى المتوسطة (الدول الأوروبية ودول أميركا اللاتينية واليابان) من خطر تدهور النظام العالمي الليبرالي إلا أن هذه القوى لم تترجم أقوالها إلى أفعال، فيما يذهب محللون واستراتيجيون إلى أن هاته القوى لا تملك في الوقت الحالي سوى إبطاء عملية الانهيار إن لم تسرع في التنسيق في ما بينها وتجنب وقوع “الكارثة”.

داغ همرشولد: الهدف يكمن في إنقاذ العالم من الجحيم وليس إيصاله إلى الجنة
داغ همرشولد: الهدف يكمن في إنقاذ العالم من الجحيم وليس إيصاله إلى الجنة

ومع وجود قوى كبرى مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة الأميركية، التي تساهم كل واحدة منها في تفتيت أسس النظام الدولي الليبرالي، وجدت القوى المتوسطة نفسها مسؤولة على الحفاظ على بعض عناصر النظام الأساسية وإصلاحها. في حين لا تستطيع هذه القوى منع تفكك النظام الدولي الليبرالي بمفردها، إلا أنها تستطيع إبطاء العملية.

ولتحقيق ذلك، تحتاج القوى المتوسطة إلى تحديد أولوياتها، وتجميع ائتلافات خاصة بقضايا محددة وإعطائها أهدافا واضحة، وتنسيق جهودها بفعالية. تقدم المبادرات “متعددة الأطراف” الحالية نموذجا للتحالفات الموجهة نحو قضايا محددة.

وبينما تتكون بعض التحالفات من بلدان محددة، تشمل أخرى جهات فاعلة غير حكومية مثل الشركات والمؤسسات الخاصة وشبكات المجتمع المدني. ويمكن للقوى المتوسطة إعطاء الأولوية لتحديث نظام الهجرة الدولي، ووضع قواعد جديدة للأمن السيبراني الدولي، والتمسك بمعايير محددة ضد الاغتيالات وعمليات الاختطاف و”دبلوماسية الرهائن” التي تعتمدها الدول. كما يمكنها أن تشغل دورا حيويا في إنقاذ النظام التجاري متعدد الأطراف ومكافحة تغير المناخ.

ولن يتطلب هذا الجهد المنسق إنشاء مؤسسة دولية جديدة أو هيئة رسمية. تمكّن المشاورات غير الرسمية المنتظمة بين مجموعة أساسية من البلدان من توضيح الأولويات المشتركة ومحاسبة بعضهم البعض في حالة اختراق الالتزامات السابقة. ويجب أن تحوّل القوى المتوسطة دورها من مجرد التعبير عن قلقها إلى العمل المتضافر على نطاق يتناسب مع خطورة الأزمات التي تواجه النظام الدولي الليبرالي.

ولم تكن فكرة تحالف أنصار التعددية الدعوة الأولى للدول المتوسطة لتحمل مسؤولية أكبر في الحفاظ على “النظام العالمي الليبرالي”، والذي يعرّف على أنه شبكة المؤسسات والاتفاقيات والقواعد متعددة الأطراف التي دعمت نظاما دوليا مستقرا ومنفتحا لعقود.

وفي ديسمبر 2016، خلال جولته الخارجية الأخيرة كنائب للرئيس أوباما، التقى جو بايدن برئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في أوتاوا. مع استعداد دونالد ترامب لتسلم منصب الرئيس الأميركي وانتشار المشاعر الشعبية في أوروبا، توجه بايدن إلى ترودو قائلا “سيمضي العالم وقتا طويلا في مراقبتك، بينما تتزايد التحديات التي تواجه النظام الليبرالي على الصعيد الدولي. لم نشهد مثل هذه التحديات منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ونحتاج رجالا مثلكم لتحمل مسؤولية استمرار العلاقات الدولية في إطار نظام اقتصادي ليبرالي”.

وفي الوقت نفسه، أصبحت تحديات الصين وروسيا للقواعد والمعايير الدولية أكثر وضوحا وجرأة بعد أن أصبح غزو روسيا لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم حقيقة في السنوات الأخيرة. ومن جهة أخرى، قضت محكمة تحكيم دولية في لاهاي بأن الصين لا تملك حقا تاريخيا في مياه بحر الصين الجنوبي وأنها انتهكت حقوق الفلبين السيادية بأعمالها هناك. وتجاهلت الصين الحكم وقالت إن قواتها المسلحة ستحمي سيادتها الوطنية ومصالحها البحرية، واستمرت في بناء وعسكرة الجزر في المواقع المتنازع عليها.

تحتاج القوى المتوسطة إلى تحديد أولوياتها، وتجميع ائتلافات خاصة بقضايا محددة وإعطائها أهدافا واضحة، وتنسيق جهودها بفعالية

وفي الوقت نفسه، يضعف احترام القانون الإنساني الدولي، وتتدهور أنظمة الحد من الأسلحة، ويتعرض النظام التجاري المتعدد الأطراف لخطر الانهيار، وتتراجع الديمقراطية وحقوق الإنسان في أجزاء متعددة من العالم. وفي مواجهة مثل هذه التحديات، ما الذي تستطيع القوى المتوسطة أن تفعله؟ تبدو فكرة إن بإمكانهم “إنقاذ النظام العالمي الليبرالي” غير واقعية. فلا يمكن أن يتواصل أي نظام من المؤسسات والقواعد الدولية لفترة طويلة دون دعم من أعضائه الأقوى.

وعلاوة على ذلك، لا يقتصر التحدي على الحفاظ على العناصر الرئيسية للنظام الحالي فحسب، بل يمتد إلى إصلاح المؤسسات المتهاوية، ووضع قواعد جديدة للسياسات الناشئة، وتكييف النظام متعدد الأطراف ليتناسب مع مشهد القوة العالمية المتغيرة بدلا من إبقائه مرتكزا على المشهد العالمي الذي انبثق إثر نهاية الحرب العالمية الثانية أين تشكلت مؤسساته المركزية. ويتزامن هذا الانهيار مع تهوّر بعض القوى العالمية والإقليمية، وهو أمر مقلق. فيما تساعد متانة المؤسسات وضبط النفس على حماية النظام الدولي. وفي غياب هذه الأساسيات، يمكن أن تتحول الأزمات المنعزلة إلى مواجهات أكبر.

ويجب أن تستخلص مختلف القوى عبرة من الوضع الأوروبي في أوائل سنة 1910، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، عندما لم يهتم القادة الوطنيون بمعالجة أسس الاستقرار القاري المضمحلة وفشلوا في إدراك آثار تهورهم المدمرة. إن المهمة شاقة، ويبقى نجاحها غير مضمون. فقد تكون نتائج هذه الحملة غير متسقة وفوضوية، لكنها لا تحتاج إلى أن تكون مثالية إذ يكمن الهدف في إنقاذ العالم من الجحيم وليس إيصاله إلى الجنة، كما كان الأمين العام السابق للأمم المتحدة داغ همرشولد يقول.

5