ألمانيا تراهن على كسر الانسداد السياسي في ليبيا بحشد دعم دولي

وزير الخارجية الألماني يجري جولة في منطقة شمال إفريقيا قبل انعقاد مؤتمر برلين حول ليبيا.
الثلاثاء 2019/10/29
الحياد الألماني على المحك

يبذل المسؤولون الألمان جهودا دبلوماسية لحشد دعم دولي قبل انعقاد مؤتمر برلين حول ليبيا وبدأ وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، جولة أفريقية لتشجيع دول عربية وأفريقية مؤثرة في الشأن الليبي على المساعدة في تقريب وجهات النظر بين الليبيين لتجاوز مرحلة الانسداد السياسي.

 تونس – يحاول وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، حشد الدعم لتوفير مختلف الضمانات لإنجاح مؤتمر برلين حول ليبيا، الذي يواجه تحديات متعددة، نتيجة سلسلة لا تنتهي من العراقيل التي أفرزتها التناقضات المُستفحلة في مواقف الفرقاء الليبيين، وتضارب أجندات ومصالح القوى الإقليمية والدولية، الذي عمق المأزق الليبي، وأطال أمده.

ورغم أن الوصول إلى تلك الضمانات يبدو غير مؤكد في هذه المرحلة، فإن هايكو ماس لا يخفي أمله في تحقيق اختراق في الانسداد السياسي الراهن، من خلال الجولة التي بدأها في المنطقة التي فتحت على محدودية نتائجها المرتقبة الباب أمام حالة انتظار لما ستؤول إليه الأمور، لجهة إمكانية تأمين الحد الأدنى لما هو مطلوب منها.

ووصل هايكو ماس، الاثنين، إلى تونس محطته الثانية في جولته في المنطقة، حيث يتضمن جدول أعماله لقاء نظيره التونسي، خميس الجهيناوي، إلى جانب الاجتماع مع الرئيس قيس سعيّد، ليكون بذلك أول مسؤول أوروبي بهذا المستوى، يلتقيه منذ توليه رسميا مهامه الرئاسية بعد أداء اليمين الدستورية، الأربعاء الماضي، تحت قبة البرلمان.

وقالت وزارة الخارجية التونسية في بيان لها، إن هذه الزيارة التي ستستغرق يومين ستخصص لـ”بحث سبل تعزيز علاقات التعاون الثنائي المتميزة التي تجمع البلدين الصديقين، إلى جانب عدد من القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها الوضع في ليبيا”. وخلا بيان الوزارة التونسية من أي إشارة إلى مؤتمر برلين حول ليبيا، الذي تسعى ألمانيا إلى تنظيمه خلال شهر ديسمبر المقبل، والذي تؤكد كل المعطيات على أنه العنوان الأبرز على طاولة المباحثات، التي سيجريها وزير الخارجية الألماني مع مسؤولي الدول، التي تشملها جولته الحالية، وهي ليبيا وتونس ومصر.

وكان وزير الخارجية الألماني قد بدأ جولته بزيارة ليبيا، حيث اجتمع مساء الأحد في مدينة زوارة القريبة للحدود التونسية، مع رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية، فائز السراج، وبحث معه الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر برلين، الذي تُراهن ألمانيا من خلاله على إيجاد تسوية للملف الليبي بما يمكنها من استعادة دورها كرقم فاعل في هذا المشد الإقليمي والدولي المُرتبك.

وبحسب المكتب الإعلامي لحكومة السراج، فإن وزير الخارجية الألماني أطلع خلال هذا الاجتماع، فائز السراج، على التفاصيل المتعلقة بمؤتمر برلين المزمع عقده لإيجاد حل للأزمة الليبية، بحضور المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، ومسؤولين آخرين.

وأكد له أن ألمانيا “حريصة على مشاركة جميع الأطراف المؤثرة في مؤتمر برلين للوصول إلى نتائج جوهرية، وأن البيان الختامي للمؤتمر لن يصدر إلا بعد التوافق الكامل بين المشاركين”. واعتبر أن دعوة الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن الدولي لحضور المؤتمر تأتي ليكون هناك التزام من المجلس بمخرجات المؤتمر، مبينا أن هناك دولا دعيت للاطمئنان على وقف الإمدادات العسكرية لليبيا وترسيخ مبدأ عدم التدخل.

ومن جهته، أعرب السراج عن ترحيبه بمؤتمر برلين، مشددا في هذا السياق على “أهمية الاستفادة من الأخطاء الماضية، وضرورة بحث وتقييم أسباب إخفاق اللقاءات التي عقدت في السابق”، مشيرا إلى أن “الانقسام الدولي شجع بعض الأطراف على عدم الالتزام بمخرجات المؤتمرات السابقة”.

رهان هش
رهان هش

وتقول ألمانيا إن مؤتمر برلين حول ليبيا، الذي يجرى الترتيب له بالتعاون مع بعثة الأمم للأمم المتحدة إلى ليبيا، يهدف إلى إرساء الاستقرار في ليبيا، حيث تم لغاية الآن تنظيم ثلاثة اجتماعات مع أطراف مختلفة استعدادا لهذا المؤتمر، على أن يتم خلال الأسابيع القليلة القادمة تنظيم اجتماع رابع لوضع اللمسات الأخيرة لهذا المؤتمر، الذي تضاربت التقديرات حول جدواه.

وتراهن ألمانيا، التي اختارت سابقا الحياد في الملف الليبي، على نجاح مؤتمر برلين في تجاوز الخلافات التي أفشلت المؤتمرات الدولية السابقة التي عالجت الأزمة الليبية، سواء تلك التي عُقدت في العاصمة الفرنسية، باريس، أو في مدينة باليرمو الإيطالية، وذلك من خلال التركيز على مشاركة القوى الإقليمية والدولية المعنية بهذا الملف، واستبعاد فرقاء الصراع في ليبيا.

لكن هذا الرهان يبدو هشا، بالنظر إلى العراقيل والعقبات المتعددة التي قد تفشل هذا المؤتمر، خاصة وأن الخلافات الإيطالية والفرنسية في علاقة بالملف الليبي لم تنته، بل تعمقت كثيرا، وانعكست مباشرة على مجريات التطورات العسكرية الميدانية، التي تسارعت وتيرتها في محيط العاصمة طرابلس. وفي هذا السياق، تُجمع القراءات السياسية المرافقة للاستعدادات الجارية لتنظيم هذا المؤتمر، على أن الألمان الذين بادروا إلى التقاط فرصة اللحظة الأخيرة للتحرك على صعيد الملف الليبي، يدركون قبل غيرهم أن دورهم وحده لا يكفي، لأن الأوراق التي يملكونها محدودة بالقياس إلى ظروف الأزمة الليبية وتعقيداتها، إلى جانب تداخل الحسابات الإقليمية والدولية، وتشابك معادلات أجنداتها.

وعلى هذا الأساس، يمكن تفهم الشكوك والهواجس التي تتزايد مع اقتراب موعد تنظيم هذا المؤتمر، من محدودية الدور الألماني نتيجة غياب رؤية بمقاربة فعلية للحل يمكن الارتكاز عليها لإنجاح المبادرة الألمانية، التي تبقى مع ذلك هشة وقابلة للتوظيف في اتجاهات قد تُعمق المأزق الليبي.

4