ألمانيا ترث من الحقبة الشيوعية وادي سيليكون

مدينة دريسدن الألمانية قبلة للمستثمرين في مجال التكنولوجيا الحديثة بفضل الموارد البشرية المدربة جيدا والكلفة المنخفضة للمشاريع.
الأربعاء 2019/11/06
المهارة متوفرة في دريسدن

دريسدن (ألمانيا) – يحاول الألمان أن ينشئوا في الشطر الشرقي من البلاد، وتحديدا في ولاية ساكسونيا ما يشبه سيليكون فالي معتمدين على دعائم تكنولوجية ومهارات بشرية تكونت في الحقبة الشيوعية التي انهارت مع سقوط جدار برلين.

عندما كانت الشركة الأميركية لتصنيع معالجات الكمبيوتر “أي.أم.دي” تبني أواخر التسعينات مصنعا في مدينة دريسدن التي كانت جزءا من ألمانيا الشرقية سابقا، أرسلت حوالي مئتي مهندس محلي للتدرب في منشآتها في تكساس.

تتذكر كارين راث التي تعمل منذ 20 عاما في المصنع الذي تملكه الآن شركة “غلوبل فاوندريز” لصناعة الشرائح التي تتخذ في الولايات المتحدة مقرا لها “في غضون يومين، كان باستطاعتهم تفسير الأجزاء الداخلية للشريحة أفضل من المهندسين الذين كانوا موجودين في المكان”.

وتضيف، “كانوا في حالة بدنية وذهنية جيدة لدرجة لا تصدق بفضل السنوات التي أمضوها في جمهورية ألمانيا الديمقراطية التي كانت تعاني من اقتصاد ضعيف، وبالتالي تعوّدوا على الحياة الصعبة” واستفادوا من نسخ التكنولوجيا الغربية في بلادهم قبل سقوط النظام الشيوعي العام 1989.

وفي حين أدت نهاية ألمانيا الشرقية إلى إغلاق المصانع وتفشّي البطالة إذ أفلست شركات تابعة للدولة وبيعت، كشفت دريسدن إحدى نقاط القوة للدولة الشيوعية.

فكان نحو 70 ألف شخص يعملون في شركة “روبوترون” للرقائق في أوجها، قبل سقوط جدار برلين قبل 30 عاما.

التكنولوجية الحديثة دعامة أساسية للإقتصاد الألماني
التكنولوجية الحديثة دعامة أساسية للإقتصاد الألماني

وكان جزء كبير من صناعة أشباه الموصلات في دول الكتلة الشرقية يقوم على نسخ مماثلة مصنوعة في الغرب أو ما يعرف بـ”سرقة التكنولوجيا الغربية”، إذ كانت المصانع والآلات المماثلة المخصصة للبحوث والإنتاج نادرة وراء الستار الحديدي.

وأدّى الحظر الذي كان مفروضا خلال الحرب الباردة على التكنولوجيا إلى استحالة الحصول على بعض المعدات والآلات الغربية إلا عبر وسائل بطيئة ومكلفة.

غير أنه في منتصف الثمانينات، طور الباحثون في ألمانيا الشرقية رقاقة ذاكرة سعتها 1 ميغابايت متفوقة بذلك على منافستها الغربية “سيمنز”.

يقول روبرت فرانكه رئيس مكتب تطوير الأعمال في المدينة “حتى لو لم تكن صناعة أشباه الموصلات في ألمانيا الشرقية قادرة على المنافسة على الصعيد العالمي، فإن المهارة كانت موجودة هنا في دريسدن”. ويتابع “كانت المعرفة في عقول الناس وكان أمرا يمكن البناء عليه”.

بعد إعادة توحيد ألمانيا في العام 1990، أدركت أول حكومة في منطقة ساكسونيا القدرات في مجال الإلكترونيات الدقيقة ودعمتها بإعانات مالية ومن خلال نظام بيروقراطي مبسط ما زال يشيد به كبار رجال الأعمال اليوم.

وبفضل الموارد البشرية المدربة جيدا والكلفة المنخفضة للاستثمارات في المنطقة، انتقلت إليها شركات غربية وانضمت إلى بعض المهندسين السابقين في “روبوترون” الذين أسسوا شركاتهم الخاصة التي تعنى بالتكنولوجيا الحديثة.

ويعمل حاليا في صناعة التكنولوجيا في الولاية نحو 65 ألف شخص، وهو عدد مماثل تقريبا لعدد العمال الذين كانوا يعملون في “روبورتون” وهذا أمر يساهم في ازدهار أكبر مما كان عليه قبل العام 1989.

الحكومة الألمانية تعمل على إستقطاب مزيد من الإستثمارات للمنطقة
الحكومة الألمانية تعمل على إستقطاب مزيد من الإستثمارات للمنطقة 

تقوم المصانع الضخمة التابعة لـ”غلوبل فاوندريز” و”إنفينيون” التابعة لـ”سيمنز” سابقا بإنتاج رقائق قد تستخدم في السيارات وفي منتجات منها الهواتف الذكية أو تطبيقات أكثر تخصصا مثل جوازات السفر أو أجهزة تحويل الطاقة.

يقول توماس مورغنستيرن مدير مصنع “غلوبل فاوندريز” إن “العمال الذين يملكون الخبرة هم مورد تتنازع عليه الشركات في ساكسونيا، وهم مورد مهم جدا بالنسبة إلينا”.

ويتوزع العمال على شركات التكنولوجيا الموجودة في منطقة دريسدن وهي حوالي ألفي مصنع متطور وبعض المصانع الصغيرة.

وتوظف الشركتان الكبيرتان عشرات المتدربين كل عام فيما تخرج الجامعة الشهيرة “تيكنيكل يونيفيرستي” ومعاهد البحوث المهندسين.

لكن نظرا إلى تشيّخ المجتمع الألماني، يقول رئيس العمليات في “إنفينيون” رايك بريتشنايدر إن النقص في اليد العاملة “يثير المخاوف لدينا”. مع بزّته الأنيقة ونظارتيه المربعتين وقصة شعره، قد يبدو بريتشنايدر مديرا ألمانيا نموذجيا. إلا أنه ولد في ألمانيا الشرقية في العام 1978.

فالألمان الشرقيون الذين يحتلون مناصب عليا في الشركات عُملة نادرة على مستوى ألمانيا. لكن بريتشنايدر واثق من أن ثمة فرصا اقتصادية أمامهم لكنه يشعر بالقلق جراء الدعم المتزايد لحزب “البديل لأجل ألمانيا” اليميني المتطرف في ولاية ساكسونيا التي ينتمي إليها.

وهو يقول “نحن نقوض أنفسنا” عبر التصويت لهؤلاء في الانتخابات، لافتا إلى أن “هناك حاجة إلى الأدمغة من كل أنحاء العالم. نحن لا نعرف حتى إذا رفض شخص عرضا للعمل لدينا أو لم يتقدم للعمل” خوفا من هذا الحزب المناهض للهجرة.

لكن فرانكه الذي ترعرع أيضا في الولاية، يقول إن المدينة تفعل الكثير من الأمور لزيادة جاذبيتها في أنحاء ألمانيا، بما في ذلك ضخ الأموال في المدارس ورياض الأطفال لاستقطاب العائلات الشابة. كذلك تلجأ دريسدن إلى وسائل جذب أخرى مثل الرداء العصري الذي يرتديه حي نويشتات حيث يزدحم الطلاب في المقاهي للعمل على أجهزتهم المحمولة، ويمكن سماع الإنكليزية بشكل كثيف في الشارع.

ويخبر فرانكه أنه عندما يسافر خصوصا إلى آسيا، “دائما ما يسألونني، كيف تمكنتم من تطوير دريسدن بهذا الشكل الإيجابي؟”.

20