ألمانيا تكسب المعركة الاقتصادية وتقود المشروع الأوروبي بثبات

استطاعت برلين أن تتحول من رجل أوروبا المريض إلى صاحبة اقتصاد ناجح يثير انزعاج الدول الكبرى. ولم يخف الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبته في تقليصه. ورغم مراهنة التيار المحافظ على قبول ألمانيا أي صفقة لتجاوز صدمة الانشقاق البريطاني والتكلفة الاقتصادية الناجمة عنها. إلا أن أنجيلا ميركل تصر على قيادة المشروع الأوروبي بثبات وإدارة معركتها الاقتصادية بنجاح.
الاثنين 2017/07/24
واثقة من النجاح

أثار الموقف الصارم للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تجاه تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي إعجاب الكثيرين داخل أوروبا وخارجها، إذ كان واضحا منذ بداية المباحثات بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا أن ميركل ترفض تماما أن تختار بريطانيا ما تريد وتتخلى عما لا تريد للإبقاء على عضويتها في السوق الأوروبية الموحدة.

وخالف موقف ميركل توقعات بعض قيادات حزب المحافظين الذين راهنوا على أن ألمانيا ستقبل أي صفقة تحفظ لها وجودها القوي في السوق البريطانية، وهو ما لم يحدث. بل على النقيض، فقد اتضح إصرار ميركل على الحفاظ على مشروع الوحدة الأوروبية، الذي تقوده ألمانيا وفرنسا، مهما كانت تكلفة انسحاب بريطانيا منه.

وفي الواقع فإن قيادة ميركل الواثقة لأوروبا لم تأت من فراغ، بل تستند إلى نجاح سياسي حققته ميركل منذ تولت مقعدها في عام 2005، وتمكنت من الفوز بثلاث فترات متتالية، ويتوقع أن تفوز بالفترة الرابعة في الانتخابات التي ستتم في العام الحالي. علاوة على نجاح اقتصادي واسع تشهد به عدة مؤشرات اقتصادية، ومن أبرزها الفائض الهائل في الحساب الجاري لميزان المدفوعات الألماني، والذي بلغ 300 مليار دولار في العام الماضي، وهو ما يعادل نحو 3.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الألماني.

ويعد فائض الحساب الجاري، الذي يعني ببساطة الفارق بين ما تصدره أي دولة من سلع وخدمات وما تستورده منها، حيث ما تحققه ألمانيا هو الأكبر في العالم متفوقة حتى على الصين.

وهو فائض يثير انزعاج دولة عظمى، مثل الولايات المتحدة، حيث وصف رئيسها دونالد ترامب النجاح الكبير للصادرات الألمانية في السوق الأميركية بأنه “أمر سيء للغاية”، ووعد بالعمل على مواجهته وتقليصه.

هذا علاوة على انخفاض نسبة البطالة في ألمانيا إلى 3.9 بالمئة من أجمالي قوة العمل، وهو أقل معدل للبطالة تقريبا بين كافة الدول الصناعية الغنية. ونظرا إلى وجود قطاع صناعي ألماني قوي وناجح وقادر على المنافسة في الأسواق الخارجية، تمكنت ألمانيا من توفير عدد كبير من الوظائف في هذا القطاع، وتبلغ نسبة العاملين فيه حاليا نحو 20 بالمئة من أجمالي قوة العمل الألمانية، وهذا على عكس ما حدث في الولايات المتحدة وبريطانيا، إذ تراجعت نسبة العاملين في القطاع الصناعي إلى أقل من 10 بالمئة في البلدين بسبب الاعتماد على السلع المستوردة رخيصة السعر نتيجة اتفاقات التجارة الحرة.

وكانت لهذه الخسارة الكبيرة في الوظائف بقطاع الصناعة نتائج سياسية واضحة، إذ صوتت أغلبية العمال البيض لصالح ترامب بعد أن وعدهم بأنه سيساعدهم على استرداد وظائفهم، وحماية ما هو قائم منها.

ولم تختلف الصورة كثيرا في بريطانيا، إذ صوت قطاع كبير من العمال لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي لكي لا يخسروا وظائفهم لصالح العمالة الأوروبية المهاجرة. أما ألمانيا فتجنبت مثل هذه الاحتجاجات السياسية بسبب نجاحها الواسع في التصنيع، والذي يعتمد بشكل كبير على التصدير إلى الأسواق الخارجية.

مواجهة الصعوبات بالإصلاحات

لم تصل ألمانيا إلى النجاح الاقتصادي المرموق بين عشية وضحاها، ولم يأت بلا معاناة أو خلافات، بل سبقه وضع صعب عاشته ألمانيا في التسعينات بعد أن تم توحيد الألمانيتين، الشرقية والغربية، في عام 1990 في عهد المستشار الراحل هيلموت كول.

وعلى الرغم من أن ألمانيا الشرقية وقتها كانت في وضع متميز نسبيا بالمقارنة مع باقي دول أوروبا الشرقية، إلا أن مؤشرات الأداء الاقتصادي بها كانت أقل كثيرا عما كان الحال عليه في ألمانيا الغربية.

ومن أبرز تلك المؤشرات الانخفاض الكبير في مستوى المداخيل بألمانيا الشرقية، ووجود قوة عمل كبيرة تعاني من البطالة المقنعة، حيث كانت تعمل في قطاعات تمتلكها الدولة في ظل النظام الاشتراكي، إذ توظف ما يفوق أكثر من طاقة العمل الحقيقية بالبلاد، إضافة إلى الحاجة إلى استثمارات هائلة في البنية الأساسية بألمانيا الشرقية.

وأثقلت كل هذه الأعباء كاهل الحكومة الألمانية في فترة التسعينات، إلى جانب الأزمات التي شهدتها روسيا وعدة دول آسيوية في تلك الفترة، وهي أسواق أساسية للاقتصاد الألماني. كما شهدت هذه الفترة ارتفاع سعر صرف المارك الألماني بشكل جعل الصادرات الألمانية أعلى سعرا.

ألمانيا تجنبت الوقوع في الاحتجاجات السياسية بسبب نجاحها الواسع في التصنيع، والذي يعتمد على التصدير

وكانت محصلة كل هذه العوامل أن تراجعت الصادرات الألمانية بشكل واضح، وتراجع نمو الاقتصاد الألماني، وبدا جليا أن ألمانيا تعاني من تبعات ضم الجزء الشرقي إليها، وأصبح من الشائع وقتها أن توصف ألمانيا بأنها “رجل أوروبا المريض”، وكان لا بد لقادة ألمانيا من مواجهة الأزمة القائمة.

جاءت هذه المواجهة في عهد المستشار الألماني السابق جيرهارد شيروده، الذي كان يتزعم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إذ كلف لجنة برئاسة بيتر هارتز، أحد المديرين السابقين لشركة “فولكسفاغن” الألمانية العملاقة، في عام 2002 بدراسة أسباب ارتفاع نسبة البطالة، والإجراءات الواجب القيام بها لزيادة التوظيف.

وانتهت اللجنة إلى برنامج لإصلاح الأوضاع في سوق العمل، أطلق عليه وقتها “أجندة 2010”، وبدأ تنفيذه على أربع مراحل، كان آخرها في يناير 2005.

ومن أبرز ما تضمنه هذا البرنامج تخفيض معونات البطالة، خاصة لمن بقوا من دون وظائف لفترة طويلة، وضرورة أن يقوم هؤلاء بإثبات أنهم يبحثون عن عمل بشكل جدي لكي يستحقوا المعونات، علاوة على إعطاء مرونة أكبر للشركات في التوظيف أو تسريح العمال.

وبالفعل أدت الإصلاحات التي تبناها شيروده إلى زيادة التوظيف وزيادة معدل نمو الاقتصاد الألماني، وزيادة الصادرات الألمانية مجددا، ولكنها لم تأت بلا ثمن سياسي، إذ قابلت النقابات العمالية القوية، خاصة في الجانب الشرقي من ألمانيا، هذه الإصلاحات بمعارضة شرسة، ودعت إلى التظاهر احتجاجا عليها.

وتظاهر عشرات الآلاف من الألمان ضد سياسات شيروده، وخسر حزبه الانتخابات المحلية في مقاطعة “شمال الراين”، واضطر شيروده إلى الدعوة لانتخابات عامة في عام 2005 لم يحقق فيها أي حزب أغلبية واضحة، وانتهى الأمر بحكومة ائتلافية مع الحزب المسيحي الديمقراطي بقيادة أنجيلا ميركل.

سياسة مالية ناجحة

بدا واضحا منذ عام 2006 أن أرقام البطالة تتراجع وأن ألمانيا، بعد إصلاحات شيروده، على الطريق الصحيح. وبالإضافة إلى هذه الإصلاحات يمكن رصد ثلاثة عوامل أخرى ميزت تجربة ألمانيا الاقتصادية.

يتجسد أولها في قبول النقابات الألمانية تقييد الزيادة في أجور العمال على الرغم من نجاح الشركات الألمانية في زيادة صادراتها، وزيادة إيراداتها بالتبعية، وذلك خشية أن يؤدي ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى ارتفاع أسعار الصادرات الألمانية بشكل يجعلها عاجزة عن المنافسة.

بمعنى آخر، تصرفت النقابات الألمانية بشكل ناضج وواع وراعت مصالح المنتجات الألمانية دون النظر بصورة ضيقة إلى مجرد زيادة أجور العاملين. ويرجع هذا إلى أن ممثلي النقابات حاضرون بقوة في عملية صناعة القرار في الشركات الألمانية، وتكريسهم لثقافة عمل تقوم على النظر إلى مصالح طويلة الأجل، وليس مجرد البحث عن مكاسب قصيرة الأجل، وهذا بخلاف ما هو عليه الحال في دول أوروبية أخرى مثل فرنسا.

النقابات الألمانية تصرفت بشكل ناضج وواع وراعت مصالح المنتجات الألمانية دون النظر بصورة ضيقة إلى مجرد زيادة أجور العاملين

ويعد العامل الثاني في اهتمام الشركات الألمانية بالتدريب الصناعي التحويلي، بمعنى توفير التدريب الجاد لمن يرغب في التحول للعمل بصناعة تلقى رواجا، والاستثمار بقوة في هذا التدريب وفي أبحاث التطوير بشكل عام لكي تضمن الشركات الألمانية استمرار قدرتها على المنافسة بنجاح في أسواق التصدير التي تتغير فيها الأوضاع، وتتسع فيها رقعة المنافسة بشكل مستمر، خاصة من جانب الدول الآسيوية مثل الصين والهند.

ويتمثل العامل الثالث في الانضباط المالي الملحوظ الذي اشتهر به الألمان، وانعكس بوضوح على الموازنة الألمانية، إذ تحولت هذه الموازنة من عجز بنسب 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2010 إلى فائض محدود حاليا.

وتنتهج ألمانيا بشكل عام سياسة مالية تقوم على توازن الموازنة العامة، ولا تقبل وجود عجز كبير بها، كما هو الحال في فرنسا وبريطانيا وغيرهما، إذ أن العجز المالي في هذه البلدان يرجع، في بعض أسبابه، إلى الحاجة لتمويل الاستثمارات العامة لضمان النمو الاقتصادي، وهو ما لا تحتاجه ألمانيا نظرا إلى ضخامة صادرتها.

ويبقى أن النموذج الألماني يزعج بعض القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة، أو يثير انتقادات من جانب صندوق النقد الدولي الذي يطالب ألمانيا بالتوسع في الإنفاق لزيادة الطلب على منتجات الدول الأخرى بهدف زيادة التوظيف والإنتاج بها.

لكن يبقى الألمان متحفظين في رفع الأجور لكي لا ترتفع أسعار صادراتهم، ومتحفظين أيضا في زيادة الإنفاق لكي لا تواجه موازنتهم عجزا حتى على مستوى الإنفاق الفردي.

ويبلغ إنفاق المستهلكين في ألمانيا نسبة 54 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل كثيرا من الولايات المتحدة مثلا التي يبلغ بها نحو 69 بالمئة من أجمالي الناتج المحلي الأميركي.

ويرجع تحفظ الألمان لأسباب كثيرة أبرزها خسارتهم في الحربين العالميتين الأولى والثانية، لكنهم يربحون الآن المعارك الاقتصادية، ويقودون المشروع الأوروبي بثبات، ولا يرغبون في لعب دور أكبر يرهقهم. وسبق أن وصف هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي السابق ألمانيا بأنها “كبيرة جدا بالنسبة إلى أوروبا، وصغيرة جدا بالنسبة إلى العالم”.

وربما ما قاله كيسنجر، الذي ولد وعاش جانبا من حياته في ألمانيا، يتفق معه الكثير من الألمان الذين يفضلون أن تتحرك بلادهم بهدوء، وفي حدود إمكانياتها، حتى لا تتعرض للدمار التي تعرضت له مرتين في حربين خسرتهما ألمانيا في قرن واحد. ولا شك أن ألمانيا تتقدم، بهدوء، لكن بثبات.

كاتب مصري مقيم في لندن

6