ألماني من أصول مغربية: سلبية الجاليات المسلمة تشجع الإسلاموفوبيا

شدد سامي شرشيرة، العضو في الحزب الاشتراكي الألماني والمستشار لدى وزارة الداخلية الألمانية، وعضو المجلس الإداري للبرنامج الحكومي للوقاية من التطرف الديني، على أن الجاليات العربية والمسلمة في ألمانيا، ومختلف الدول الأوروبية والعربية، هي المدافع الأول والرئيسي عن مصالحها وصورتها في المجتمعات التي تعيش فيها، ويحمل البعض منها جنسياتها، وبعضها الآخر ولد فيها وتطبع بطبعها لكنه لم ينجُ من لهيب الإسلاموفوبيا المتصاعد بتصاعد التهديدات الإرهابية.
الجمعة 2016/08/26
لن يحسن صورة المسلم إلا المسلم

قضت، مؤخرا، محكمة ألمانية بمنع امرأة مسلمة من ارتداء النقاب في مدرسة ليلية، الأمر الذي فجر جدلا بشأنه بعد أن ضغط محافظون على الحكومة لمنع النساء من ارتدائه في المدارس وفي المحاكم وأثناء القيادة.

وتصاعدت دعوات المحافظين الألمان ضد ارتداء النقاب، على غرار ما يحدث في فرنسا وبلجيكا، ودول أوروبية أخرى، في وقت يشعر فيه الألمان بالتوتر بعد هجومين إسلاميين، وتدفق أكثر من مليون مهاجر معظمهم مسلمون على بلادهم العام الماضي.

لكن، خلافا لفرنسا وبلجيكا، يقول سامي شرشيرة، عضو الحزب الاشتراكي الألماني وعضو مؤسس للمجلس الفيدرالي للاشتراكيين المسلمين ببرلين، إن السياسة الألمانية مترددة جدا في منع النقاب وذلك لأن الوضع في ألمانيا يختلف عن فرنسا أو بلجيكا، حيث أن عدد النساء حاملات البرقع ضئيل جدا ولا يستدعي تدخلا سياسيا أو قانونيا، وأيضا لأن هناك تخوفا من أن يدعم منع النقاب بصفة غير مباشرة سجن النساء في بيوتهن، بمعنى أن يُمنعن من مغادرة منازلهن لعدم تمكينهن من ارتداء النقاب.

ويوضح شرشيرة، في حوار مع “العرب”، أن التوافق الحكومي لم يمنع النقاب بصفة شاملة، وفي المناطق العمومية مثل الشوارع والحدائق وغيرها خلافا لفرنسا مثلا، وإنما فقط في المناطق والمؤسسات الحيوية التي تتطلب كشفا واضحا للهوية.

الأقليات المسلمة وصناعة القرار

انتخبت السياسية المسلمة محترم آراس في مايو الماضي لرئاسة برلمان ولاية بادن فورتمبيرغ، وهو أمر اعتبره سامي شرشيرة اختراقا من طرف الأقليات لمراكز صنع القرار بألمانيا. وقال إن تبوّء آراس رئاسة البرلمان هو تجاوز لكل الخلفيات العرقية والدينية التي يمكن أن تُحدث انقساما في المجتمع، خاصة مع تصاعد التيارات اليمينية التي تعتمد في برامجها السياسية على نشر الإسلاموفوبيا والتخويف من “الاجتياح الإسلامي” لألمانيا.

وشدّد الناشط المغربي على أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الجاليات المسلمة بألمانيا، وعموم أوروبا، في تحسين أوضاعها وصورتها، وإقناع الآخر بأهمية إشراكها في صنع القرار، مشيرا إلى أنها تحتاج إلى المزيد من ثقافة الحوار والتكوين السياسي وإشراك الجيلين الثالث والرابع في الحياة السياسية.

الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في ألمانيا أخفقت في بلورة رسالة متجددة وتحقيق إشعاع على صعيد الليندا (الولايات) أو على صعيد الفيدرالية

وبخصوص تجربة الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في ألمانيا، قال إنها أخفقت في بلورة رسالة متجددة وتحقيق إشعاع على صعيد الليندا (الولايات) أو على صعيد الفيدرالية. وسبب هذا الإخفاق يكمن في الاعتماد على العنصر الديني الذي لا يعوض البرنامج الحزبي المتكامل في شتى التخصصات، كما أن أي حزب سياسي يقتصر في خطابه على فئة معينة من المجتمع يبقى محدود التأثير والفرص. وجدّد التأكيد على أن ما تحتاجه الجاليات المسلمة في ألمانيا هو المزيد من التشابكات الاجتماعية والسياسية لإقحام مواضيعها ومطالبها في أجندة الأحزاب السياسية المؤثرة على سياسات الدولة.

وتوقف سامي شرشيرة عند تجربة الحزب الاشتراكي الألماني الذي يعيش منذ سنوات اضطرابا في تعامله مع الأقليات المسلمة في منظومته الداخلية، وقال إن الحزب يشهد منذ سنوات صراعات شرسة بين مختلف الطوائف على تمثيلية الإسلام والمسلمين داخل الحزب.ويعتمد هذا الصراع على أساليب الإقصاء والاستبعاد ما يضرّ بموقع المسلمين أنفسهم في الهيكل الحزبي، والحزب لم ينجح إلى اليوم في بلورة استراتيجية لتجاوز هذه الصراعات الداخلية، إضافة إلى أن العلاقات بين المسلمين والحزب الاشتراكي تصدّعت بشكل خطير بعد أن كشف عدد من القياديين الاشتراكيين مثل تيلو سارازين وهاينتس بوشكوفسكي عن مواقفهم العنصرية والمعادية للمسلمين والتي حققت نجاحا باهرا وصدى أضرّ بالجاليات المسلمة بشكل كبير.

الجالية المغربية بألمانيا

عن تجربته كناشط سياسي مغربي نجح في الاندماج ضمن المجتمع الألماني ومؤسساته، قال سامي شرشيرة إن التواصل الاجتماعي والبحث عن القواسم المشتركة هما من الفرص الثمينة للتعريف بالهوية المغربية/ الإسلامية وما تحتويه من ثقافة وفكر ودين وتاريخ؛ وكذلك التعريف بالمذهب المالكي الأشعري كما يُمارس في المغرب منذ المئات من السنين، وبحكم ما يُعرف عنه بكونه نموذجا تقدميا وحديثا للإسلام السني ونظاما فقهيا يجمع التوجه الروحي الأشعري والتصوف، وهو وسيلة لسحب البساط من الجماعات المتطرفة.

سامي شرشيرة: الأعضاء المسلمون في الحزب الاشتراكي الألماني تجاهلوا مشكلاتهم المشتركة ودخلوا في صراعات طائفية شرسة على تمثيلية الإسلام والمسلمين داخل الحزب وحتى خارجه

واعتبر أن المشاركة السياسية والاجتماعية أهم أسلوب لتجاوز النظرة النمطية عن الإسلام والمسلمين التي يروّج لها جزء من الإعلام غير المنصف وغير الموضوعي. ولعل الأداء الثقافي من أوليات المشاركة الاجتماعية ويحمِّل شرشيرة الجاليات المسلمة جزءا كبيرا من مسؤولية القيام بهذا الدور في صنع الصورة عن الإسلام والمسلمين والمساهمة في سياسات تقدمية حول العديد من القضايا المهمة التي تعنيها.

وأخذ كمثال الجالية المغربية بألمانيا التي قال إن لديها ما يكفي من المؤهلات للقيام بأدوار فعالة في ألمانيا وأيضا بما يخدم المغرب. ويبدو شرشيرة مقتنعا بأن الأداء السياسي في العلاقات الرسمية بين المغرب وألمانيا يمكن أن يكون العمود الفقري الذي يُعوّل عليه في إحداث قفزة ايجابية لتكوين نظرة واقعية عن المغرب والمغاربة في ألمانيا.

وتوقف عند الديناميكية الكبيرة لدى العاهل المغربي الملك محمد السادس في تحقيق مشروع تواصلي حقيقي وحديث مع الجاليات المغربية في الخارج، يقطع مع حقبة الماضي؛ لكنه استطرد منتقدا الإخفاق الرهيب للكثير من المؤسسات المغربية المكلفة بالمواطنين المغاربة بالخارج والتي لم تنجح -إلا القليل منها- في ترجمة هذه الديناميكية.

وفي رده على تساؤل حول تشديد إجراءات الأمن وسياسات الهجرة في ألمانيا، وهل يكفي ذلك لمواجهة الإرهاب والجرائم المرتبطة بتداعيات عدم الاندماج؟ قال سامي شرشيرة إنه خلافا للبعض من القوى السياسية في ألمانيا، مقتنع بأنه ليست هناك ضرورة للمزيد من القوانين ومنظومات تتبع الإجرام، فالقانون الجنائي الألماني يوفر كل ما تحتاجه السلطات القضائية والتنفيذية لمتابعة ومحاربة الإرهاب، لكن المطلوب هو آليات متقدمة لتحديد أسباب التطرف الديني ولحماية الشباب المسلم من الأيديولوجيات المتطرفة؛ فالدراسات تؤكد أن الإقصاء الذي تعيشه الجاليات المسلمة، ولا سيما الجيلين الثالث والرابع، يساهم كثيرا في تطرف الشباب، ويعمق إشكالية الهوية لديهم.

وختم سامي شرشيرة الحوار مع “العرب” بالحديث عن مستقبل الجالية المسلمة بألمانيا، مشيرا إلى أن عدد المسلمين بألمانيا يتجاوز حاليا أربعة ملايين ونصف المليون نسمة وسوف يتجاوز في حدود سنة 2030 سبعة ملايين نسمة، ما يعني أن تواجد الجاليات المسلمة في ألمانيا في المجتمع في تصاعد، مجدّدا التأكيد على أن ما تحتاجه الجاليات المسلمة في ألمانيا هو المزيد من التشابكات الاجتماعية والسياسية لإقحام مواضيعها ومطالبها في أجندة الأحزاب والتأثير في سياسات الدولة.

12