"ألهاكم التكاثر" حكاية الإنسان من الولادة إلى العبودية

من أصعب أشكال الفنون التمثيل الصامت أو ما يسمى “البانتومايم”، حيث يعتمد هذا الفن كل العناصر المسرحية من مؤثرات وحتى من وقفات الصمت المقصودة، غير أنه يخلو من الجانب الحواري والملفوظ عدا الآهات، ولكنه يقدم خطابا فنيا يحث الجمهور على تتبع عناصره وتمثّل معانيه.
الاثنين 2017/02/13
الجسد يحكي كل شيء

على مدى يومي السبت والأحد 11 و12 فبراير الجاري قدمت قاعة الفن الرابع بالعاصمة التونسية عرضا مسرحيا راقصا بعنوان “ألهاكم التكاثر”، من إنتاج المسرح الوطني التونسي، كوريغرافيا وإخراج نجيب خلف الله.

بداية لا يمكننا الحديث عن محتوى العرض قبل الوقوف على عتبته، ألا وهي العنوان المثير الذي اختاره خلف الله لعمله؛ “ألهاكم التكاثر”، وهو مقتبس من النص المقدس؛ القرآن. وسنكتشف في ما بعد عمق العنوان وارتباطه الوثيق بمحتوى العرض، وحتى بالسياق الذي وردت فيه أولى آيات السورة “أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ/ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ”.

يفتتح العرض بنص بالعربية، يقدم مدخلا إلى اللوحات الراقصة التي ستعقبه، نص نثري قريب من الشعر، يحكي باقتضاب مسار الإنسان الذي يشق أكداسا من الأيام، وما تخلفه الحياة اليومية فيه وفي جسده وروحه، من فوضى وعبودية، من ألم وفرح، هذا الإنسان الذي يتوقف هو نفسه عن إنتاج آلامه ومسرّاته.

ثلاثة ممثلين وأربع ممثلات، ولا ندري هنا ربما كان اختيار تقديم العرض من خلال سبعة عناصر له صلة بما تسرده الأجساد عن يومياتها، يوميات تقودها الخطوات والأيدي أمام موسيقى تبدو رتيبة، أو أريد لها ذلك، حيث يهيمن على موسيقى العرض مقطع قصير من عدد ضئيل من النوتات يتكرر مهما تغيرت الرقصات، ولا يتغير إلا في مفاصل العرض التي تحمل تحولا، ولكن حتى التصفيق والضرب على الخشبة والأنفاس والآهات، كلها من باب الموسيقى التي أعطت للعرض مسحة أخرى من الوحدة.

من خلال أجساد الراقصين يمكننا أن نقرأ الحكاية، حكاية الإنسان؛ ذكرا كان أم أنثى، في محاولة تحرره وفي استكانته، في فوضاه، في خطواته وهو يمضي إلى “أين”، حيث يتحرك الراقصون بداية بشكل منتظم ثم تغزوهم الفوضى، ليتقدموا بعد ذلك في كتلة واحدة تتمزق، لتلتئم، وفي بعض اللوحات الأخرى نجد عددا أقل من الراقصين، ونجد حتى الثنائيات خاصة بين الذكر والأنثى.

حكاية الإنسان ليست حكاية واحدة بل هي متشعبة ومتداخلة ومتضاربة أحيانا، وهذا ما وجدناه في العرض؛ التعانق والذوبان والحب، الخصام والسقوط والموت، الخوف أيضا، والانبعاث، المرأة التي تقحم رأسها في ظهر رجل، لا ندري إن كانت تتأمله من الخلف وتعلم أسراره أو أنها تكتشف ما بداخله أم أنه هو من يحجبها ويبقيها في ظهره، تأويلات كثيرة لمعانٍ كثيرة حاول العرض تقديمها بشكل أو بآخر.

ربما كانت أكثر حركة تكررت في العرض هي أن يضع أحد الممثلين أذنه على بطن إحدى الممثلات، بعد لوحة سابقة تكون أشبه بالالتحام، لتليها حركة النبض التي تنطلق باليدين من البطن إلى أعلى، أعلى حيث لا يتوقف الراقصون عن النظر، أعلى حيث فكرة السماء والخلق.

هو التكاثر الإنساني في ظل أيام تتفاقم وتجعل من كل عمق سطحا، وتجعل من الحياة البشرية فوضى ناعمة، بلا عمق أو رؤيا، كما أن التكاثر هو الزاوية التي وقع حشر الجسد البشري فيها، ليكون استهلاكيا وحيوانيا في إنتاجه، لا عنصر إبداع وتحرر بل عنصر يدور بين الولادة والاستهلاك، والاستعباد، والموت.

نجح العرض المسرحي الراقص “ألهاكم التكاثر” في تقديم لوحات راقصة مميزة نقلت حكاية الإنسان المعاصر ويومياته في قالب رمزي عميق، ولكن لاحظنا تفاوتا في مستوى أداء الممثلين الراقصين وتباينا في إتقانهم للحركات خاصة في اللوحات الجماعية، ولكننا لا ننسى أن نلفت إلى النجاح في الإضاءة التي جاء أغلبها خطوطا متقاطعة أعطت العرض أبعادا أخرى مختلفة، في تقسيماتها وتداخلاتها.

15