ألويس برونر والقتلة الذين يعيشون في الجوار

الأحد 2015/10/18
ألويس برونر نازي مطلوب للعدالة عمل مستشارا أمنيا لحافظ الأسد وابنه بشار

اسطنبول - أن تعيش في مدينة دون أن تدري أن قتلة يعيشون في الجوار، حالة يمكن أن تكون قصاصة أولى لفيلم سينمائي أسود، تختلط ضمن إحداثيات حبكته وقائع كثيرة، منها ما ينتمي إلى عالم الخيال ومنها ما يحتاج إلى ركائز واقعية، فإذا أقمنا بناءً افتراضياً ننطلق منه فإن الجزء الواقعي سيتحدد بأنك كأيّ إنسان يعيش في مدينته، يفترض بأن جميع من حوله هم أناس عاديون، بينما سيكون الجزء الخيالي مبنياً على خلق شخصية خارجة عن السياق، بمعنى أن تكون متهمة بالقتل، أو لديها ماضٍ إجرامي، سيعترض تفاصيل حياتك، ليبدأ بعدها مسار عملية الكشف، وتمزيق الأوراق التي تخفي وراءها التفاصيل المقلقة.

البناء رقم 7

بعيداً عن السيناريو الافتراضي السابق، سيُصدم الكثيرون من سكان شارع جورج حداد في حيّ المزة الدمشقي، حين يعرفون بأن جارهم العجوز الذي كان قبل موته يسكن في البناء رقم سبعة، والذي كان يستيقظ صباحاً باكراً ليقضي بعض الوقت يمارس رياضة المشي في حديقة قريبة، برفقة حارسين شخصيين من عناصر المخابرات، لم يكن شخصاً عادياً، بل كان واحداً من أهم المطلوبين للعدالة في عدد من البلدان الأوروبية، بالإضافة إلى إسرائيل.

لقد كان هؤلاء الدمشقيون ودون أن يدروا جيراناً لألويس برونر، رئيس القوات الخاصة في الوحدة الوقائية النازية المعنية بمشروع إبادة اليهود (الحل النهائي للمسألة اليهودية)، ومساعد أودلف أيخمان المجرم النازي الشهير الذي أعدمته إسرائيل في بداية ستينات القرن الماضي، بينما ظل مساعده بعيداً عن أيدي جميع من طالب به، لا لقدرته على التخفي، بل لأنه كان بحماية نظام الأسد.

هنا سيذكر الكثيرون ممن عاشوا تفاصيل علاقة نظام الأسد مع الإرهاب، كيف استطاع أن يجمع في حضنه منظمات متنافرة، وشخصياتٍ متناقضة، وكيف أمكنه أن يجعل من كل هؤلاء أوراقاً يستخدمها كيفما يشاء.

في بداية الشهر الأخير من العام 2014، أعلن مدير مركز سيمون فيزنتال في القدس أفراييم زوروف، "أنه من المرجح جداً أن يكون الضابط النازي ألويس برونر أحد أشهر مجرمي الحرب النازيين، الذين لا يزال البحث جارياً عنهم، قد توفي في سوريا قبل أربع سنوات".

وكان ألويس برونر قد ولد، وبحسب المصادر التي روت سيرته الذاتية، في مدينة روهربرون النمساوية عام 1912، وانضم إلى الحزب النازي ليلتحق بتنظيم “إس إس” المعني بحراسة أدولف هتلر عام 1938، وليعمل بعدها مع أيخمان في مكتبه الذي أشرف على وضع خطة تعالج وضع اليهود في ألمانيا وفي أوروبا بشكل عام، حيث كان يجبر اليهود على الهجرة.

وقد بدأت مساهمات برونر في عمل المكتب في نهاية الثلاثينات، حين نظم بنفسه وسائل النقل الأولى إلى بولندا، وهو مشروع تجريبي للترحيل الجماعي لليهود لمعازل “الجيتو”، واطّردت مساهماته الوحشية بعد تسلمه لإدارة المكتب في بداية الأربعينات، حيث برز اسمه كمبتكر للعديد من أدوات تعذيب المعتقلين، ومؤسس لأساليب لاإنسانية في طرق انتزاع الاعترافات منهم.

الدمشقيون يصدمون حين يعرفون أنهم كانوا حتى وقت قريب جيرانا لألويس برونر، رئيس القوات الخاصة في الوحدة الوقائية النازية المعنية بمشروع إبادة اليهود، ومساعد أودلف أيخمان المجرم النازي الشهير الذي أعدمته إسرائيل

وتذكر عدة مصادر بأن برونر كان مسؤولاً وبشكلٍ مباشر، عن مقتل مئات الآلاف من اليهود اليونانيين والفرنسيين والنمساويين والسلوفاكيين، من خلال إرساله لعشرات الآلاف من يهود هذه البلدان إلى المعتقلات والمحارق.

تحول ألويس برونر بعد هزيمة النازية إلى رجل مطارد، فورد اسمه في القائمة الأولى للمتهمين التي أصدرتها محكمة نورمبرغ لمحاكمة مجرمي الحرب، وبينما التبست شخصيته على السلطات التي اعتقلت شخصاً آخر وأعدمته في النمسا، كان هو يعيش متخفياً في ألمانيا، ولم تمض بضع سنوات حتى تم كشف حقيقة أمره، ولكنه فوّت على ملاحقيه الفرصة، حيث قام بتزوير أوراقه الشخصية ليصبح شخصاً آخر يحمل اسم جورج فيشر، وقرر أن يغادر البلاد وأوروبا كلها مطلع الخمسينات باتجاه مصر التي سكنها لفترة وجيزة، لينتقل بعدها إلى سوريا بعد أن فشل في الحصول على الإقامة هناك، مستجيباً لنصيحة قيل إن مفتي القدس السابق أمين الحسيني أسداها إليه.

برونر السوري

وفي سوريا استطاع ألويس برونرـ جورج فيشر، الحصول على مساعدة من السفارة الألمانية، التي لم تكتشف حقيقة شخصيته، فأمّنت له وكالات لشركات ألمانية، ليفتتح عمله التجاري الذي أبقاه بعيداً عن أعين مطارديه، غير أن شكوكاً خاصة بعمليات تحويل الأموال التي كان يرسلها من سوريا إلى ألمانيا جعلت الأمن السوري يلقي القبض عليه في بداية الستينيات، وحين وجد أن التهم الموجهة إليه ستعني التوقيف حكماً قرر الكشف عن شخصيته للمحقق، الذي نقل الأمر لرؤسائه فقرر هؤلاء الحفاظ على برونر، والاستفادة منه طالما أنه يطلب الحماية منهم، بعد أن بات مديره السابق أيخمان في قبضة يد الإسرائيليين.

التقارير التي تحدثت عن علاقة برونر بأجهزة الأمن السورية منذ بداية ستينات القرن الماضي، تقول بأن ضباطها استثمروا معارف الرجل بتنظيم الجهاز الأمني النازي السابق، وكذلك تدريبه للعديد منهم على طرائق التحقيق والتعذيب.

انكشاف وضع برونر في دمشق لم يكن محصوراً بالأجهزة الأمنية السورية آنذاك بل وصل إلى الدول الأوروبية، حيث أرسلت النمسا إلى السلطات السورية من أجل تسليمه لها، ولكنها لم تستجب للطلب، وحين حدد الإسرائيليون مكانه، أرسلوا له طرداً بريدياً مفخخاً، انفجر بيده في مبنى البريد المركزي في دمشق، ما أدى إلى فقدانه لعينه اليسرى، ومقتل موظفين سوريين.

ومع وصول الضباط البعثيين إلى سدة الحكم في سوريا، باتت علاقة برونر بهؤلاء أمتن وأوثق، حيث الاستفادة من خبراته بدأت تتنامى مع استشعار الحكم الجديد للأخطار القادمة من جهة معارضيه، ومع تبدل الحكام البعثيين بعد صراعاتهم الداخلية، تحول برونر إلى مستشار يتقاضى راتباً من الحكومة السورية، وقد خصص له مرتب شهري وحراسة تتولى حمايته، وقد تكرس حضور برونر في المشهد الأمني السوري مع تحوله إلى مستشار لحافظ الأسد، الذي برزت أثناء سنوات حكمه أساليب تحقيق وأدوات تعذيب في السجون لم يعرفها السوريون من قبل.

إسرائيل ودول أوروبية طالبت بتسليم برونر لمحاكمته ولكن دمشق رفضت

الإنكار

كانت السلطات السورية تنكر على الدول الأوروبية طلبها بأن يتم تسليم جورج فيشرـ ألويس برونر، فهذا الشخص ليس موجوداً في سوريا كما كانت تدّعي، ولكن كان للمعتقلين السياسيين في السجون السورية رأيٌ آخر، فمن مرّ على جهاز التعذيب الذي يحمل اسم “الكرسي الألماني”، كان يدري بأن هذه التسمية لم تأت من فراغ أو من خيالات المعذبين، بل إن هذا الجهاز إنما هو نسخة عما كان يستخدمه برونر مع معتقليه السابقين، كما أن الإيغال في العنف الموجه صوب المعتقل المقيد ودون الرجوع إلى القوانين التي تحمي السجناء والتي تحولت إلى قوانين تحمي رجال الأمن وتمنحهم البراءة عن الجرائم التي يرتكبونها وهم في إطار الخدمة، كلها ملامح تذكر بالحالة النازية التي شرعنت قتل المعارضين، إما عبر التصفية المباشرة أو عبر القتل في المعتقل.

غير أن حماية نظام الأسد لبرونر لم تجعله في منأى عن محاولات الموساد تصفيته، وحدث أن أرسل له طرداً بريدياً متفجراً من النمسا في العام 1980، أفقده أصابع يديه، وأقعده في المشفى لفترة طويلة، ليخرج بعدها وقد فرض حوله ستار محكم من الحماية الأمنية.

الاعترافات

في منتصف الثمانينات، استطاعت صحيفة “دي بونتي” الألمانية التواصل مع برونر، فوافق على منحها لقاء صحفياً، تم نشره على جزأين، وقد بحث الحقوقي والكاتب الكردي د. آلان قادر، في هذه المادة وأعاد نشر تفاصيلها في العام 2008، بالتوازي مع إعادة مطالبة النظام السوري بضرورة تسليم برونر، وننقل من اللقاء “ولدى سؤال الصحفية هل يشعر ألويس برونر بوخز الضمير أو الندم من جراء الهولوكوست وتلك المذابح؟ أجاب: لا فأنا لست مسؤولاً عمّا جرى لليهود، وأضاف قائلاً: لا تنسي أن جمهورية ألمانيا الاتحادية مديونة لي بمبالغ كبيرة من النقود بسبب معاشي التقاعدي”، وتذكر الصحفية أن ألويس برونر كان يستلم من الحكومة السورية 1200 ليرة شهرياً كمعاش تقاعدي، أي ما يعادل 400 مارك ألماني. ووفقاً لمعلومات الصحفية الألمانية كان ألويس برونر يستيقظ باكراً جداً، ويتنزه في حديقة زنوبيا الواقعة بالقرب من شقته، بمرافقة شخصين، أحدهما عسكري مسلح والثاني من رجال الاستخبارات، والحراسة كانت متواصلة حتى ضمن المنزل وعلى مدار أربع وعشرين ساعة.

تذكر الصحفية أن الجيران لا يعرفون أن هذا العجوز الساكن بجوارهم مطلوب للعدالة الدولية ويجب تسليمه بقرار قضائي، ثم تتابع قائلة إن لوحة جرس الشقة خالية من أيّ اسم ورقم الهاتف (90 26 33) غير موجود في دليل أرقام الهواتف لمدينة دمشق. وهم يعرفون المستأجر بصفة رجل أعمال ألماني أو نمساوي وباسم جورج فيشر. وحرّاسه لا يسمحون لأحد بزيارته إلا بموافقة شخصية من “أبو فيشر”.

ولدى وصف الشقة من الداخل، تقول الصحفية إنها تتألف من أربعة غرف، اثنتان منها فارغتان والباقية نصف مفروشة، يخيّم على البيت جو كئيب، ليست لديه مكتبة شخصية ولا كتب للمطالعة، سوى بعض المجلات الطبية باللغة الألمانية مثل “اكتساب الصحة بواسطة الأعشاب الطبية”، “القاموس الطبي الكبير للتداوي الطبيعي” وإلى جانبها نظارات طبية.

برونر درب أجهزة الأمن السورية على طرائق التحقيق والتعذيب

جلس برونر متثاقلاً، حيث بدا عليه الإنهاك وهو يتحدث للصحفية “نعم، إذن تعرفين الآن من هو أنا، ولكنني أريد أن أقول لك شيئا وعليك أن تكتبي ذلك حرفياً: أنا مستعد للمثول أمام محكمة دولية وتحمّل المسؤولية، ولكن لن تستطيع إسرائيل القبض عليّ، سوف لن يكون هناك أيخمان ثان، وأخرج من جيب قميصه حبة صغيرة (سم قاتل)، رافعاً إياه نحو الأعلى وهو يقول: لقد اتخذت احتياطاتي”.

في العام 2012 وقبل أن يعلن الإسرائيليون موت برونر بعامين، قدمت مجموعة “أبو نضارة” السينمائية السورية، وبمناسبة مقتل اثنين من الناشطين الثوريين في حلب حرقاً على أيدي جهاز المخابرات الجوية، فيلماً قصيراً جداً تحت عنوان “محرقة” قدمته لجمهورها بالقول “المسؤول النازي ألويس برونر لم يمت بعد، ما زال يعمل خبيراً لدى النظام السوري، لذا وجب التنويه”.

مطالبات بتسليم برونر

تكررت الدعوات الأوروبية المطالبة بتسليم برونر، وتكثفت بعد تولي بشار الأسد للسلطة في العام 2000، بالتوازي مع مرحلة "ربيع دمشق"، حيث تمت إعادة محاكمة برونر غيابياً في فرنسا في العام 2001، وقد بقي ملف برونر على الطاولة حتى العام 2010 عندما أعلن رئيس المجلس المركزي اليهودي في اليونان ديفيد سالتيال بأن تعديلاً في القانون اليوناني “سيمنح الحكومة الاشتراكية حق طلب تسليم ألويس برونر الموجود في سوريا حيّا أو ميتاً”.

ولكنّ النظام السوري، في عهد الأب وكذلك في عهد الابن لم يستجب، وظل يمارس عقيدة الإنكار، التي بنى عليها برونر ذاته تبريراته، ولا ننسى أنها كانت سلاح أيخمان ذاته في محاكمته، وإذا عدنا إلى محاكمات نورمبرغ الشهيرة التي حومكم فيها المجرمون النازيون، سنجد أن المجرمين ينتمون إلى ذات العقيدة، وإذا أجرينا مقارنة أوسع في نمط السلوك السياسي، وحتى السلوك الأمني والعسكري للنظام في سوريا وطيلة العقود السابقة، سنرى كيف أنه يقوم على الإنكار، وفي الوقت ذاته يقوم على إخفاء الأدلة، وعلى تهديد الخصوم، وجعلهم تحت طائلة المحو من الوجود، وقد لا نصاب بالعجب حين نرى كيف أن هذا المنطق السلوكي سائدٌ بين معظم الحكومات والدكتاتوريات، ولا سيما منها تلك التي تدعي بأنها أنظمة ديمقراطية، فالنظام الروسي حليف السوري وحليف الإيراني، مارس الممارسة ذاتها، في الشيشان وفي استهدافه للمعارضين لحكم بوتين.

ويبقى السؤال، هل مات ألويس برونر حقاً؟ وهنا نستعير من كل ما سبق الإجابة الصريحة و الواضحة “برونر لم يمت، إنه في دمشق، مازال يعيش في الجوار”.

9