أليخاندرو إيناريتو المكسيكي الذي غزا بموهبته هوليوود

الأحد 2015/10/18
إيناريتو المكسيكي الذي غزا قلعة هوليوود يحمل جائزة الأوسكار

بعد خمسة أفلام روائية طويلة أخرجها للسينما على مدار 15 عاما، أصبح أليخاندردو غونزاليس إيناريتو، واحدا من أهم السينمائيين في العالم وأكثرهم موهبة ونجاحا وشهرة. هذا المخرج المكسيكي الذي ولد ونشأ في مكسيكو سيتي، جاب شوارعها طفلا صغيرا، رغم انتمائه إلى الطبقة الوسطى، تمكن من أن يصنع نفسه بنفسه، فقد خاض مغامرة العمل على ناقلات بحرية وهو في السادسة عشرة من عمره، ورحل معها إلى أميركا وأوروبا وأفريقيا، وظل ينتقل بين مهن عدة، إلى أن اكتسب من الوعي ما يسمح له بالتأمل في المصائر البشرية.

إيناريتو لم يدرس السينما، بل لم يكمل تعليمه، لكنه عمل في إحدى المحطات الإذاعية وكان يستضيف نجوم موسيقى الروك إلى أن أصبح مديرا للمحطة، ثم قام أيضا بوضع الموسيقى التصويرية لخمسة أفلام مكسيكية، قبل أن ينتقل إلى إخراج الأفلام، فأخرج أول أفلامه الروائية الطويلة عام 1999 بعنوان “أموريس بيروس”، الذي نال جائزة أسبوع النقاد في مهرجان كان، ثم رشح لنيل أوسكار أحسن فيلم أجنبي.

حصل إيناريتو على ترشيحات عديدة لجوائز الأوسكار وغولدن غلوب عن فيلمه “بابل” (2008)، ثم نال فيلمه الخامس “بيردمان” (2014) ثلاثا من جوائز الأوسكار هي أحسن فيلم وإخراج وأحسن سيناريو، كما فاز بجائزة أحسن سيناريو في مسابقة الغولدن غلوب. واليوم ينتظر الجميع عرض فيلمه الجديد السادس “العائد” The Revenant بطولة ليونارد دي كابريو، الذي سيعرض في الـ25 من ديسمبر القادم. ويروي الفيلم قصة صائد الثعالب الحدودي في أميركا خلال القرن التاسع عشر، الذي يسرقه رفاقه ثم يتركونه بين الحياة والموت، لينجو ويعود لينتقم. وسيكون بالتأكيد تنويعة جديدة على أفلام “الويسترن”، لأن إيناريتو ليس كأيّ مخرج أميركي من مخرجي هذا النوع من الأفلام، بل مخرج مفكر وصاحب رؤية وفلسفة خاصتين، ومن هذه القصة التي قضى 11 شهرا في تصويرها، سيحدث إيناريتو نقلة جديدة في مساره الفني.

تعدد المستويات

فيلـم إيناريتو الأول “أموريـس بيـروس” عمل خلاب، متعدد المستويات، مليء بالحـركـة والحيويـة، وفيـه يوظف المونتاج بطريقة خلاقة، رابطا بين أحداث وشخصيات متعددة تتقاطع خـلال ثلاث قصـص، تتـأمل في المصائر البشرية، فـي القـدر وكيـف يتحكـم في مصـائر الأفـراد، كيـف يلتقـون ويتفرقون، إنه بـداية ثـلاثية إينـاريتو عـن المـوت.

لكنه يشمل أيضا نظرته إلى الحياة، الجشع، الحب، الشهوة، الرغبة في التملك، الوفاء والخيانة، وتبادل الأدوار.

يبدأ الفيلم من حادث اصطدام سيارتين. في بؤرة هذا الحادث المروع الذي نشاهده مرات عدة عبر الفيلم، توجد الشخصيات التي لا تعرف بعضها البعض. في السيارة الأولى شابان من صعاليك المجتمع وكلب. أولهما هو الشاب الفقير “أوكتافيو” بطل القصة الأولى، الذي يحب سوزانا زوجة أخيه، ويحاول أن يغويها لكي تترك شقيقه وتهرب معه رغم أن لديها طفلا وتنتظر طفلا آخر. الكلب ينزف بغزارة على المقعد الخلفي على نحو يذكرنا بالرجل الذي ينزف في فيلم “كلاب المستودع” لتارانتينو. يحمله أحدهم ليضعه على الرصيف بظن أنه مات. يحملون أوكتافيو إلى المستشفى بينما يكون زميله قد لفظ أنفاسه.

عالم إيناريتو، يتميز بالعقلانية، وبالتشريح البارد للشخصيات، وبالتقليل من إثارة المشاعر المتدفقة، وبالتحليل الذي يتسم بنوع من القسوة، وبعدم خداع الذات، بل بشجاعة المواجهة

في السيارة الثانية شابة حسناء، موديل، هي “فاليريا” التي تنتمي إلى الطبقة العليا في المجتمع، فقدت كلبها ثم عثرت عليه، فهو أعز عليها من حبيبها المنتج التلفزيوني “دانييل” الذي يهجر زوجته وأبناءه من أجلها ويستأجر لها شقة فخمة.

والآن فاليريا تتعرض لحادث سيفقدها ساقها، وسيجد دانييل نفسه في مأساة بعد أن يكون قد فقد زوجته وعشيقته التي أصبحت تصارع من أجل البقاء. وهذه قصة “فاليريا ودانييل”.

يتقدم من السيارة الأولى المحطمة رجل تبدو عليه سمات التشرد، رث الثياب، كث اللحية، مشعّث الشعر، يستخرج الكلب المصاب من السيارة ويضعه في عربة القمامة التي أصبحت وسيلته في الحياة.

وسنعرف أنه كان أستاذا جامعيا ثوريا، انضمّ إلى حرب العصـابـات ثـم اعتقـل وسجن لمدة عشرين عـاما وتـزوجت زوجتـه مـن رجل آخر وكبـرت ابنته التـي لا تعـرف عنـه شيئـا.

وهذا هو “الشيفو” بطل القصة الثالثة “الشيفو ومارو”. وقد أصبح الشيفو الآن قاتلا محترفا يستعين به ضابط شرطة فاسد لتقديم خدمات خاصة.

وهـو يأتيه بمن يمنحه مبلغا كبيرا من المال مقابل قتل شريكه في العمل، لكنه يكتشف أن الطرف الآخر شقيقه وليس شريكه، والاثنان ينتميان إلى طبقـة رجال الأعمـال، فيـدبر هـو الأمر بحيث يجعلهمـا يواجهان بعضهما البعض وبينهمـا مسدس ويستولي على ما لديهما من مـال ثم يغـادر المـدينـة. إنهـا قصة “قابيـل وهابيل” المعاصرة.

التلاعب بالزمن

يتلاعب إيناريتو بالزمن على طريقة تارانتينو، يعود من حين لآخر، إلى نقطة البدء، ويجعل الأزمنة تتداخل وتتقاطع المصائر المتقاطعة للشخصيات، في بناء سردي وبصري يتطلب انتباه المتفرج، وقدرته على استنباط الدلالات من داخل السياق. هذا الفيلم البديع المليء بالشجن، الذي ينتقل أحيانا، من الواقعية إلى السوريالية، ومن التشويق والإثارة إلى التأمل الشعري، هو أيضا فيلم عن القدر وعن قدرة الإنسان الفرد على التماسك واستعادة شهوته للحياة بعد أن يتعرض لحادث يكاد ينهي حياته، كما أنه فيلم عن قسوة المدينة وجبروتها. ومنه ينتقل إيناريتو مع رفيقه كاتب السيناريو المبدع غليرمو أرياغا، إلى الفيلم الثاني في الثلاثية المشتركة “21 غراما” (2003).

عالم الأخطاء في فيلم "بابل"

عنوان الفيلم يشير إلى حجم الوزن الذي يفقده الإنسان بعد موته، أي قيمة “وزن الروح”. والفيلم ينسج على منوال “أموريس بيروس” ففيه ثلاث شخصيات هي أستاذ رياضيات ينتظر إجراء عملية نقل قلب تريد زوجته أن تضمن الحمل منه بعد وفاته بالتلقيح الصناعي، ومجرم سابق ومدمن خمر يصبح مسيحيا متشددا لكنه مضطرب الذهن، وربة بيت تعالج من إدمان المخدرات. حادث سيارة يروح ضحيته زوج المرأة وطفلاها هو الذي سيجمع مصائر هؤلاء جميعا معا، من خلال تأمل معذب لمعنى الحياة والموت والإنجاب والتسامح والقدرة على تجاوز المأساة، في سياق زمني متعرج، يتأرجح بين الماضي والحاضر يبدو كما لو كان فوضويا، غير أنه بناء فسيفسائي كل شيء فيه منظم تماما، فإيناريتو يتلاعب كعادته بالزمن، فهو يؤمن بأن الزمن لا يسير مسارا منطقيا، بل متعرجا متقطعا، وهو يسيطر على بناء فيلمه ببراعة، كما يتمتع الفيلم بحضور مدهش للممثلين: شون بن، بنسيو ديلتورو، ناعومي واتس، وشارلوت غينسبرغ.

إلى بابل

لم يكن الفيلم الثالث من الثلاثية أي “بابل” (2006) على نفس مستوى الفيلمين السابقين، بسبب غموض الجانب الفلسفي والروحاني فيه. ومثل الفيلمين السابقين، يروي الفيلم ثلاث قصص تدور كلها حول النتائج التي يمكن أن تترتب على ما يرتكبه الإنسان من أخطاء. القصة الأولى تدور في منطقة جبلية وعرة في المغرب يقطنها رعاة الأغنام. رجل يشتري بندقية لحماية قطيعه من هجمات الذئاب، ولكنه يخطئ فيتركها في عهدة ابنه الذي لا يتجاوز الثانية عشرة مع شقيقه الأصغر، فتكون النتيجة ان يستخدم السلاح على سبيل اللهو فيصيب سائحة أميركية في حافلة كانت تمر بالمنطقة.

الأميركية في رحلة مع زوجها وقد تركا ابنيهما في كاليفورنيا في رعاية مربية مكسيكية، تخطئ فتقرر اصطحابهما معها إلى المكسيك للمشاركة في زواج شقيقها. وعند عودتها في سيارة ابن شقيقتها يوقفهم ضباط الحدود فيهرب الشاب بالسيارة خشية اعتقاله بتهمة القيادة تحت تأثير الخمر.

وفي اليابان نشاهد الابنة الشابة الصماء لرجل مصرفي تريد الشرطة استجوابه بشأن البندقية التي أطلق منها الرصاص في المغرب على السائحة الأميركية، والتي كان قد أهداها لأحد مرافقيه قبل سنوات عندما كان في رحلة للمغرب، والفتاة تعاني من الوحدة والاكتئاب بعد انتحار والدتها، وانشغال والدها المستمر عنها.

حادث المغرب يصبح الخبر الأول في نشرات الأخبار في العالم، والحكومة المغربية تشك في أن وراءه عمل إرهابي فتبدأ قوات الأمن في تمشيط المنطقة وتنزل العقاب الجماعي بالسكان، والمرأة المكسيكية تفقد أثر الطفلين الأميركيين في الصحراء ولا تعثر عليهما سوى بمشقة لكنها تفقد إقامتها في أميركا، والفتاة اليابانية تصل إلى قمة الاضطراب النفسي، إلا أنها ترتاح لوجود ضابط شرطة شاب يمكنها التخاطب معه أخيرا.

هذه القصص الثلاث تدعو المشاهد إلى التفكير في ما يحدث في عالمنا اليوم، الذي أصبح يقوم على التشكك، وعدم الثقة، والهلع الناتج عن انتشار العنف. لكن هناك قدر من الافتعال في الحبكة، فما الذي يجعل المكسيكية مثلا تنتظر حتى اللحظة الأخيرة عشية زواج شقيقها دون أن ترتب الأمر بحيث تترك الطفلين صحبة مربية أخرى؟ وهناك أيضا الكثير من الإفراط في المشاهد “الإكزوتية” التي تصدم المشاهدين: رجل في ساحة عامة في البلدة المكسيكية يقطع رأس دجاجة بيده في وحشية سادية مرعبة، الفتاة اليابانية تكشف عن عضوها الجنسي لمجموعة من الشباب وهي تضحك مع زميلاتها في مكان عام، الأب المغربي يضرب ابنته المتبناة بقسوة مفرطة. وتبدو القصة اليابانية سطحية وغير مقنعة.

من بابل إلى برشلونة

يخرج إيناريتو من ثلاثية الموت إلى فيلم “بيوتيفول” الذي يدور في برشلونة بأسبانيا. أسلوب الإخراج المميز لأفلام إيناريتو واضح هنا رغم اختلاف طريقة السرد، فليست هناك قصص مختلفة متقاطعة بل موضوع واحد يصوره على محاور عدة، تلتقي وتتقاطع حول شخصية اللابطل، الفرد، المهزوم من البداية، المقضي عليه بالموت، فهو يعاني من سرطان المثانة ولم يعد أمامه سوى شهرين في الحياة، كما يقول له الأطباء.

في كل أفلام إيناريتو، ليست هناك مساحة كبيرة للتفاؤل، لكن ليس هناك أيضا فزع من فكرة الموت، ففي المشهد الأخير، يعرض صورة افتراضية خيالية لما بعد الموت، تبعث على الإحساس بالراحة والانسجام مع النفس

نقيض البطل “أوكسبال” لا يعاني فقط من المرض العضال الذي يأكل حياته ساعة بعد أخرى، بل من تمزق علاقته بزوجته التي انفصل عنها لكنها تتردد على مسكنه لرؤية طفليها منه، كما تقيم علاقة مع شقيقه.

هذا فيلم عن العلاقة بين الإنسان والموت، وبين الرجل والمدينة، ماذا يمكن للمرء أن يفعل قبيل موته المرتقب، من أجل ضمان مستقبل أبنائه؟ وكيف يمكنه فهم هذه المدينة القاسية برشلونة المختلفة عن صورتها “السياحية” التي تمتلئ بالمهاجرين، الذين تطاردهم الشرطة، وببائعي المخدرات في الزوايا والأركان المظلمة؟ وأيضا عن الفساد الذي امتد إلى الشرطة، والحياة الشاقة للمهاجرين التي تنتهي بمأساة الموت الجماعي اختناقا.

وكما في كل أفلام إيناريتو، ليست هناك مساحة كبيرة للتفاؤل، لكن ليس هناك أيضا فزع من فكرة الموت، ففي المشهد الأخير، يعرض صورة افتراضية خيالية لما بعد الموت، تبعث على الإحساس بالراحة والانسجام مع النفس.

بيردمان

يحقق إيناريتو نقلة كبرى في فيلمه الخامس الذي توج بالأوسكار، فيلم “بيردمان”، من خلال قصة تدور في أجواء المسرح حول شخصية ممثل يدعى ريجان تومسون لمع في أفلام هوليوود الخيالية في دور بيردمان، أو الرجل الطائر لكنه يرفض القيام ببطولة فيلم جديد من هذه السلسلة، متمردا على نفسه وعلى النجومية من خلال تلك الأفلام السطحية. وبعد سنوات من تخليه عن دور بيردمان، وبعد أن تكون الأضواء قد خفتت من حوله، يرغب الآن في استعادة نجوميته وأن يثبت لنفسه أنه يستطيع أن يكون أيضا ممثلا مسرحيا ناجحا، فينتقل إلى برودواي ويحول قصة قصيرة إلى مسرحية ينتجها ويقوم ببطولتها.

ينتقل إيناريتو ببراعة من الحقيقة إلى الخيال، ومن الواقع إلى الحلم، ومن الحاضر إلى الماضي، ومن التمثيل على المسرح إلى مشاجرات الممثلين الممتدة بعد مغادرة خشبة المسرح.. وفي خضم تلك الحالة من العصاب الذي يصيب البطل إلى درجة تدفعه إلى محاولة الانتحار على خشبة المسرح، يتمكن من أن يتوقف ليتأمل، ولكي يدفعنا أيضا إلى التأمل في مغزى الإبداع، ومعنى الفن، كما يتناول العلاقة بين الأجيال، وبين الرجل والمرأة، وبين الممثل والناقد.

ويبتكر طريقة خاصة في التصوير مستلهما ممّا فعله هيتشكوك في فيلمه الشهير “الحبل”، إذ يصوّر الفيلم بكاميرا متحركة عبر ردهات وممرات وغرف مسرح حقيقي، كما يجعل الكاميرا تقتحم أبوابا وتصعد شرفات عالية، أو تهبط إلى غرف التحكم أو غرف الماكياج وغيرها، بحيث يبدو كما لو كان الفيلم قد صور في لقطة واحدة متصلة.

عالم إيناريتو، يتميز بالعقلانية، وبالتشريح البارد للشخصيات، وبالتقليل من إثارة المشاعر المتدفقة، وبالتحليل الذي يتسم بنوع من القسوة، وبعدم خداع الذات، بل بشجاعة المواجهة؛ مواجهة الحياة والموت.

16