أليساندور ماغناسكو مزق ثوب الكنيسة ليرسم نور سوداويته الغريبة

قليلة هي المعارض التي تهتم بالفن الباروكي في باريس، إذ لم يُقَم منذ سنوات غيرُ معرضين، الأول في القصر الكبير قبل خمس سنوات عن “المشهد الطبيعي في روما – الطبيعة والمثل الأعلى” في النصف الأول من القرن السابع عشر، والثاني خلال العام الماضي في القصر الصغير عن “قيعان الفن الباروكي – روما الرذيلة والبؤس”. ومن ثَمّ جاء المعرض الذي يقام حاليا لأليسّاندور ماغناسكو في غاليري كانيسّو بباريس، والذي استقبله الهواة بترحاب كبير.
الاثنين 2016/02/22
النظرة النقدية الساخرة

يقام في غاليري كانيسّو بباريس معرض للفنان التشكيلي أليسّاندور ماغناسكو (1667/ 1749)، وهو معروف لدى مؤرخي الفن بـ”إل أليسّاندو” (الأليسّاندرو) في جنوة، وقد تتلمذ على فاليريو كاستيلّو، ثم انتقل إلى ميلانو حيث تتلمذ على فيليبو أبياتي، وفلورنسا حيث التقى بأنطونيو فرنشيسكو بيرّوتسيني (1646-1724) وكليمنتي سبيرا (1662-1742)، تعاون معهما في رسم لوحات مشتركة، كما وطّد علاقته بكارلو أنطونيو تافيلاّ (1668-1738)، أصيل جنوة، قبل أن يعودا معا إلى مسقط رأسيهما.

من التقديس إلى السخرية

بدأ ماغناسكو مسيرته الفنية برسم البورتريهات ثم تحوّل إلى رسم مشاهد دينية كـ”المسيح يداوي كسيحا” و”انبعاث لازاروس” و”رهبان يتعبّدون في غار” و”مشهد مع القديس يوحنّا”، ثم هجرها إلى رسم مشاهد سوداوية كان يقحم فيها صورا لقساوسة وغجر وصعاليك ومهرجين، وبرز كواحد من أكثر فناني الستّيتشنتو الإيطالي جدّة وطرافة، وألصقهم بالوجه الآخر لقرن الأنوار أو ما يسميه الفيلسوف الفرنسي ذو الأصول الإيطالية مارك فومارولي “القرن الثامن عشر الأسود”.

فبين انتصار العقيدة الكاثوليكية وتجلّي العقل، بحث أليسّاندرو عن سبيل ثالث، إذ مال إلى المواضيع الباطنية، ورسم الساحرات والنبلاء المخلوعين، والبوهيميين، والمقابر والمحافل السرية الدائرة تحت ضوء القمر، تحدوه فكرة أخلاقية مفادها “أن الغفلة والجهل يدمران الفنون والعلوم”، صاغها في لوحة تمثل حمارا مندفعا داخل أحد القصور فيقلب مسند لوحات وكتبا وخارطة.

اللوحات المعروضة، وعددها أربع وعشرون لوحة، يرجع عهدها إلى الفترة الممتدة من 1725 إلى 1740، وهي مرحلة نضج الفنان

اللوحات المعروضة، وعددها أربع وعشرون لوحة، يرجع عهدها إلى الفترة الممتدة من 1725 إلى 1740، وهي المرحلة التي تعكس نضج أليسّاندرو، حيث تطوّر أسلوبه وصار أقل خفة في اللمسة ليصل إلى ما يشبه نزع كل ما هو ماديّ عن الشخوص، كلوحة “القديس أوغستين والطفل”، التي تمثل القديس في يوم عاصف، تصخب فيه الأمواج وتهتز الأشجار، في ألوان خلفية يتمازج فيها الأزرق السماوي بالأبيض الخافت وخضرة الأشجار، ويتبدّى في مقدمتها طفل على الساحل يمدّه بملعقة، وكأنما يقول له إن إدراك سرّ الخالق كمحاولة إفراغ البحر بملعقة.

فنان منشق

تكمن طرافة أليسّاندرو في كونه يفضل المواضيع الغريبة على اللوحات الميثولوجية الكلاسيكية التي كانت سائدة في عصره. حتى اللوحة الوحيدة التي رسمها لمؤسسة دينية لا تحتوي على أيّ شيء يوحي بأنها جعلت لتزيين إحدى الكنائس، فهي تمثل سرقة مدنّسة، حيث تقدّم لصوصا يدخلون المبنى المقدّس فتتصدّى لهم هياكل عظمية وأشباح من قضوا نحبهم ودفنوا في تلك الكنيسة، ليلقوا في النهاية مصيرهم بالإعدام شنقا بعد محاكمتهم، والمشهد يُقرأ من اليسار إلى اليمين، فاللوحة من حيث فكرتها تقليدية لا جديد فيها، ولكنها تتميز عن سابقاتها بهذا الحشد من الهياكل العظمية والأشباح، الذي يوحي بأن ذلك ما حدث في الواقع حسب مداولات المحاكمة.

هذا ملمـح في الفن جديد، وإن بدا فيه أليسّاندرو متأثرا بأعمال علمين من أعلام الفن الباروكي هما الفرنسيان فرانسوا دو نومي (1593-1620) وجاك كالّو (1592-1635)، ذلك أنه متماهٍ مع الجدل الديني الذي ميّز تلك الفترة. نجد ذلك أيضا في لوحات أخرى يصوّر فيها الرهبان، ذكورا وإناثا، وهم يعيشون عيشة بؤس داخل الأديرة. قبل أن يشفع رؤيته إليهم في خريف عمره بنظرة نقدية ساخرة لما يجري داخل بيوت الرب من تجاوزات.

طرافة أليسّاندرو تكمن في كونه يفضل المواضيع الغريبة على اللوحات الميثولوجية الكلاسيكية التي كانت سائدة في عصره

والسؤال الذي يُطرح، ويقدم الكاتالوغ إجابة واضحة عنه، هو مدى تعاونه مع بيرّوتسيني وسبيرا، ذلك أن أليسّاندرو هو بالأساس رسّام وجوه وشخوص، عادة ما يدرجها في مشاهد طبيعية أو مواقع أثرية، وإن بكيفية متكاملة لا تنتأ عن الهندسة العامة للوحة. فالشخوص، حتى في اللوحات التي أثبت المؤرخون أنها رسمت بالاشتراك، متوحّدة مع المشهد العام، حيث اللمسة ذائبة والأشجار متمازجة مع البحر وإن بدت أوراقها مغيبة أو متلاشية.

وأيّا ما تكن نسبة تلك اللوحات، فإن المعرض فرصة للتعرف على فنان “منشق” في مرحلة حساسة من تاريخ أوروبا اتسمت بأزمة وعي حادة، وتلمس أدوات فنان “بائس” كما كان يوصف، نظرا إلى اهتمامه بالمهمشين والبؤساء والصعاليك، وما هو في الواقع سوى فنان أصيل، حمّل فنه ثيمات كبرى برزت خلال الجدل الصاخب الذي طبع تلك الفترة، والصراع بين العقل كسلطان أعلى، واللاهوت ممثلا في الكنيسة.

يقول الناقد جيل كريمر “ما يشدّ الانتباه في فن أليسّاندرو طريقة إقدامه على اللوحة بلمسات في شكل فواصل، وأجنحة فراشات لا تكاد تلامس القماشة، وكيفية استعماله للونين الأسود والبني بإشراقات بيضاء، وشدة اعتنائه بالتفاصيل، فضلا عن ثيماته التي تعكس موقفه من رجال الدين وانخراطه في الجدل الذي عمّ أوروبا كلها حول موقع الكنيسة من المجتمع”.

16