أليس في بلاد العجائب.. حكمة المسنين وخيال الأطفال

الرواية في أعمق أعماقها مجموعة تأملات ورؤى وجودية صيغت بمنطق الأطفال ذوي الخيال الجامح والمتوثب.
السبت 2020/11/21
جوني ديب يحيي "أليس في بلاد العجائب"

قرابة المئة وخمسين عاما تمر اليوم على أكثر قصص الأطفال غرابة وإدهاشا عبر التاريخ. فتن بها الصغار والكبار، ترجمت إلى كل لغات العالم بما فيها العربية، تبنتها السينما والمسرح، وكافة الفنون البصرية كأفلام الأنيمي والسلاسل والرسومات المصورة، كتبت حولها الأطروحات والدراسات، ومازال المفتونون بها يقولون إنها لم توف حقها.. إنها “أليس في بلاد العجائب”.

تبدأ حكاية هذه الرواية الأعجوبة مع غرابة شخصية مؤلفها تشارلز دودغسون (1832 – 1898) وهو كاتب وعالم رياضيات ومصور فوتوغرافي إنجليزي. متدين وشديد الخجل والانطواء، حتى أنه، ولكثرة نفوره وتهربه من الشهرة، كتب روايته باسم مستعار وهو لويس كارول.

ألف دودغسون (لويس كارول) اثنين من أشهر الكتب في الأدب الإنجليزي وهما “مغامرات أليس في بلاد العجائب” (1865) وتتمته “عبر المرآة”(1871). وترجم كتاب أليس إلى كل لغات العالم تقريبا، كما تمت طباعته بطريقة بريل حتى يستطيع المكفوفون قراءته والاستمتاع به.

 ويُحكى أن المؤلف كان في نزهة تجديف بمركب مع ثلاث من بنات صديقه هنري ليديل، في نهر أزيز، وقص عليهن هذه القصة لإضفاء جو من المتعة. واستخدم اسم أليس، البالغة من العمر 10 سنوات، للإشارة إلى فتاة وقعت في جحر الأرنب. وبعد ثلاثة أعوام نشرت القصة تحت عنوان “مغامرات أليس في بلاد العجائب” للكاتب لويس كارول.

قصة الحكاية

لويس كارول: نحن لا نندرج تحت نمط واحد من التفكير فلكل منا أهواؤه وميوله التي تختلف من شخص إلى آخر
لويس كارول: نحن لا نندرج تحت نمط واحد من التفكير فلكل منا أهواؤه وميوله التي تختلف من شخص إلى آخر

القصة الأصلية التي كتبها كارول، عن فتاة مشاكسة تتعرض للأتعاب بسبب فضولها وتمردها على الأنماط التقليدية المعتادة، وهي لا تبتعد كثيرا عن أجواء فيلم الرسوم المتحركة الذي أخلص للرواية الأصلية، وأنتجته شركة والت ديزني عام 1951 وحظي، ولا يزال، بنسبة مشاهدة عالية ونال الكثير من الجوائز والتقديرات.

كانت الأخت الكبيرة في الحديقة تقرأ لأليس من كتاب التاريخ، لكن هذه الأخيرة لم تكن تصغي لأن الكتاب كان مملا بالنسبة لها فهو خال من الصور والحوارات ثم إن طريقتها في السرد لم تكن مشوقة بما فيه الكفاية، الأمر الذي يجعل أليس الصغيرة تشرد بخيالها وتستحضر عالما موازيا وأكثر ثراء وغرابة وسحرا مما تنصت إليه.

بدأت أليس تتخيل عالمها الخاص أين يكون “المنطق غير منطقي وغير المنطقي منطقيا”، وفق فلسفتها الخاصة والمتفردة. وفجأة ظهر أرنب أبيض يرتدي معطفا ناصعا من الفرو. أخذ الأرنب ساعة من جيبه وهرع مستعجلا، ولكن فضول أليس جعلها تلحق به لمعرفة سبب استعجاله، فتبعته إلى داخل جحره لكنها سرعان ما بدأت بالبكاء لأنها وجدت نفسها أمام باب مغلق، لكن وبمساعدة “الباب المتكلم”، قامت بالاهتداء إلى الشرب من قنينة صغيرة، مما جعلها تصغر في الحجم وتعبر من الباب.

الرواية في أعمق أعماقها مجموعة تأملات ورؤى وجودية صيغت بمنطق الأطفال ذوي الخيال الجامح والمتوثب
المؤلف عالم رياضيات انطوائي خجول يوقع باسم مستعار تجنبا للشهرة

وجدت أليس نفسها في غابة كبيرة مترامية الأطراف، وبينما كانت تتجول فيها باحثة عن “الأرنب الأبيض” إذ بها تقابل توأمين. بعد التعارف، بدأ هذان الأخيران بالغناء وقص الحكايات. لكن أليس غافلتهما وهربت ثم عادت للتجول في الغابة إلى أن سمعت أصوات غناء ورقص فتبعت تلك الأصوات إلى أن وصلت إلى بيت “صانع القبعات المجنون” حيث كان يقيم حفلة شاي، تمت دعوتها إلى شرب الشاي. وسط أحداث هذه الحفلة الغريبة والمليئة بالأحداث البعيدة عن المنطق السائد، ظهر الأرنب من جديد، ولكنه سرعان ما رحل مستعجلا فعادت للحاق به مرة أخرى.

وصلت أليس إلى حديقة أزهار ناطقة فبدأت بالحديث والغناء مع الأزهار لكن بعد مدة، شكت في أمرها واعتبرتها “عشبة سامة” فطردتها. وجدت أليس نفسها في مكان شديد الظلام فبدأت بالبكاء وأرادت العودة إلى بيتها… في تلك الأثناء ظهر “القط المتخفي” وأرشدها إلى قصر الملكة التي ستساعدها على إيجاد طريقها إلى المنزل.

حين وصلت أليس إلى باحة القصر فوجئت بأوراق اللعب تصبغ الأزهار البيضاء باللون الأحمر إرضاء للملكة. أتت الملكة رفقة الحراس فاكتشفت أن الأزهار بيضاء الأصل فأمرت بقطع رؤوس جميع من كان هناك بمن فيهم أليس، لحسن الحظ قام الملك بإقناع الملكة بالعفو عن الصغيرة. قامت الملكة وأليس بلعبة مراهنة انتهت بمحاكمة أليس بسبب “إهانتها للملكة” والتطاول عليها. بدأت الفتاة بالركض وركضت الملكة وأوراق اللعب خلفها… بعد كر وفر، استيقظت الفتاة المسكينة على صوت أختها الكبرى “أليس، هل أنت نائمة؟”.

كل القصة إذن لم تكن إلا مجموعة كوابيس وأضغاث أحلام، لكن فيها الكثير من المتعة والغرابة والتشويق والإثارة.

ميزة “أليس في بلاد العجائب” أن مؤلفها قد جردها من المنطق مما أكسبها سحرا وجاذبية من نوع خاص لدى الصغار والكبار على حد السواء، وصنفها نقاد ودارسون كمثال ساطع عما سماه بعضهم بالهذيان أو الهراء الأدبي.

البنية السردية للقصة وتنوع وغرابة شخصياتها إلى حد ملامسة ما عرف في ما بعد بالأدب السوريالي، جعلتها مصنفة ضمن الأدب الشعبي الذي تكبر وتتدحرج أحداثه مثل كرة الثلج، وهو ما يذكر بروائع خالدة في القص الشعبي مثل “ألف ليلة وليلة” و”كليلة ودمنة”.

رواية تسيل الحبر وتثير الجدل

شخصيات الرواية تحولت إلى هدايا يتبادلها الناس
شخصيات الرواية تحولت إلى هدايا يتبادلها الناس

لا يختلف الدارسون في أن الرواية تنشط ذهن الناشئة وتحرض على الخيال، لكن تقييمها التربوي ظل محل جدل عند علماء النفس وأهل الاختصاص فهي تحمل بعدا نفسيا، خصوصا في ما يتعلق بالمشاعر التي تتركها، وبنوع العلاقات بين شخصياتها. هي تحمل الكثير من المحتوى النفسي الذي يعيشه الطفل في رحلة نموه، تلك الرحلة التي تأخذ منحاها الرمزي في كبر وصغر حجم أليس خلال الرواية.

وفي هذا الصدد، تتوقف الأخصائية النفسية بسمة سعد عند إشارات ومحطات تصفها بـ”العنف اللفظي والجسدي في الرواية”، وذلك من خلال مقاطع تجدها فجة ولا تناسب التوجه إلى فئات عمرية معينة كالحوار الذي دار بين أليس والفأر الذي كان يجلس بجوارها: قال الفأر النعسان “أود لو لم تعتصريني هكذا، فأنا لا أكاد أتمكن من التنفس”، ردت أليس بوداعة شديدة “لا حيلة لي فأنا أنمو”.

كما يتم استعمال بعض التنمر والعنف الكلامي بين الشخصيات التي تصف بعضها بالغباء وتتقاذف الاتهامات في ما بينها، دون أن ننسى بعض الترهيب والوحشية كحكم الملكة الدائم بقطع رؤوس الشخصيات، أو ذلك المشهد الذي ترمي فيه الخادمة بصحن على طفل رضيع فيقطع أنفه، لكن يظهر لاحقا أنه لم يحصل له شيء. الملكة في الرواية تهدد ولا تنفذ، ولم يسبق أن قطع رأس أحد ما بالفعل، مما يحيلنا إلى أن العدوانية هي غريزة بداخل كل إنسان، يكبر معها ويحاول ضبطها، لكن في الطفولة تتسبب هذه الغريزة بقلق للطفل، وهو غالبا ما يشعر أن العالم حوله مؤذ وخياله يمتلئ بالشخصيات المخيفة كالوحوش أو المجرمين.

الرواية تُظهر العدوانية من وجهة نظر طفل وكيفية رؤيته للعالم، كما تبين وسيلة الدفاع النفسية التي يستعملها غالبا الأطفال في مواجهة قلقهم، حين يصرحون أنهم بأنفسهم أبطال لا أحد يستطيع أذيتهم. يظهر هذا حين يكبر حجم أليس لتصبح عملاقة، وتصبح كل الشخصيات حولها غير مؤذية.

وتبين أخصائية المعالجة النفسية بعض الخصائص الإيجابية وكذلك السلبية ففي الرواية أليس تجاهد لتقول رأيها، أو تسأل أسئلتها، أو تعبر عن معارضتها. برغم الجهود لإسكاتها ووصفها كثيرا بالغباء، هي لا تستسلم، وتبقى روحها متمردة وراغبة في الفهم والبحث عن المنطق.

وتنبه الباحثة إلى أن الرواية تبدأ مع صعوبة أليس في ضبط نفسها، مما يتسبب لها بالمشاكل. فهي تقول كل ما يخطر ببالها، دون التفكير بتأثيره على السامع. أحيانا عدم قدرتها على ضبط نفسها يخيف باقي الشخصيات منها ويتركها وحيدة. في الفصول الأخيرة من الرواية، نرى أن أليس قد تعلمت التعاطف وضبط النفس، وهي تستطيع أن تفكر بتأثير أقوالها على من يسمعها وتتوقف باللحظة المناسبة عن الكلام.

حلم استثنائي

والت ديزني توج أليس ملكة للقلوب
والت ديزني توج أليس ملكة للقلوب

الرواية في أعمق أعماقها مجموعة تأملات ورؤى وجودية صيغت بمنطق الأطفال ذوي الخيال الجامح والمتوثب لمغامرة المعرفة والاكتشاف، عبر فضاء تخييلي يقارب بين المفاهيم ويعيد اكتشافها على قواعد جديدة ومبتكرة.

البعد الدرامي حاضر بشدة في الرواية من خلال الصدامات والأضداد، لكن روح الطفل في عدم الذهاب نحو الأقصى في الإيذاء، هي التي تحسم الأمور باتجاه السلام الداخلي.. ولعل هذا يعكس واضحا التربية والنشأة الدينية لمؤلف الرواية، وروحه الانطوائية فالعلاقات بين شخصيات الرواية تتسم بشكل أساسي بالصراع الشديد، إذ نادرا ما نجد في الرواية شخصية تقدم المساعدة للأخرى أو تساهم بشكل ما في راحتها النفسية أو الجسدية.

وعلى الرغم من هذا، لم تتسبب أي شخصية لأخرى بالأذى الفعلي، وكأن الشخصيات كلها تملك حصانة نفسية تجعلها لا مبالية أو متقبلة لذاتها وللآخر. مقابل هذه العلاقات الموجودة في حلم أليس، نجد أنها حين عادت لواقعها، عاملتها أختها بحب ولطف وعناية، ليظهر التناقض الغريب بين عالم الحلم (اللاوعي) وعالم الواقع.

وعلى قارئ “أليس في بلاد العجائب” أن يبذل جهدا مضاعفا في فك بعض الرموز والأحاجي وكأننا إزاء كتاب طواسين أو استشرافات.. كيف لا ونحن نتعامل مع حلم استثنائي.. حلم طفل كتبه عالم رياضيات متدين وخجول.

ربما يأتينا الجواب على جملة هده الألغاز من الرواية نفسها، وذلك في قول أليس إنه ليس بالضرورة لكل شيء معنى، وكذلك نسمع كلام الدوقة التي تبحث بهوس عن المعنى، لكن من الصعب إيجاد معنى لما تقوله.

ومن المثير للإعجاب في هذه الرواية الآسرة، شجاعة الصغيرة أليس، وخوضها لمغامرة متعبة وشيقة دون استسلام أو خوف. كل عناصر الفرجة والمتابعة والإثارة والتشويق متوفرة في هذا العمل الذي كتب قبل اختراع آلة السينما، فكأنما مؤلفه قد أعده خصيصا لاستوديوهات والت ديزني، وما تتميز به من خيال يسلب ألباب الصغار والكبار.

ميزة "أليس في بلاد العجائب" أن مؤلفها جردها من المنطق مما أكسبها سحرا خاصا لدى الصغار والكبار على حد السواء

حكمة الكبار وتعقلهم ممزوجان بخيال الصغار ومشاكساتهم.. هذا ما يلخص هذه الرائعة الأدبية التي صنفت من أجمل 100 كتاب خيال في تاريخ البشرية. ووصلت شهرة كاتبها إلى كافة طبقات المجتمع الإنجليزي حتى أن الملكة فيكتوريا أعلنت إعجابها بالكاتب وأدبه.

ويجب ألا يغيب عن أذهاننا هنا أن المؤلف عالم رياضيات أي أنه سيد من يعترف بالمنطق والتفكير العلمي، يضاف إلى ذلك تدينه الذي أضفى عليه مسحة إنسانية أما عن ولعه بالفوتوغراف فأمر زاد من إتقانه لجماليات التفاصيل التي تبدو نافرة في مؤلفه.

ويظهر البعد التأملي والجانب الزاهد للمؤلف ذي الرؤية الوجودية المتعمقة في رسالة وجهها دودغسون لصديقته السيدة سيموندز عام 1891 “هنالك الكثير من الناس الذين تستميلهم فكرة أن يحدق فيهم الناس وأن يكونوا من المشاهير والعديد من الناس لا يفهمون نفوري الشديد من أن أكون محط أنظار الآخرين وأن تلاحقني العيون حيثما أذهب”.

ويضيف قائلا “نحن لا نندرج تحت نمط واحد من التفكير فلكل منا أهواؤه وميوله التي تختلف من شخص لآخر”. كما اعتذر عن استلام أي رسائل من الغرباء وأكد أنه سيقوم بإرجاعها لمرسليها دون فتحها أو معرفة محتواها كما لو كانت رسائل موجهة إلى عنوان خاطئ.

هذا الحس الإنساني العميق ترجمه المؤلف عبر شخصية أليس، إلى رؤية تسمو فوق الصغائر، وتتخذ من الحلم ملاذا بل واقعا يمكن أن يتحقق لمجرد أن ننشد الأمل ونتجاهل بشاعة الملوثين لهذا العالم المحكوم بالتواصل الإنساني والانسجام البشري في أبهى حالاته، إذ قالت أليس بشيء من الخجل “يمكنني أن أخبرك بمغامراتي.. بدءا من هذا الصباح، لأنه لا فائدة من العودة للأمس، لأنني كنت وقتها شخصا آخر”.

إشراقات كثيرة لا تمحى من ذاكرة كل من قرأ الرواية أو شاهد الفيلم الذي نقل عوالم أليس الساحرة بكل مهارة وإتقان كذلك المقطع الذي تقول فيه أليس “منذ اللحظة التي سقطت فيها بحفرة الأرنب تلك، قيل لي ما الذي يفترض علي القيام به ومن يفترض بي أن أكون! لقد تقلصت، تمددت، خدشت، وحشرت في إبريق شاي.. لقد اتهمت بأنني أليس واتهمت بأنني لست أليس، ولكن هذا حلمي أنا.. وأنا سوف أقرر إلى أين سأذهب من هنا”.

نهاية الرواية تتحدث عن روعة عالم الخيال، الذي يمكن اللجوء إليه دائما عندما يكون الواقع قاسيا ومملا. الأخت الكبيرة تستعمل خيال أختها لتهرب من واقعها الجاف ونهاية الرواية تكون معها مثل هذا المقطع “وبينما كانت تنصت، أو يبدو أنها تنصت، دبت الحياة في جميع أنحاء المكان المحيط بها، بوجود المخلوقات الغريبة التي كانت في حلم أختها الصغيرة”.

ويستمر كارول في سرده المدهش “هكذا جلست، مغلقة عينيها، وهي نصف مصدقة أنها في بلاد العجائب، على الرغم من معرفتها بأن كل ما عليها أن تفتحهما مرة أخرى، فيتحول كل شيء إلى واقع ممل”.

وأخيرا، صورت لنفسها كيف أن هذه الأخت الصغيرة نفسها، ستكبر لاحقا وتصير امرأة، وكيف ستحتفظ طوال سنوات نضجها بالقلب البريء المحب الذي كان لها في طفولتها، وكيف ستجمع حولها أطفالا صغارا آخرين، وتحكي لهم الكثير من الحكايات الغريبة.

16