أليس مونرو تدخل محفل نوبل وترد الاعتبار لفن القصة القصيرة

الجمعة 2013/10/11
ما يجعل أليس مونرو أيقونة للقصة القصيرة هو ما ينطوي عليه أدبها من واقعية تحتمل الصدق أو الكذب

أخال أن ثمة نخبوية أدبية تستتر في عالم الأدب ذاته، تلك الرانية إلى القصة القصيرة باعتبارها سلالم يصعد عليها المبدع وعيناه ترتقيان إلى الرواية أو عملية إحماء تفضي إلى نوع أدبي زعموا أنه "أرقى"، ويدعى "الرواية".

لم تخضع صاحبة إثنتيّ عشرة مجموعة قصصية لهذا الابتزاز الأدبي لِما يربو على خمسين عاماً، ولم تكف عن استهجان نقاد استحسنوا قصصها بوصفها "تضمر سلطة الروايات العاطفية". بل إنها حين أصدرت بالفعل رواية "حيوات فتيات ونساء" (1971) بنَتها بنية أشبه بالمجموعة القصصية المتصلة! وظلت تجلب حكمة مشوبة بعين اجتماعية نافذة لكل قصة خطتها، فكل حدوتة هي عالَم بأكمله، ولا حد لطبقات من الحكي قد تدمجها – بسلاسة غير معهودة ودون اضطراب في الذاكرة – في حبكة مقتصدة دقيقة السرد.

وجدت في مستهل مشوارها الكتابة ملاذاً من حياة عائلية شقية. وحينما فازت لأول مرة بجائزة مرموقة وصفها أحد نقاد جريدة ذا جارديان بأنها "ربة منزل خجول"، ومنذ حينها ارتقت بخطوات واثقة محسوبة ليقارنها النقاد بالقاص الروسي تشيكوف وتحصل على عدد من الجوائز لا يتسع له هذا المقال.

وشأنها شأن كُتاب الجنوب الأميركي من أمثال جيمز لي بيرك وتيم جوترو ترتكن العديد من قصصها على دعامة إقليمية لا تشيح إلى أية مناطق غرائبية، إذ يمثل أسلوبها أكثر ما يمثل أسلوباً قوطياً خليقاً ببلدات جنوب أونتاريو بكل ما تحويه من مشاحنات طبقية ونزعات استعلاء أخلاقية. يتخلل أدبها راوٍ عليم يسعى إلى إسباغ المغزى على حياة ريفية لا تُقَدِّم الكثير وشخصيات نسائية تميل إلى التعقيد وإن لم تقع في فخ النسوية الجوفاء أو الرقي المصطنع.

الحق أنها كثيراً ما تقتدي برواد القصة الأوائل وتقص قصصاً لا تحتل فيها الحبكة الصدارة، فأقل القليل قد يَحدث في الظاهر، ليتبقى حضور لا يستهان به للقارئ حتى يسبر ويطلق خياله ويملأ الثغرات ويعتنق في النهاية صلة – مبهمة بالضرورة – بينه وبين الشخصيات. وهكذا بمقدور قصة واحدة أن "تَشغل كوناً" مثلما عبَّرت مونرو يوماً. إنها تلك اللحظة الموهمة بالكشف الوجودي والتنوير المباغت التي تجسد من قصصها عالَماً فسيح الأركان، ومع ذلك لو حاول ناقد حذف كلمة قد يظنها شاردة، سوف تختل الدراما، فلا فسحة للهدر في هذا الأدب.

لم تخلف مونرو ركناً في التجربة الإنسانية إلا وطرقته، ها هو الحب والعمل وفشل كلاهما: ورطة الأنثى حين ترتطم بحقيقة البلوغ وتوقها إلى الطموح، في مجموعتها القصصية "سعادة مفرطة" (2009) تقاسم الكاتبة الأميركية لويز إردريك هوسها بالزمن وعجزنا عن كبحه أو رد تبعاته؛ تحاذي آيات الفانتازيا النادرة في أدبها المعتاد المألوف، ويتشابك الإثنان على نحو يستدعي الحياة استدعاء عفوياً.

الحق أن ما يجعل مونرو أيقونة للقصة القصيرة هو ما ينطوي عليه أدبها من واقعية تحتمل الصدق أو الكذب. لن تجد بين سطورها محاكاة مبتذلة للواقع. وللمفارقة يتوازى المألوف والاستثنائي في مجموعتها القصصية "الكراهية، الصداقة، الغزل، الحب، الزواج" (2001) كي تسدد عيناً كاشفة إلى ظاهرة "واقعية الابتذال"، واقعية تنقلب في أدبها سحراً وأحياناً فانتازيا مبطنة.

وهكذا يرتاب القارئ في الواقعية ذاتها، لا بأسلوب يتعمد تذكير القارئ بأن ما يطالعه ما هو إلا خيالا محضا، وإنما من خلال استغلال مونرو "لأثر الواقعية" خير استغلال ثم تقويضه عبر طرح عدة احتمالات بديلة في الإطار الأدبي ذاته. وعليه تسبغ هذه الإستراتيجية المواربة وهذا المستوى الغائب للمعنى خطاباً يومئ دون كلل إلى فجوة بين الإبداع والواقع الممثِّل له.

تنزع مونرو في الأغلب إلى سرد يتمعج في طبقات ويتجول زمنياً إلى الماضي وإلى المستقبل، ومع ذلك لا يستهويها الصخب الأدبي أو الأساليب الشبيهة بالمتاهة. تستحضر في مجموعتها القصصية "المشهد من كاسل روك" (2006) تاريخاً عائلياً لا يَسلم من شطحات الخيال، ويتمحور حول موضوع أزلي إلى درجة البدائية – انهماك المراهَقة بالوعي بالذات – ومن هذه النقطة المحصورة حتماً في إطار اجتماعي ضيق، ترسم مورنو كوميديا إنسانية يتردد صداها عميقاً ليشمل ما يتخلل الحب والحياة والموت من عجب ونضارة.

ولَّت في مجموعتها القصصية "الهاربة" (2004) وجهها شطر كادحين في منتصف العمر، ونساء يكابدن الوحدة، وشيوخ يتطلعون بلهفة تارة وندم تارة إلى المنصرم.

تحسر المجموعة النقاب عن غموض يلف حياتنا: "ساخر وجاد في الوقت نفسه"، "شعارات الوَرَع والرعب والتعصب المتقد، معرفة متفردة لا جدوى منها، أطنان من الصراخ والغضب المغلف بالسعادة". وإن لا تفارقها الحدة حين تصور صراعات الطبقات الاجتماعية ولهاث القروي من أجل الفرار منها.

تبلغ في قصتها "الدب يصعد الجبل" (1999)، والتي تحولت إلى فيلم سينمائي تحت عنوان "بعيداً عنها" (2006)، أوج رقتها الأدبية. ترنو إلى ما يفرضه الزواج من التزامات وما يرافقه من ألم حين ترحل زوجة روحياً وتقع فريسة مرض الزهايمر، بل وتقع – عجوزاً تقهقرت إلى سن طفلة – في حب مريض آخر بالزهايمر، تحت سمع وبصر زوج بالكاد تتذكره. قد يظن القارئ العربي أن حال القصة في العالم الغربي مختلف حتماً عنه في العالم العربي، فمنذ أعلن الناقد المصري جابر عصفور متجنِّياً أنه "عصر الرواية" همدت بشكل أو بآخر همم القاصين العرب متكلسة عند عتبة القص. المثير أن قاصي العالم الغربي يخضعون للواقع المشين نفسه. ولا ينقطع النقاد عن ترديد أن القصص ليست روايات قصيرة أو تمهيداً لها، وإنما نوع أدبي مستقل بذاته.

وفي وقت ما نسَت ثقافتنا الأدبية هذا الفارق وسلَّمت في إهمال أكاليل الغار إلى الروايات. وهذا الفوز المستحَق تذكِرة بما يمْكن أن تأتي به القصة القصيرة دون غيرها.

ها هي "قديسة القص" وفقاً لتعبير الكاتبة الكندية مارجريت أتوود تفرض أستاذيتها على مناهج ثقافية ولغوية تسود منطقة بعينها. في عالم مونرو تتألق شخصيات لا تعكس أية حنكة، يتبدون أمام أعيننا وكأننا التقينا بهم صدفة في السوق، إنهم كل فرد منا، يأخذون بأسباب حياة محدودة مهمشة ليمثلوا البشرية بأسرها بلغة تتراوح بين المكبوح والصريح، مسهبة حين تقرر مونرو أن تقود القارئ بلا حول ولا قوة إلى كثافة أخلاقية حرية بروايات القرن التاسع عشر الإنكليزية، ومقتضبة حين تتوخى السرية وتفرض بالاشتباك، ومن المغري هنا أن أستعير تعبير الروائية الأميركية جين سمايلي حين أعلنت أن كاتباً أياً كان "سوف يحدق ببلاهة حين يقرأ أدب مونرو".

15