أليف شفق كاتبة تروي قصصها لأصدقاء متخيلين

السبت 2014/03/29
شفق التركية التي تثور ضد المجتمع الذكوري

استطاعت الروائية التركيّة أليف شفق، المولودة في العام 1971، خلال سنوات قليلة أن تصنع مجداً أدبيّاً في عالم الرواية، وأن تخلق ضجة كبيرة في عموم تركيا. وفي ذات الوقت يبدو أنّها تمشي بخطوات واثقة على الدرب التي مشى عليه مواطنها، الحائز على جائزة نوبل في الأدب لعام 2006، الروائي التركي الأشهر أورهان باموك. تلك الدرب المليئة بالشهرة والتقدير وترجمة الأعمال وأرقام مبيعاتها… وكذلك بالملاحقة القضائيّة بذات التهمة التي وُجهت لأورهان من قبل.

أليف شفق ينظر إليها الأتراك على أنّها صارت تمثّل روح تركيا الجديدة نحو تغيير ما تَلَبّسَهُم من ماضٍ ثقيل، وكذلك لتغيير فكرة العالم عنها. العالم الذي يظلّ ينظر إلى بلدها بنظرة تعالٍ منذ مئات السنين، على الرغم من أنّ أليف شفق أهانت “الهويّة التركيّة”، ومثلت أمام المحكمة في عام 2005 بذات التهمة التي لاحقت أورهان باموك. إنّ هذا الأمر مثير للاهتمام والفضول، وسنحاول الإضاءة عليه هنا، وعلى جوانب أخرى من حياة وأفكار أليف شفق.


نساء في مجتمع ذكوري


عندما تمّ الانفصال بين والدي شفق، عادت بها والدتها من فرنسا إلى منزل أمّها، جدّة أليف، المقيمة في مدينة أنقرة التركيّة. وفي الوقت الذي كانت والدة شفق امرأة تركيّة مثقفة وعلمانيّة وعصريّة على الطراز الغربيّ، كانت جدّتها أكثر روحانيّة وأقلّ ثقافة وعقلانيّة. فقد كانت جدّتها تقرأ الفنجان لضيوفها كي تُحدّثهم عن أقدار حصلت لهم، وأقدار تنتظرهم. وكانت تشفي المرضى وتذيب الرصاص في أشكال غريبة للحماية من العين والحسد. بمعنى آخر، كانت شفق تراقب، وتحت عناية، عالمين أنثوييّن مختلفين ومتباعدين، إضافة إلى أنّها كانت الابنة الوحيدة لامرأة عزباء ومطلقة تعيش في عالم ذكوريّ كبير ومتماسك هناك في أنقرة. ولكن تلك السلطة االذكوريّة لم تكن موجودة في بيت جدّتها. اسمها الحقيقيّ هو أليف بيلغين نسبة إلى والدها الفيلسفوف التركيّ نوري بيلغين. ولكنّ أليف عندما بدأت بنشر قصصها أصرّت على أن تحمل اسم أليف شفق، وهو الاسم الأول لوالدتها شفق أتيمان، وليس أليف بيلغين؛ بسبب أنّ والداها انفصلا وهي في السنة الأولى من عمرها، ورعتها أمّها شفق أتيمان واهتمّت بإنضاج مواهبها في الكتابة ولو بالدعم المعنويّ، عندما جلبت لها كرّاساً فيروزيّ اللون وأقلاما للكتابة. لأنّها انتبهت إلى أنّ ابنتها تقول قصصاً لأصدقاء وهمييّن، أو تسردها لدميتها كي تنام. وكذلك عندما انتبهت الأمّ إلى أنّ ابنتها تعتذر للطاولة، وبقيّة الأشياء في البيت، عندما تصطدم بها!، فأصيبت الأمّ بالرّعب من أن تكون أليف تعاني من خلل عقليّ ما.

تتحدث شفق عن ذلك بقولها: “بدأت الكتابة وأنا في الثامنة من عمري بمساعدة أمي التي كانت تخاف على صفاء عقلي؛ لأنّها كانت تراني أروي القصص لأصدقاء خيالييّن. كنتُ طفلة انطوائيّة إلى حدّ التواصل مع أقلام التلوين الشمعيّة، وكنتُ أعتذر من الأشياء (الجامدات) إذا اصطدمتُ بها. لذلك ظنّت أمي بأنّه قد يكون من الأفضل لي أن أدوّن مذكراتي وخبراتي اليوميّة وانفعالاتي. والذي لم تكن تعلمه (أمي) هو أنّ حياتي شديدة الملل، وأنّ آخر ما كنتُ أريد القيام به هو الكتابة عن نفسي. وعوضاً عن ذلك صرتُ أكتب عن أشخاص غيري، وعن أشياء لم تحدث في الواقع. ومن ثمّ بدأ الشغف الأبديّ بالكتابة”.

في أسبانيا تعرضت شفق لصدمة نفسية مثلها 'التنميط الثقافي'، فقد كان الأطفال يسألونها عن عدد السجائر التي تدخنها في اليوم، رغم أنها كانت في العاشرة من عمرها، لأنهم يظنون أن جميع أهل الشرق مدخنون شرهون. أو يسألونها عن السن الذي سترتدي فيه الحجاب

وجاء ذلك الدعم المعنويّ كذلك من خلال شخصيّتها المثقفة والعلمانيّة. وأثّر في تجربتها أيضاً عمل والدتها في السلك الديبلوماسيّ، ومرافقة أليف لها في كلّ سفراتها، من فرنسا إلى أسبانيا إلى الأردن وألمانيا ثمّ العودة إلى أنقرة واسطنبول في نهاية المطاف.


الآخر والصدمات


ستكون وجهة شفق الأولى إلى مدريد في أسبانيا، بسبب عمل والدتها، وهي في العاشرة من عمرها. وفي المدرسة ستكون التركيّة الوحيدة في صفوف تحوي كلّ الجنسيّات. سيكون هذا الانتقال مؤثّراً من ناحيتين؛ فهي ستترك ذلك البيت والحيّ المؤمن بالخرافات والمليء بالمنتمين للطبقة المتوسّطة، وتذهب لمدرسة عالميّة راقية، ومدينة حديثة مثل مدريد. ومن جهة أخرى ستلتقي هناك، للمرّة الأولى، الآخر الأجنبيّ أو “الممثّل الأجنبيّ”.

بسبب تنوع جنسيّات طلاب تلك المدرسة، بدا الأمر وكأنّ الأطفال يمثّلون “أمما متحدة صغيرة” هناك، على حدّ تعبير شفق. ولكن المشكلة في الأمر أنّه لم يكن يُنظر لكلّ طفل كفرد مستقلّ؛ بل على أساس أنّه يُمثّل شيئاً أضخم بكثير؛ كأن يكون ممثلاً لأمّة أو دين ما. فإذا حدث أمر سلبيّ لأمّة ما، كان الطفل الذي “يمثّلها” يتعرّض للسخرية والتهكم، وربّما للمضايقات التي لا نهاية لها. تقول “كان عليّ أن أعاني، لأنّه خلال فترة التحاقي بالمدرسة حدث انقلاب عسكريّ في بلدي، وحاول مسلّح من بلدي (تقصد محمد علي آغا) اغتيال يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان في عام 1981، وحصلت تركيّا على درجة الصّفر في مسابقة ‘يوروفيجس‘ للأغنية.. لقد تغيّبتُ كثيراً عن المدرسة تلك الأيّام، وحلمتُ في تلك الفترة أن أصبح بحّارة”.

الصدمة الأخرى التي ستتعرّض لها شفق هناك هي “التنميط الثقافي”؛ فقد كان الأطفال يسألونها عن عدد السجائر التي تدخنها في اليوم، رغم أنّها كانت في العاشرة من عمرها، لأنّهم يظنّون أنّ جميع الأتراك مدخنون شرهين. أو يسألونها عن السنّ الذي سترتدي فيها الحجاب. لأنّ الصور النمطيّة الأساسيّة عن بلدها تركيّا لدى الغرب هي ثلاث صور: السياسة والسجائر والحجاب.

ضدّ هذه الأفكار النمطيّة، ستلتصق شفق بكتابة القصص في تلك الدفاتر التي كثر عددها، وستحفظ تخطيطات الكثير منها في مخيّلتها. حيث منحتها كتابة القصص إحساساً بالمركزيّة والاستمراريّة والتماسك، وهي الأمور الثلاثة التي كانت تحتاجها، وتنقصها في تلك الفترة التي تميّزت بتلاحق الصدمات.

أليف شفق ورغم محاكمتها على استخدام شخصية الأرمني، ما زالت كتبها تحقق أعلى المبيعات، وتحوز تضامن النساء التركيات اللواتي ينظرن إلى سيرها وصعودها سلّم مجد الرواية العالمية بنظرة إعجاب كبيرة، هي حائزة، دون منازع على لقب الروائية الأكثر شعبية في تركيا


مخيلتي كانت حقيبتي الوحيدة


بعد أسبانيا ستسافر شفق، مع والدتها، إلى الأردن وألمانيا، قبل أن تعودا من جديد إلى أنقرة، ثمّ تنتقل شفق إلى اسطنبول، في منتصف العشرينات من عمرها، المدينة التي تعشقها، والتي ستشتهر فيها بنشر القصص في الصحف الكبرى، ثمّ الروايات التي ستنقلها إلى عالم آخر. “أينما ذهبت شعرتُ وكأنّ مخيّلتي هي الحقيبة الوحيدة، التي يمكنني أخذها معي”، تقول شفق باختصار عن تلك الحياة غير المستقرّة في مكان ما.

التحقت شفق بكليّة النساء في بوسطن، ثم ميشيغان، في الولايات المتّحدة الأميركيّة، فخاضت تجربة الانتقال تلك على أكمل وجه. ولا يُقصد بالانتقال هنا، الانتقال الجغرافيّ، بل التحوّل اللغويّ هو المقصود، حيث اجتهدت شفق في التمكّن من إجادة اللغة الإنكليزيّة لتصل لمرحلة كتابة الروايات بتلك اللغة.

كذلك إتقان الإنكليزيّة كان سبباً جديداً لتغييّر كتابتها ومخيّلتها وقراءاتها؛ وذلك من خلال الارتباط بلغتين مختلفتين جذريّاً عن بعضهما البعض، فاللغة التركيّة، لغة شاعريّة وعاطفيّة إلى حدّ كبير، بينما اللغة الإنكليزيّة هي لغة منطق وحساب وعقل.

كان الغرب ينتظر منها أن تنقل تلك القصص الغريبة عن الشرق. وكانت تكتب الرواية ضمن طبقات متعددّة وشخصيّات كثيرة، وقصص متوالدة. “أنا قاصّة. هذا هو عملي في الحياة: سرد القصص وكتابة الروايات”. هكذا تتحدّث شفق عن نفسها، وعن عملها الذي تتقنه في الحياة. سرد القصص هو دورها في هذا العالم الكبير. ولكنّ الغرب أصيب بخيبة أمل نوعاً ما؛ عندما لم تظهر شفق منحازة لهويّة معيّنة، بل منحازة للفن والأدب نفسه. وهنا ستُصدَمُ شفق من جديد، فما عانته وهي طفلة في تلك المدرسة في مدريد، عادت لتعاني منه من جديد في الأدب. فالكتّاب لا يُنظر إليهم كمبدعين منفردين، وإنّما كممثّلين لحضاراتهم الخاصّة. “عندما تحاول سياسة الهويّة أن تفرض مسمّياتها علينا (ككتّاب) تصبح حريّة التخيّل لدينا في خطر”، هذا التصريح من شفق يُعيدنا إلى روايتها الشهيرة “لقيطة اسطنبول”، التي حوكمت من أجلها، بأنّها وضعت شخصيّة “الأرمنيّ” ليس من باب محاربة الهويّة التركيّة أو الوقوف إلى جانب الأرمن، بل لأنّ القصّة قد حدثت، وهي ترويها كقصّة لا كموقف سياسيّ.


جوائز وترجمات ومبيعات


ليست تلك الملاحقة القضائيّة لشفق، السبب الّذي جعل القارئ الغربيّ يكتشف مواضيع كتبها الشيّقة والشائكة، والتي يستمتع الكاتب الغربيّ بملاحقتها في حياة الشرق القديمة؛ كحكايا المتصوّفين والحريم والنقّاشين والروح العثمانيّة التي ما زالت تطفو هناك، حيث تغوص رواياتها في صفحات التاريخ ومفاهيم الحداثة والقوميّات والحروب والذكوريّة والأنوثيّة، بل بإبداعها في الكتابة.

الكثير من الجوائز الأدبية حصدتها أليف شفق عن رواياتها التي تكتبها باللغتين التركية والإنكليزية؛ ومنها جائزة 'رومي' لأفضل عمل أدبيّ في تركيا عن روايتها الأولى 'الصوفية'، أما 'لقيطة اسطنبول' فقد بيعت منها 550 ألف نسخة

ملاحقة باموك قضائيّاً اختلفت عن حالة شفق؛ فأورهان باموك فقد اسطنبول التي كتب عنها كتاباً ضخماً وجميلاً، سمّاه اسطنبول، في قواعد تكوين المخيّلة الروائيّة عنده. وبعد مضي سبع سنوات على مغادرته إلى الولايات المتحدة الأميركيّة في فبراير من عام 2007، ما زال يأخذ مسألة التهديد بقتله على محمل الجد. بينما شفق ما زالت كتبها تحقّق أعلى المبيعات، وتحوز تضامن النساء التركيّات الناظرات نحو سيرها وصعودها سلّم مجد الرواية العالميّة، نظرة إعجاب كبيرة. فهي حائزة، دون منازع خلال ما يُقارب العقد من الزمن، على لقب الروائيّة الأكثر شعبيّة هناك.

حصلت شفق على الكثير من الجوائز الأدبيّة، عن رواياتها التي تكتبها باللغتين التركيّة والإنكليزيّة؛ ومنها جائزة “رومي” لأفضل عمل أدبيّ في تركيّا عام 1998 عن روايتها الأولى “الصوفيّة”. وحصلت روايتها الثالثة “النظرة العميقة” على جائزة اتحاد الكتاب الأتراك في عام 2000.. بينما حققت روايتها الرابعة “قصر البرغوث” أعلى نسب المبيعات في تركيا.

الرواية التي ستلفت الأنظار إليها، وستعطي لاسم شفق أملاً جديداً في الصعود نحو العالميّة، هي رواية “لقيطة اسطنبول”، التي حققت في عام 2006 أعلى المبيعات أيضاً. كما حقّقت روايتها الثامنة “قواعد العشق الأربعون”، أو “عشق” كما ورد في عنوان الطبعة التركيّة، التي صدرت في الولايات المتحدة الأميركيّة في عام 2010، وترجمت إلى اللغة العربيّة مؤخّراً عن دار الآداب اللبنانيّة، نسبة أكبر مبيعات في تركيّا، حيث بيعت منها(550) ألف نسخة. وصدرت منها عشرات الطبعات، تقدّر بمئة وخمسين طبعة خلال ثمانية أشهر.

بالإضافة إلى الطبعات العديدة والمتتالية لرواياتها بشكل عام، فقد ترجمت أعمال شفق إلى ثلاثين لغة عالميّة… إذا ستنقذ القصص والكتب والروايات تلك الطفلة الانطوائيّة والخجولة أليف شفق، لتأخذها إلى عالم كامل من الخيال والوحدة!!.

15