أليف شفق وتابوهات الشرق

مواجهة التطرف والتشدد الديني يقابله عدم تشجيع التيارات الفكرية التنويرية، الأمر الذي يعني فقدان البوصلة الاجتماعية لمجتمعات الشرق الأوسط.
الأحد 2018/04/15
هل ما زالت التخمة المالية تخفي عيوبنا؟ (لوحة: أسعد عرابي)

الدين والمرأة والسياسة، مواضيع ما إن تتطرق إليها إلا ويُشن عليك هجومٌ ضارٍ، تختلف حدته من بلد إلى آخر في الشرق الأوسط. لم تترك أليف شفق تابوها شرقيا وبالأخص تركيا إلا وأدمته. أسالت دماء غزيرة في روايتها الأخيرة بنات حواء الثلاث بحجم الجروح العميقة التي أحدثتها.

من يجرؤ على المناداة بإصلاح الإسلام؟ سمعنا عن تحديث الخطاب الديني، والمطالبة بمواكبة بعض قواعد الفقه لمتطلبات اليوم، لكن شفق تريد إصلاح الدين! فماذا قالت “كل الديانات، اليهودية والمسيحية… تعرضت إلى إصلاحات، إلا الإسلام فلم تدخل عليه أيّ تغيرات حتى يلائم عالم اليوم لأن النظرة إلى الكتاب المقدس والأحاديث مطلقة لا لبس فيها، فلذا إن التغيير محرّم، فكيف يمكننا أن نطور هذا الدين؟”.

لماذا تطرح شفق هذا الجدل؟ الذي تم عبر ثلاث شخصيات اختارتها بعناية، وهي الآثمة (شيرين الإيرانية التي ثارت على الموروث الديني باعتباره مرادفا للقمع والتخلف)، والمؤمنة (منى المصرية ذات التوجه المحافظ الذي لا يقبل الجدل في ما تعتقده من مسلمات) وأخيرا المشوشة (التركية بيري) التي وقعت فريسة للصراع بين الموروث وبين الانفتاح، وأين؟ في واحدة من أهم معاقل الفكر التنويري، جامعة اكسفورد؟ مما أفسح المجال لظهور كل النقائض في الجدل.

 فبعد الهجوم على الدين تأتي لتذكر على لسان إحدى بطلاتها في الرواية “نحب الجدل في الدين تاركين قضايا جوهرية لنترك الإسلام في سلام، لنتحدث عن الفجوة بين مداخيل الأفراد، هجرة الأدمغة، صناعة الحروب، قرون من السلب والنهب جعل الغرب يصل إلى هذا المستوى من الثراء”.

تيارات فكرية يموج بها الشرق الأوسط ما بين التشدد، والليبرالية، والعلمانية، حتى في أكثر المجتمعات تشددا، وهو أمر طبيعي لتطوّر المجتمعات وليس جديدا على المجتمعات المسلمة، فقد كانت الحركات التنويرية التي قادها الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني في القرن التاسع عشر تمثل انعكاسا لهذا الصراع بين الموروث والتطور.

وفي القرن العشرين، نجد ثورة الشيخ مصطفى عبدالرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، وطه حسين في كتابه عن الشعر الجاهلي يمثلان مواجهة شجاعة للموروثات الجامدة (التابوهات) بإخضاعها للمنطق العلمي.

أما في وقتنا الحاضر، فقد اتخذ هذا الصراع شكلا أكثر عنفا مع ظهور الأفكار المتشددة التي تحاول أن تفرض رؤية ظلامية للدين، وتتخذ من العنف وسيلة للإرهاب لكل من يحاول إنقاذ الدين بالانحياز إلى تطورات العصر ومتطلبات التقدم.

حين تقرأ هذه الرواية تتشكل في ذهنك خارطة بطرق متشابكة من المكونات الأساسية: المعتقدات، وأنظمة الحكم، لتلتقي عند عُقد الحياة الاجتماعية

إن مواجهة التطرف والتشدد الديني يقابله وبشكل غريب أيضا عدم تشجيع التيارات الفكرية التنويرية، الأمر الذي يعني فقدان البوصلة الاجتماعية لمجتمعات الشرق الأوسط، والذي حتما سيصل إلى نقطة تتطلب من الحكومات أن تحسم أمرها مع أي من التيارات ستنحاز.

“الحقيقة عملة نادرة وقولها يثير البهجة” من هذه القاعدة وضعت أليف شفق يديها على تابوهات كثيرة غير عابئة بردود الأفعال. فتجرأت على ذكر المسكوت عنه “إن التعصب موجود في كل الديانات وعلينا أن ندينه ولا ننسى أنفسا، فمن يستطيع أن ينكر أن التطرف موجود في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر، والتحرش بالنساء حتى في الأماكن المقدسة، لماذا نشعر نحن النساء بالحرج ولا يشعر به من يتحرش بنا؟”.

 إن كل ذلك غير مستغرب من شفق، فهي لم تبدأ نضالها النسوي في هذه الرواية، فقد نالت عن أطروحة الماجستير “الجندر والدراسات النسوية”، جائزة من معهد علماء الاجتماع.

شفق حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية، فما هو تابوه السياسية الذي طرقته في الرواية؟ سلطت شفق الضوء على النقاش الدائر في الشرق الأوسط حين ذكرت على لسان أحد الشخصيات “وما هي الديمقراطية إلا جدل تافه في أوروبا، فحين تنطلق دول غير ديمقراطية كسنغافورة والصين لأن القرارات بحاجة إلى تنفيذ في سرعة البرق في عالم سريع الحركة، ففي الشرق الأوسط مُنح الجهلة صوتا متساويا يشبه إعطاء طفل صغير علبة كبريت، وبهذا يمكن للبيت أن ينهار.

 فالدكتاتورية تؤدي إلى النفع العام بعد الفشل الذريع الذي أحدق بالربيع العربي، فأي شخص عاقل ينبغي له أن يدرك فوائد القيادة القوية والاستقرار، تذكروا ما أقوله الآن سوف يعاد رسم خارطة الشرق الأوسط الواضح؛ إن القوى الغربية لديها خطة هائلة”.

حين تقرأ هذه الرواية تتشكل في ذهنك خارطة بطرق متشابكة من المكونات الأساسية: المعتقدات، وأنظمة الحكم، لتلتقي عند عُقد الحياة الاجتماعية.

كان اختيارها للشخصيات في غاية الذكاء بيري التركية بطلة الرواية لها أبوان يجسدان صورة جدل المجتمع التركي ما بين المسلم المتشدد (سلمى أم بيري)، والعلماني المتشدد (منصور أبوبيري) “منصور العلماني لم يحتمل مظهر زوجته الخارجي المتشددة دينيا فقد كان مظهرها تتويجا لكل ما يشمئز منه ويحتقره في الشرق الأوسط.

 جهل المتدينين وافتراض أن حياتهم الأفضل لسبب واحد لا غير هو أنهم ولدوا في كنف الثقافة وتقبلوا من دون تمحيص كل ما يلقنون فكيف تجدهم واثقين إلى هذا الحد بتفوق معتقداتهم في حين أنهم لا يعرفون إلا النزر اليسير، إن كانوا يعرفون حقا، عن الثقافات والفلسفات الأخرى وأساليب تفكيرهم، في حين ترى سلمى في زوجها منصور غطرسة الحداثويين العلمانيين وادعائهم الرنان بوضع أنفسهم فوق المجتمع وبأنهم متنورون في حين أنهم لا يعرفون إلا الشيء القليل عن ثقافتهم ودينهم”.

قرأت أغلب روايات شفق، وليست هذه المرة الأولى التي تخرق فيها التابوهات، لكن هذه الرواية هي الأعمق والأقرب في الزمن لواقع اليوم. لا يمكن أن يرافقك الملل وأنت تقرأ لشفق بل تخاف أن يأتي الوقت وتنتهي الرواية. ختاما هل استطاع الأدب الخليجي القصصي أن يخترق كل التابوهات، ويطرح أسئلة الفكر الإصلاحي؟ وهل سنرى أليف شفق خليجية تجرؤ على ما لم يجرؤ عليه الأدب الذكوري؟ أم هل ما زالت التخمة المالية تخفي عيوبنا؟

10
مقالات ذات صلة