أليكسيس تسيبراس مشجّع كرة القدم الذي زعزع الاتحاد الأوروبي

السبت 2015/07/11
تسيبراس أمام تحديات الحاضر والمستقبل

خلال النصف الأول من العام 2015 حقق حزب سيريزا اليساري بزعامة أليكسيس تسيبراس البالغ من العمر 41 عاما انتصارين بالغي الأهمية في فترة تعيش فيها اليونان أزمة اقتصادية خانقة لم يسبق لها مثيل. تلك الأزمة اتسمت بتداعيات خطيرة لا على المستوى الداخلي فحسب، بل على مشروع الوحدة الأوروبية بجناحيها السياسي والمالي.

الانتصار الأول تحقق مطلع السنة الحالية حيث تمكن حزب سيريزا الذي كان حزبا راديكاليا صغيرا من الفوز بالأغلبية في الانتخابات العامة، أما الانتصار الثاني فقد تحقق له في الخامس من شهر يوليو 2015 حين صوّت أزيد من ستين بالمئة بـ”لا” منتصرين بذلك الى أليكسيس تسيبراس الذي طالبهم برفض سياسة التقشف التي فرضتها عليهم “ترويكا” الاتحاد الأوروبي والبنك الأوروبي و البنك الدولي.

ابتزاز وإرهاب

الترويكا كان تسيسبراس يصفها بالابتزازية”، أما وزير المالية في حكومته يانيس فاروفاكيس فقد اعتبرها “إرهابية”، وحال فوزه في استفتاء الـ”لا”، خاطب تسيبراس اليونانيين قائلا: قياساً إلى الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا راهنا، أعتقد أنكم صوّتم للاختيار الأفضل. وأنا واع جدا بأن المسؤولية التي حملتموني إياها، ليس الهدف منها إحداث القطيعة مع الاتحاد الأوروبي، وإنما لتعزيز موقفنا في المفاوضات للعثور على الحل الممكن”.

جورج كاتروغالوس وزير الوظيفة العمومية، والناطق الرسمي باسم الحكومة اليونانية، صرح للصحافة العالمية قائلا: إن نسبة التصويت بـ”لا” فاقت كل تصوراتنا. وهي نسبة رائعة تعكس عزم شعبنا على رفض سياسة التقشف، والمطالبة بإقامة وحدة أوروبية تضمن الحقوق الاجتماعية، وتعمل على إرساء دعائم التضامن بين مختلف دول الاتحاد.

أزمات تنجب سياسات

أول ما يلفت الانتباه هو أن أليكسيس تسيبراس واحد من الوجوه السياسية الجديدة التي برزت خلال فترة احتدام الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها أوروبا منذ عام 2008 والتي عجزت الأحزاب التقليدية، اليمينية والاشتراكية، في إيجاد حلول لها، بل لعلها ساهمت في تفاقمها بسبب تراكم الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها في شأنها. وقد بدأ أليكسيس تسيبراس المولود في أثينا العام 1974 حياته في حي تسكنه الطبقة المتوسطة. وخلال سنوات الطفولة والمراهقة لم يظهر أيّ اهتمام بالسياسة، بل كان ينفر منها. وحدها كرة القدم كانت تستهويه، لذا كان يتابع باهتمام كبير جلّ المباريات المحلية والعالمية.

لكن في العام 1987، عاش حدثا عاطفيا سوف تكون له انعكاسات مهمة على مسيرته، وعلى توجهاته، فقد تعرف في المعهد الذي كان يدرس فيه إلى باريستيرا بازيانا الملقبة بـ”بيتي”، والتي كانت لها ميول يسارية، وتحت تأثيرها انضم إلى الحزب الشيوعي اليوناني، ومعها قاد تظاهرات طلابية مطلع التسعينات من القرن الماضي بهدف إرغام الحكومة على التراجع عن إصلاحات في البرامج الدراسية.

ستاتهيس كوفيلاكيس أستاذ في الفلسفة السياسية بجامعة لندن يقول في تعليقه على الاستفتاء \'إن الانتصار الذي تحقق له في استفتاء يوم الأحد 5 يوليو 2015، سوف يسمح لتسيبراس بأن يكون أقوى من ذي قبل في التفاوض مع المؤسسات الأوروبية. فالأمر يتعلق الآن بالقطيعة مع سياسة التقشف مهما كانت التكاليف، حتى ولو أدى ذلك إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي\'

وبعد تخرجها من الجامعة، أصبحت بيتي مهندسة وإعلامية، أما أليكسيس تسيبراس فقد أصبح يعمل في الهندسة المدنية موليا السياسة اهتماما أكثر من ذي قبل، ومشاركا في كل التظاهرات التي تقوم بها المعارضة اليسارية ضد سياسة الحكومة. وكانت بيتي تدفعه إلى المزيد من الراديكالية، لذلك فقد ابتعد عن الحزب الشيوعي الذي حافظ على توجهاته الستالينية، ليصبح من الوجوه البارزة في اليسار الراديكالي.

وحتى بعد أن سطع نجمه، ظل هذا التأثير قائما، بل إن البعض من المقرين منه يؤكدون أنه، أي تسيبراس، لا يتخذ أيّ قرار، ولا يتقدم خطوة إلى الأمام، أو يتراجع خطوة إلى الوراء إلا بمشورة منها. وهو نفسه قال للرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند خلال لقاء معه قبل الاستفتاء ألأخير بأنه إذا ما تراجع عن مواقفه فإنه لن يخسر حزبه فقط، بل زوجته أيضا.

مشروع تسيبراس

في العام 2004 كان أليكسيس تسيبراس من المساهمين الكبار في بعث حزب سيريزا (تحالف اليسار الراديكالي) فانضم إلى هذا الحزب شيوعيون انفصلوا عن الحزب الشيوعي المعارض للوحدة الأوروبية وأنصار المحافظة على البيئة وبعض من التروتسكيين والماويين القدماء الباحثين عن موقع في الحياة السياسية اليونانية.

والذين عرفوه في هذه الفترة من حياته، يقولون إن تسيبراس كان يتميز عن بقية رفاق حزبه بالكاريزما والصبر والهدوء في الأوقات العسيرة والمضطربة. لذلك سرعان ما تقلد زعامة الحزب بمباركة مطلقة من الأغلبية الساحقة من الأنصار.

ولدعم وحدة الحزب، والتقليل من الانقسامات والخلافات داخله، رفع تسيبراس الشعار التالي “علينا أن نتكلم في كل ما يوحّدنا، وأن نتجنب كل ما يقسّمنا ويفرّق بيننا”. لذلك لقّب بـ”التوافقي” لأنه تمكن رغم الصعوبات الكبيرة التي واجهها من أن يفرض التوافق بين الشيوعيين الكلاسيكيين، وبين الشبان اليساريين المتحمسين للمزيد من الراديكالية.

وبسبب السياسة الحازمة والرصينة التي انتهجها تسيبراس، ارتفعت شعبية حزب سيريزا ليحصل في الانتخابات العامة التي جرت في العام 2009 على ما يزيد على 36 بالمئة من أصوات الناخبين. وكان ذلك دليلا ساطعا على فشل الاشتراكيين في مواجهة الأزمة الاقتصادية التي بدأت تعصف ببلاد سقراط، وكان ذلك دليلا أيضا على أن تسيبراس يختلف عن السياسيين القدماء الذين أغرقوا البلاد في الفساد وفي الألاعيب السياسية المهلكة حفاظا على مصالحهم الخاصة. كما أنه كان رافضا الانخراط في نظام أثبت عدم نجاعته، وعجز المجالين السياسي والاقتصادي. لذا لم يعد يحظى بثقة الأغلبية الساحقة من اليونانيين المتطلعين إلى رؤى جديدة تتيح لهم ولبلادهم الخروج من عنق الزجاجة.

الذين يعرفون تسيبراس يقولون إنه يتميز عن بقية رفاق حزبه بالكاريزما والصبر والهدوء في الأوقات العسيرة والمضطربة. لذلك فقد تقلد زعامة الحزب بمباركة مطلقة من الأغلبية الساحقة من الأنصار

ولكي يثبت اختلافه مع الوجوه البارزة في الطبقة السياسية القديمة، حافظ تسيبراس على البساطة في العيش، مفضلا البقاء في الحي المتواضع الذي يقيم فيه مع زوجته، وملتقيا كبار الزعماء الأوروبيين من دون ربطة عنق.

وقبل أن ينجح حزبه في الانتخابات العامة، وفي الفوز بخمسة مقاعد في البرلمان الأوروبي، دأب تسيبراس على إلقاء خطب حماسية يندد فيها بشدة بـ”السياسة البربرية” و”الإجرامية” التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي تجاه بلاده.

وفي شهر مايو عام 2012 فوض رئيس البرلمان كارلوس بابالياس، أليكيسيس تسيبراس لتشكيل حكومة ائتلاف بعد أن أقر ساماراس زعيم حزب الديمقراطية الجديدة بفشله في ذلك، غير أنه فشل بدوره.

وبعد انتخابات مطلع عام 2015 أصبح تسيبراس رئيسا للحكومة، ليجد نفسه في وضع يسمح له بالتفاوض مباشرة مع حكومات الاتحاد الأوروبي. ويرى المراقبون أنه اختار في هذه الفترة أن يكون له وجهان. فأمام أنصاره حافظ على راديكاليته، منتهجا نفس الخطاب المناهض بشدة لسياسة التقشف، ولما يسميه بـ”حزمة الأوامر”، أما مع القادة الأوروبيين فإنه يحرص على إظهار اللين، والرغبة في العثور على الحلول الوسطية خلافا لوزير المالية يانيس فاروفاكيس، الذي لم يكن يتردد في مهاجمة نظرائه الآخرين، خصوصا فولفغانغ شتاوبل، متهما إياهم بالعمل على تركيع اليونان، وإهانة شعبها. وكان يؤكد في الاجتماعات على أن سياسة التقشف مرفوضة لأنها لن تؤدي في النهاية إلى أيّ نتيجة.

اليونان ما بعد الاستفتاء

بعد الاستفتاء، اكتسب تسيبراس القوة الشعبية التي يحتاجها لمواجهة حكومات الاتحاد الأوروبي، خصوصا الحكومة الألمانية التي لا تخفي غضبها منه، ومن “شطحاته”.

وفي تعليقه على الاستفتاء، قال ستاتهيس كوفيلاكيس، وهو أستاذ في الفلسفة السياسية بجامعة لندن “إن الانتصار الذي تحقق له في استفتاء يوم الأحد 5 يوليو 2015، سوف يسمح لتسيبراس بأن يكون أقوى من ذي قبل في التفاوض مع المؤسسات الأوروبية. فالأمر يتعلق الآن بالقطيعة مع سياسة التقشف مهما كانت التكاليف، حتى ولو أدى ذلك إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، وليس من الصدفة أن لا يتحدث تسيبراس عن اليورو في جميع الخطب التي ألقاها قبل الاستفتاء”.

وقال أحد الديبلوماسيين الذين تفاوضوا مع تسيبراس أكثر من مرة خلال الأشهر ألأخيرة “أعتقد أن تسيبراس نزيه في معتقداته اليسارية الراديكالية، كما أنه نزيه في معتقداته الأوروبية.غير أن ثقته بنفسه وبأفكاره تخفي افتقارا عميقا لتجربة أوروبية، وهو ليس واعيا بالوضع الحقيقي للقادة الأوروبيين الآخرين. وهو يعتقد أنه يكفيه أن يصمد لكي يخشاه هؤلاء ويتراجعوا عن قراراتهم”. أما صوفيا فولتابسي النائبة عن حزب الديمقراطية الجديدة في البرلمان اليوناني، فقد هاجمت تسيبراس بعد الاستفتاء قائلة: تسيبراس كذاب، وهو مجبر على مواصلة الكذب لكي يغطي على أكاذيبه السابقة، فقبل انتخابات مطلع عام 2015، ردد أمام أنصاره بأنه يملك حلولا لكل المشاكل. وبعد الانتخابات، اعترف بأنه لا يمتلك تجربة في الحكم، وبالتالي ليس قادرا على حل المشاكل القائمة. لذلك يمكنني أن أقول إننا نحن الذين صوتنا بـ”نعم” لم نخسر الاستفتاء بل الأكاذيب هي التي انتصرت.

12