أمازون تكسب الصراع مع "الكاشير"

اقتحمت شركة أمازون على عامل “الكاشير” حياته. ومن المتوقع أن يحول برنامج أمازون الجديد للتسوق الذاتي الملايين من عمال الكاشير إلى عاطلين عن العمل، إذ يعتمد على تسوق الزبون من السوبرماركت من دون الحاجة إلى الوقوف أمام شخص ما من أجل تسديد قيمة البضائع التي قام بشرائها، وبدلا من ذلك يخصم السوبرماركت “الذكي” قيمتها أوتوماتيكيا من حسابه المصرفي.
الثلاثاء 2016/12/20
الحنين إلى أيام الوظائف

لندن - تتحرك شركة أمازون بشكل حثيث للقضاء على ما تبقى من فكرة السوبرماركت على طرف الشارع التي شكلت وجدان أجيال ارتبطت بمحل التجزئة الذي تشتري منه أغلب احتياجاتها.

وتحولت الماكينات داخل السوبرماركت إلى واقع خلال الأعوام الماضية، خصوصا في سلسلة المتاجر الكبرى، لكن أمازون تحاول اليوم نقل التجربة إلى مستويات غير مسبوقة.

وعلى بعد مسافة قليلة من زاوية شارع سياتل في مدينة شيكاغو الأميركية، حيث تفتتح شركة أمازون متجرا صغيرا مستقبليا يستغني عن طوابير الدفع للمشتريات، وكذلك عن موظفي صناديق الدفع “الكاشير”، يتساءل محامي دفاع جنائي اسمه كورت ويل عن الأثر الذي ستحدثه هذه التجربة فيما يتعلق بمصدر رزقه.

يقول ويل “لدينا ثلاث أو أربع حالات سرقة من المتاجر في أي وقت من الأوقات. الأمر أشبه بتوجيه سؤال لمحامي دفاع يتخصص في حالات القيادة تحت تأثير الكحول عن رأيه في المركبات ذاتية القيادة. ستكون هناك بعض المشاعر المتباينة”.

صورت أمازون أول متجر بقالة لها، أعلنت عنه الأسبوع الماضي، على أنه متجر للبيع بالتجزئة يعادل سيارة ذاتية القيادة. المتجر المزود بأجهزة استشعار وبرامج مطورة، يتعقب تحركات الزبائن وهم يختارون الأشياء من على الرفوف، لذلك لن تكون هناك حاجة إلى دق الجرس عند الانتهاء من ذلك.

وأطلقت صحيفة “نيويورك بوست” على هذه التجربة “نهاية الوظائف”. ووفقا لمكتب إحصائيات العمل، فإن نحو 3.5 مليون شخص كانوا يعملون موظفين عند صناديق الدفع في المتاجر الأميركية العام الماضي، أكثر من أي مهنة أخرى باستثناء المبيعات.

ويتوقع مكتب إحصائيات العمل أن يرتفع ذلك الرقم بنسبة 2 في المئة فقط خلال العقد المقبل، أي أقل بكثير من زيادة بنسبة 7 في المئة يتوقعها المكتب للاقتصاد الأميركي برمته.

اتحاد التجزئة البريطاني أكثر كآبة حتى من ذلك، فهو يعتقد أن ثلث الوظائف في قطاع الصناعة سيختفي بحلول عام 2025، في الوقت الذي تستولي فيه التكنولوجيا على المزيد من المهام وتصبح أجور العاملين من البشر أعلى مما يمكن أن تتحمله محال السوبرماركت بسبب ارتفاع الحد الأدنى للأجور.

جورج بلاسا: الزبائن في قطاع صناعة الأغذية يبحثون عن التواصل والمشورة والخدمة، وهي أمور سيجدونها في متجر مادي

لكن تلك التوقعات ربما يكون مبالغا فيها. ويقول مارك فانديفيلد المحلل في صحيفة فاينانشيال تايمز “علينا ألا ننسى أن عدد موظفي المتاجر في الولايات المتحدة هو في الواقع أعلى قليلا الآن مما كان عليه عام 2005، على الرغم من مرور عقد على ابتكارات، مثل البيع بالتجزئة عبر الإنترنت، وعمليات التخليص الذاتية، وبطاقات الدفع الآلية التي تستخدم الأشعة تحت الحمراء”.

ويقول كثيرون إن هناك حاجة إلى موظفي المتاجر للحؤول دون إقدام المتسوقين على السرقة، لكن أيضا للحفاظ على ولائهم. ويستمتع الكثير من الزبائن باللمسة الإنسانية، أو أنهم يضيقون ذرعا بالتوبيخ من أحد الروبوتات عندما يكون وزن إحدى السلع في منطقة التعبئة أكثر مما تسمح به قاعدة البيانات.

وأدخلت “وولغرينز”، أكبر صيدلية في الولايات المتحدة من حيث المبيعات، القليل من عمليات التخليص الذاتي قبل ست سنوات، لكنها ألغتها عندما فشل الزبائن في التعود على التكنولوجيا. وعملت محال آلبرتسونز، وهي سلسلة متاجر في الولايات المتحدة، على استبدال بعض عمليات التخليص الذاتي لديها بمسارات إضافية للخدمة السريعة، تقول عنها “إنها أكثر كفاءة”.

وفي ألمانيا وجدت دراسة أجرتها أخيرا مجموعة آر بي آر الاستراتيجية أن هناك 3200 منفذ للتخليص الذاتي فقط في البلد بأكمله، مقارنة بـ48 ألف منفذ في المملكة المتحدة.

وقال ألان بيرت، من مجموعة آر بي آر “يرغب الألمان في وجود من يقدم لهم الخدمة. الأمر ليس نقصا في التكنولوجيا”، وحتى تجار التجزئة الذين استخدموا الأجهزة تغلب عليهم، كما قال، الرغبة في إعادة توزيع الموظفين في أماكن أخرى.

ويتفق معه جورج بلاسا، الرئيس التنفيذي لسلسلة متاجر التجزئة الفرنسية، كارفور، الذي شدد هذا العام على أن “الشبكة المادية هي الركيزة الأساسية”. وأضاف “الزبائن في قطاع صناعة الأغذية يبحثون عن التواصل والمشورة والخدمة، وهي أمور من المرجح أكثر أنهم سيجدونها في متجر مادي”.

وتتخلى سلسلة “تريد جوز”، محال السوبرماركت منخفضة الأسعار في الولايات المتحدة، عن التشغيل الآلي لمصلحة وجود موظفين محببين يفيضون بالإيجابية ويبذلون جهودا كبيرة من أجل إشراك الزبائن في محادثات جانبية كثيرة.

حتى “وولمارت”، سلسلة متاجر البيع بالتجزئة التي أدخلت أكشاكا لتخليص المشتريات ذاتيا في معظم متاجرها، توصلت العام الماضي إلى أن إنفاق المزيد على الموظفين هو الوسيلة الأفضل لإيقاف التراجع في المبيعات على مدى خمسة فصول متتالية، على الرغم من أن الشركة لا تزال تعمل على تقييم التشغيل الآلي الأعمق.

وللعاملين في مجال البيع بالتجزئة دور آخر أكثر أهمية حتى من التواصل مع زبائنهم. فالوظيفة الرئيسية لموظف المتجر، بحسب ما يعترف به بعض التنفيذيين بشكل خاص، هي منع هؤلاء الزبائن من التحول إلى لصوص.

ويرى مراقبون أن تكنولوجيا الخدمة الذاتية تعمل على مضاعفة فرص السرقة، بدلا من القضاء عليها. وراجع باحثون في جامعة ليستر معدلات السرقة في محال السوبرماركت في أوروبا والولايات المتحدة وتوصلوا إلى أنها كانت أعلى بمقدار الضعف في الأماكن التي تم تركيب أجهزة التخليص الذاتي فيها.

ويستخدم مالاي كوندو، الذي طور نظاما للتعرف على الوجوه للقبض على الإرهابيين في المطارات، الآن تكنولوجيا مماثلة للقبض على مجموعة متزايدة من لصوص المتاجر التي أدخلت نظام تخليص المشتريات الذاتي.

وتربط شركته “ستوب ليفت” صناديق الدفع في محال السوبرماركت ببرنامج يحلل الصور التي تلتقطها كاميرات أمنية ذات دائرة مغلقة، للتحقق مما إذا كان يجري وضع سلع باهظة الثمن مثل اللحم داخل الكيس عندما تمر من خلال الماسح الضوئي سلع أرخص ثمنا فقط مثل الجزر.

الشركة تلحق السيارة ذاتية القيادة بسوبرماركت ذاتي الخدمة

وقال “لا أحد يرغب في أن يتعرض للاتهام بالسرقة. نحن نقوم بإشعار البائعين بحيث يمكنهم التوجه إلى الزبائن وتقديم بعض الخدمات الودودة لهم من خلال القول لهم بلطف: عفوا، على ما يبدو أن هذه السلع لم يتم تفحصها من خلال الماسح الضوئي”.

ويحتمل أن تتفاقم المشكلة إذا سمحت المزيد من محال السوبرماركت لزبائنها بتجاوز خدمة الدفع المعتادة للمشتريات، من خلال المسح الضوئي للسلع أثناء التسوق. وتعكف متاجر وولمارت على إدخال نظام في وحدة الخصومات في “نادي سامز”، في حين أن متجر جيه سينزبري واحد من بين المحال التجارية التي تحاول اختبار النظام في بريطانيا.

وقالت أليس بلاند، المسؤولة عن تجربة سينزبري “معظم زبائننا صادقون”، مضيفة أن “بعض الناس يقومون حتى بالمسح الضوئي للسلعة نفسها مرات عدة لتجنب الوقوع في خطأ مهين”.

مع ذلك، تطلب متاجر سينزبوري، كغيرها من محال السوبرماركت الأخرى التي تعمل على تجربة النظام، من الزبائن المستخدمين له الانتظار في طابور أمام مخرج يشرف عليه أحد الموظفين قبل مغادرة المتجر. ولهذا السبب يمكن أن تشكل تجربة أمازون مثل هذا التهديد الخطير لأرزاق الملايين من الناس. ولا تهدف هذه التكنولوجيا إلى جعل عملية السرقة صعبة فقط، بل مستحيلة نظريا. إذا لم يعد الزبائن ملزمين بالإعلان عن السلع التي اختاروها من المتجر، فستكون هناك فرصة أقل للخداع والسرقة.

ويقول ويل “بمجرد أن تعبر من خلال جهاز الماسح الضوئي، تكون لك أساسا حرية التصرف”.

وأضاف “أعتقد أنه إذا أمسك أحدهم بالهاتف الذي تريد شراءه وتصرف بعنف هناك، فهذا يعتبر جريمة. خلافا لذلك، تأخذ ما تريد من على الرفوف وتخرج، وإذا كان هناك أي خلل، يكون ذلك من مسؤولية أمازون من وجهة نظر القانون الجنائي”.

ولم تذكر أمازون الكثير حول كيفية الاستغناء عن تكنولوجيا “ما عليك سوى الخروج” التي تستخدمها واستبدالها بمنصات الاصطفاف والتخليص مع المراقبة الافتراضية لكل ساندويش أو عصير يختاره المتسوق من على الرفوف.

لكن طلبات الحصول على براءات الاختراع التي تقدمت بها في العام الماضي تكشف عن خطة لوجود بيئة للبيع بالتجزئة في ظل مثل تلك الرقابة المكثفة بحيث تحاكي “بانوبتيكون” وهو سجن صممه الفيلسوف جيريمي بينثام ليكون “مطحنة لتحويل المحتالين إلى شرفاء”.

مارك فانديفيلد: عدد موظفي المتاجر أعلى قليلا الآن مما كان عليه عام 2005، رغم مرور عقد على ابتكارات، مثل البيع بالتجزئة عبر الإنترنت

ولتحديد ما يشتريه المتسوقون، تتوخى براءة الاختراع تعقب كل زبون وهو يتجول داخل المتجر. وتستخدم شركات التجزئة منذ الآن إشارات راديو لهاتف ذكي لقياس تدفق الأشخاص الوافدين إلى داخل متاجرها. واقترحت “أمازون” أيضا استخدام ميكروفونات لتحديد الموقع الثلاثي للزبون من خلال استخدام أصوات، كوقع الخطى.

وعندما يتم انتقاء إحدى السلع من على الرفوف، تستخدم الكاميرات إشارات، مثل لون الجلد وسخونة الجسد، لتحديد يد الزبون ومن ثم المنتج الذي تقوم اليد بالإمساك به. وتساعد أجهزة الاستشعار في الرفوف ومرسلات الراديو صغيرة الحجم الموجودة داخل غلاف المنتج في تحديد المنتج الذي تم اختياره، أو إعادته إلى الرف.

وإذا فشل كل هذا، يستطيع النظام البحث في عمليات الشراء السابقة التي أجراها العميل واللجوء إلى التخمين. وفي مقطع فيديو تم بثه عبر التلفزيون الأميركي هذا الشهر، أظهرت أمازون إحدى المتسوقات وهي تختار قطعة كيك من على الرف، ومن ثم تعيدها إلى مكانها، مع تسجيل هاتفها لكل حركة تقوم بها. ويجري تلقائيا تسجيل جميع المشتريات لحساب بطاقة الائتمان الخاصة بالزبون وهو يغادر المتجر.

لكن الواقع ربما يكون أقل مباشرة. ويقول كوندو “النظام الذي يحاولون تجربته رائع جدا، لكنه يعتمد على تقييد البيئة. هناك فواصل مصنوعة من البلاستيك هدفها التأكد من أن السلع والمنتجات لا تتحرك أفقيا. ماذا لو تخطى الزبون ذلك؟ ماذا لو كان هناك أطفال يأخذون السلع بعشوائية من على الرفوف ومن ثم يرجعونها؟ حينها سيتطلب الأمر حذقا ومهارة”.

في إشارة إلى أن أمازون ربما تكون بحاجة إلى فترة زمنية لا بأس بها من أجل إتقان نظام المراقبة لديها، يجري تزويد المتجر الخاضع للتجربة بمواد وسلع منخفضة التكلفة مثل الوجبات الجاهزة والشطائر، بدلا من السلع ذات العلامات التجارية التي تكون أكثر قيمة.

وبالنسبة إلى الوقت الحاضر، المتجر مفتوح فقط أمام موظفي أمازون في برنامج تجريبي خاص بالشركة، أما أفراد الجمهور فمن المقرر أن ينضموا في “أوائل عام 2017”.

13