أمازيغ المغرب.. ذاكرة مشتركة تخدم السلم والتطور

الخميس 2017/12/07
الأمازيغ ليسوا أقلية ولا أغلبية

مكناس (المغرب) - تشهد مدينة مكناس، من 26 إلى 28 يناير القادم، انعقاد الدورة الخامسة من المهرجان الدولي للسنة الأمازيغية، وتتمحور حول موضوع “حوار الثقافات وسؤال الهوية”.

المهرجان الذي ينظمه مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، سيعرف عقد ندوة دولية تأسيسية في موضوع الدورة، بمشاركة مفكرين من المغرب، تونس، مصر، اليمن، العراق، السعودية، الجزائر، فلسطين، سوريا، لبنان، الكويت وفرنسا، إضافة إلى دعوات خاصة وجهت إلى جهات أخرى.

ويذكر أن السنة الأمازيغية وفق التقويم المعتمد لدى الأمازيغ في شمال أفريقيا يقع الاحتفال بها ليلة 13 يناير من كل سنة، وهو تقليد راسخ في ثقافات شعوب شمال أفريقيا من لبيبا فتونس والجزائر إلى المغرب ثمّ موريتانيا، حيث لا يزال سكان هذه المناطق يحيون هذه المناسبة بطقوس مختلفة باختلاف التقاليد والعادات. ويعتبر يوم 31 دجمبر (حسب التسمية الأمازيغية) الموافق لـ13 يناير من كل سنة ميلادية رأس السنة الأمازيغية.

بالنسبة إلى الأمازيغ فإن هذا الاحتفال تقليد مرتبط بالطبيعة وبالموسم الزراعي، حيث تشير الطقوس إلى مدى ارتباط الإنسان الأمازيغي القديم بأرضه ومدى اندماجه مع الطبيعة من خلال ممارسة بعض التعبيرات التي يُرجى منها إبعاد شبح الجوع والتماس أسباب الخير والسعادة، والتي لا تكون بالنسبة إلى الإنسان الأمازيغي إلا بوفرة المحاصيل.

وبالعودة إلى خلاصات هذه الندوة وتوصياتها المزمع إقامتها بمناسبة السنة الأمازيغية الجديدة، فوفق بلاغ صادر عن الجهة المنظمة، ستكون موضوع منتدى موسع سينظم في شهر أبريل من السنة نفسها “من أجل الانفتاح على آفاق وتجارب عالمية أخرى بغية البحث الجماعي عن الصيغ المساعدة على تجاوز الصراعات الهوياتية المفتعلة، والمساهمة الجماعية في بناء المصير المشترك للإنسانية من خلال إعلاء قيم العيش المشترك والعدالة الاجتماعية والكرامة والتضامن، ومن خلال التقيد الشديد بمبادئ الحوار في صورته المنفتحة التي تعني احترام كل الثقافات، وتقديرها والاعتراف بحقها في الوجود”.

المغرب يقدم نموذجا مشرقا في العالمين العربي والإسلامي لثقافة التعايش والتسامح والانفتاح ضمن نسيج وطني موحد

إلى ذلك، يضيف البلاغ أن دورة هذه السنة ستعرف تنظيم سهرات موسيقية عالمية “تتغنى بضرورة البحث عن الصيغ المثلى لاحترام كرامة الناس في ظل الاختلاف البناء، وضرورة إعلاء قيم العيش المشترك والعدالة الاجتماعية والكرامة والتضامن، وجعل الفنون مدخلا للتقارب بين الثقافات، وتعبيرا عن الفرح الجماعي بالقيم الإنسانية النبيلة المتعالية عن كل انكماش ذاتي؛ وتفعيلا للتكامل بين مختلف التعبيرات الوجودية المكرسة للتعايش بين بني البشر”.

وختم البلاغ بأن المهرجان سيعمد إلى “الانفتاح على قوة المستقبل (الشباب) من خلال تنظيم الدورة الثانية للمسابقة الوطنية في الرسم التشكيلي بين الفنانين الشباب المغاربة في موضوع “حوار الثقافات وسؤال الهوية”.

وكما دلت عليه محاور ملتقيات هذا المهرجان الاحتفالي فإنه يقدم نموذجا مشرقا في العالمين العربي والإسلامي لثقافة التعايش والتسامح والانفتاح والقبول بالآخر ضمن نسيج وطني موحد، يقرّ بالاختلاف كشرط من شروط التقارب والتفاعل الإيجابي.

والثقافة الأمازيغية في المغرب متأصلة ضمن بيئتها الحضارية التعددية. والحوار الثقافي العربي الأمازيغي هو قائم على الحداثة كخيار فكري وسياسي، يسند مشروع تحديث الدولة والمجتمع بالتعايش والتسامح ضمن المجموع الوطني والإقليمي وحتى الكوني.

ويتموقع الخطابان الأمازيغي والعروبي ككيانين مستقلين متفاعلين، دون أن يطرح تموقعهما إشكالات أو حدّة أو انقسامات متشنجة، وهذا الأمر هو دليل على إنسانية وتسامح الفضاء الذي تنشط وتتفاعل فيه الخصوصيات الثقافية في المغرب.

والجدير بالاهتمام أن أمازيغ شمال أفريقيا بصفة عامة، يرفضون وبشدة الخطابات والتعريفات الخارجية التي تصنفهم ضمن الأقليات لأغراض وأسباب ليست بريئة في مجملها، ذلك أن الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية تعرف الأقلية بأنها “جماعة من الأفراد الذين يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقيا أو قوميا أو دينيا أو لغويا، وهم يعانون من نقص نسبي في القوة، ومن ثم يخضعون لبعض المعاملات التمييزية”.

وتعرفها الموسوعة الأميركية بأنها “جماعات لها وضع اجتماعي داخل المجتمع أقل من وضع الجماعات المسيطرة في المجتمع نفسه، وتمتلك قدرا أقل من القوة والنفوذ وتمارس عددا أقل من الحقوق مقارنة بالجماعات المسيطرة في المجتمع، وغالبا ما يحرم أفراد الأقليات من الاستمتاع الكافي بامتيازات مواطني الدرجة الأولى”.

وتصفها مسودة الاتفاقية الأوروبية لحماية الأقليات، بأنها “جماعة عدد أفرادها أقل من تعداد بقية سكان الدولة، ويتميز أبناؤها عرقيا أو لغويا أو دينيا عن بقية أعضاء المجتمع، ويحرصون على استمرار ثقافتهم أو تقاليدهم أو ديانتهم أو لغتهم”.

أما اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فتعرف الأقليات بأنها “جماعات متوطنة في المجتمع تتمتع بتقاليد خاصة وخصائص إثنية أو دينية أو لغوية معينة تختلف بشكل واضح عن تلك الموجودة لدى بقية السكان في مجتمع ما وترغب في دوام المحافظة عليها”.

ولا ينطبق أي تعريف من هذه التعريفات بشكل كلي على الأمازيغ بشمال أفريقيا غير أن في كل تعريف عنصرا أو أكثر ينطبق عليهم، فالبعد الديموغرافي للمفهوم لا ينطبق على الأمازيغ إطلاقا، فهم أكثرية على اعتبار أن الأصل العرقي لأغلب سكان الشمال الأفريقي أمازيغي.

أما البعد الثقافي فينطبق عليهم جزئيا حيث إن أكثرية الأمازيغ قد تعربت منذ دخول الإسلام في حين بقيت أقلية تتداول اللغة الأمازيغية وتختلف نسبتها حسب كل بلد، كما عمّ الدين الإسلامي مختلف فئات المجتمع الأمازيغي منذ القرن السابع الميلادي، ورغم أنهم ارتدوا 12 مرة -كما يقول ابن خلدون- فقد قبلوا بالإسلام دينا وعمّ المذهب المالكي، كما تبنى بعض الأمازيغ المذهب الأباضي.

13