أماسي رمضان الدمشقية لا تكتمل إلا برقصة الدراويش

العروض الراقصة تجتذب العائلات السورية والشباب وتخفف عنهم وطأة الإغلاقات المستمرة بسبب جائحة فايروس كورونا.
الجمعة 2021/05/07
تعبد وترويح عن النفس في آن واحد

يؤدي راقصو المولوية في دمشق خلال ليالي رمضان عروضا راقصة على ترانيم الألحان الصوفية والابتهالات الدّينية تبهر السوريين وتحملهم إلى عوالم روحية، حيث يحرصون رغم قيود كورونا والمخاوف من الإصابة بالعدوى على الحفاظ على هذا التقليد المتوارث عبر الأجيال.

دمشق - يقدم راقصو المولوية بدمشق مرتدين جلابيب بيضاء فضفاضة، عروضا راقصة على ترانيم الألحان الصوفية والأناشيد والابتهالات الدّينية، ليبهجوا محبي السهر والسمر في شهر رمضان وسط أجواء من الخشوع والسكينة.

وتجتذب هذه العروض الراقصة العائلات السورية والشباب الذين يتجمعون حول راقصين يدورون وسط حلقة بأثوابهم البيضاء الفضفاضة، منبهرين بهذه اللوحات التي تخفف عنهم خلال شهر رمضان وطأة الإغلاقات المستمرة بسبب جائحة فايروس كورونا.

ويقول أعضاء الفرقة الصوفية التي تضم راقصين من مختلف الشرائح العمرية، والذين يُعرفون بالمولوية، إنهم يريدون أن يحافظوا على هذا التقليد الذي توارثته الأجيال على مدى عقود.

ويتبع أعضاء المولوية، التي نشأت في قونية بتركيا، نظاما صارما يهدف إلى تعزيز الطريقة التي يتواصل بها الشخص مع الخالق. ويدربون نحو 15 طالبا على الرقص الصوفي منذ عام 2019.

ويحرص الراقصون الشباب قبل أدائهم خلال شهر رمضان لعروضهم بالعاصمة السورية، على التدرب بشكل مكثف، كما يساعد أعضاء الفرقة الراقصين الصغار على الاستعداد وارتداء زيّهم قبل العرض.

وتشد رقصة التنورة الصوفية التراثية أنظار مشاهديها نظرا إلى الحركات بالغة الصعوبة التي يؤديها راقص التنورة، وهي ذات جذور وأصول صوفية درجت على تأديتها الفرق المولوية.

ويتنقل العارضون والمنشدون التابعون للفرقة بين لوحات فنية معبرة وإنشاد صوفي مؤثر يمزج بين التراث والروحانيات، وهو ما لاقى استحسان الجمهور الذي يتابع العروض.

ورغم الإجراءات المفروضة للحدّ من تفشي جائحة كوفيد – 19، ظهر جمهور الحاضرين دون كمامات، متفاعلين كبارا وصغارا مع هذه العروض التي لا تمثل مجرد رقصة فحسب، بل وسيلة أيضا للتواصل مع الخالق.

ويعرف الرقص الصوفي بأنه نوع من أنواع الذكر عند متّبعي الطريقة الصوفية، ويكون بالدوران حول النفس والتأمل الذي يقوم به الدراويش بهدف الوصول إلى الكمال المنشود.

وتساهم الفرق المولوية أو فرق الدراويش في إحياء ليالي شهر رمضان، وتضفي عليها بحركاتها الدائرية أجواء من التصوف وسمو الروح، خصوصا أنها مصحوبة بالتواشيح والابتهالات والأذكار.

وقال الشيخ الصوفي محمد فائق محمد جلال الدين المولوي إن “المولوية هي عبارة عن وصول ما بين العبد ورب العالمين”، موضحا “يصل الراقص عند الدوران إلى مرحلة ينفصل فيها عن كل ما حوله لينصهر مع العالم الروحي تاركا العالم المادي”.

وذكر محمد فائق أن الانتساب للمولوية كان يعتمد على خدمة الراغب في ذلك لمدة 1001 يوم في تنظيف الحمامات والمطابخ منتقلا من مكان إلى آخر، حتى ينال رضى الدادا ويقبل أن يجعل منه شيخا.

ورقص الدراويش شكل من أشكال التأمل البدني النشط الذي يمارسه الصوفيون الذين يسعون للتقرب إلى الله بممارسة هذه الطقوس، فرقصة التنورة الصوفية تهدف من وجهة نظر ممارسيها إلى كبح النفس ورغباتها والدوران حول النفس، ويعتقدون أنها جاءت من فكرة أو مفهوم دوران الكواكب حول الشمس.

وشرح الدادا محمد باسر محمد سعيد المولوي أن “للمولوية حركات ثابتة تبدأ بشد الحزام ورفع اليدين باتجاه القلب الذي يشكل أساس الداء ولفهما حوله مع التدرج في أداء الحركات”، مشيرا إلى أنهم لا يرفعون اليد فوق الرأس في عروضهم.

وتابع أن فرقته تعد خليفة للفرقة الأساسية التي نشأت في قونية بتركيا، مؤكدا أنهم حصلوا على ورقة تخليف نظامية من هناك، قائلا “نحن دراويش المولوية في سوريا ونحن نخلف حلب”.

وأسس الطريقة المولوية الشاعر المتصوف جلال الدين الرومي، في القرن الثالث عشر ميلادي، وأتباع هذه الطريقة يسمون الدراويش، وقد ذاع صيت هذه الرقصة في عهد الدولة العثمانية، ومنها انتقلت إلى سوريا ومصر ولبنان ومنطقة البلقان وبعض البلدان الأخرى.

وتلقى رقصة التنورة الصوفية رواجا كبيرا في الكثير من البلدان العربية، خصوصا في المناسبات الدينية والاجتماعية وفي مقدمتها شهر رمضان.

ويشار إلى أن ممارسات الصوفيين تعرضت في السنوات الأخيرة لهجمات جماعات متطرفة تعتبر توقير الأضرحة والموسيقى والرقص بدعة. لكن هذه الممارسات لها مكانة قوية بين الملايين من المسلمين في أنحاء العالم العربي.