أماني الحوسني ريادة إماراتية تسطع في مجالي الطاقة النووية ودور المرأة

الأحد 2017/09/10
أماني الحوسني عالمة مشغولة بمستقبل الطاقة وعصر ما بعد النفط

بوخارست - يصادف الثامن والعشرين من شهر أغسطس من كل عام، يوم المرأة الإماراتية، وقد وصلت المرأة في هذا البلد إلى أعلى المناصب القيادية في مؤسسات الدولة وفي مجالات عدة. وفي مجال الطاقة النووية برزت أماني الحوسني كأول عالمة ذرة إمـاراتية، عـاكسة صـورة مـشرفة لـنفسها ووطـنها عن قوة وإرادة المرأة في كـافة المجالات، تـعبّر أماني عن نجاحها في حوار صحافي سابق بقولها “كي تصبحي عالمة ذرة وأمّاً لطفلين لا يستدعي امرأة خارقة، بل يكفي أن تحبي العلم ويـكون لديك شغف به”.

تنتمي أماني الحوسني، كما يدل لقبها إلى قبيلة الحواسنة التي يسكن أغلب أبنائها إمارة أبوظبي تليها البحرين ثم الكويت، وهناك منهم من يسكن سلطنة عمان. ويعتبر الحواسنة من الجبور من بني خالد الذين سادوا في دولة امتدت أراضيها من الأحساء حتى سواحل عمان، وتوسعت إلى بلاد فارس حيث أقام بعض الحواسنة في “كنكون” والبعض الآخر في “كاغبند” و”عينات” و“جزيرة شعيب”.

عائلة داعمة للطموحات

ولدت أماني بإمارة أبوظبي في بيئة عائلية كانت داعمة لها ومتفهمة لطموحاتها وطموحات إخوتها الخمسة، الأب كان يعمل ضابطًا في القوات المسلحة، والأم مربية للأجيال. تقول الحوسني “أنعم الله عليّ بأسرة مساندة وبيئة محيطة في غاية التفاؤل والإيمان بقدراتي، الأمر الذي ساعدني على الوصول إلى هذه المرحلة في مسيرتي، نشأت في بيت مليء بالدعم والتشجيع من أبي أمي”.

كانت شغوفة جدًا منذ طفولتها بعلمي الكيمياء والفيزياء ومعهما الرياضيات أمّ العلوم، راودها فضول معرفي حول الإلكترونات السالبة والبروتونات الموجبة والنيوترونات المتعادلة والذرة والنواة وتوليد الطاقة من الأخيرة عن طريق الانشطار أو الاندماج النووي.

سكنت مخيلتها فكرة توليد طاقة نظيفة خالية من الانبعاثات الكربونية، لذا كان طموحها أن تدرس الهندسة الكيميائية حينما تكبر، وبالفعل أكملت أماني مراحل التعليم ما قبل الجامعي، وقررت عام 2004 أن تلتحق بقسم الهندسة الكيميائية في جامعة الإمارات بمدينة العين التي تخرجت منها بدرجة ممتازة، ودخلت في ذات السنة مجال صناعة النفط من خلال شركة أبوظبي للعمليات البترولية البرية المحدودة “إدكو”، التي عملت بها لمدة سنتين كمهندسة معالجة.

الحوسني تؤكد أن الطلب على الطاقة يزداد في دولة الإمارات بمعدل 9 بالمئة سنوياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، وبالتالي فإن توفير مصدر موثوق للطاقة الكهربائية يعد أمرا في غاية الأهمية للنمو المستقبلي في الدولة

النفط تاريخ

قررت الحوسني الاتجاه نحو مجال حيوي هام بعدما سمعت الشيخ محمد بن زايد وليّ عهد أبوظبي وهو يقول “إن النفط تاريخ والمستقبل هو الطاقة النووية”. الطاقة النووية التي تعتبر دولة الإمارات سباقة لجهة بناء أولى محطاتها على مستوى المنطقة العربية، وقتها أنشأت الإمارات “مؤسسة الإمارات للطاقة النووية” بهدف توفير ما يصل إلى ربع احتياجات البلاد من الطاقة الكهربائية.

استطاعت الحوسني الحصول على منحة دراسية من مؤسسة الإمارات للطاقة النووية ضمن برنامج “روّاد الطاقة” الخاص بالمنح الدراسية والتابع للمؤسسة، التحقت بجامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا وتخرجت بدرجة ماجستير في الهندسة النووية بتخصص تصميم المفاعل والبحث التحليلي للسلامة.

وزارت أثناء دراستها الماجستير عدداً من أهم الجامعات التي تُدرّس الهندسة النووية في كوريا الجنوبية، واستفادت من دورات تحليل الإشعاع النووي في المختبرات، إضافة إلى زيارتها المفاعلات النووية الكورية للإلمام الكافي بعلوم الذرة وأحدث أساليب التكنولوجيا النووية.

الطلب على الطاقة

تؤكد الحوسني أن الطلب على الطاقة يزداد في دولة الإمارات بمعدل 9 بالمئة سنوياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، وبالتالي فإن توفير مصدر موثوق للطاقة الكهربائية يعدّ أمراً في غاية الأهمية للنمو المستقبلي في الدولة، ولذلك تعمل مؤسسة الإمارات للطاقة النووية على توفير ما يصل إلى ربع احتياجات الدولة من الكهرباء بعد اكتمال مشروع “براكة” في العام 2020.

وكانت الإمارات قد أعلنت في نهاية 2009 أنها أوكلت إلى تحالف بقيادة “كيبكو” بناء أربعة مفاعلات نووية بقيمة 20.4 مليار دولار أميركي. وتعمل أبوظبي على البدء بإنتاج الطاقة من أول المفاعلات النووية الأربعة التي تبنيها قرب أبو ظبي، العام المقبل 2018.

طموح الحوسني يحركها فهو الذي دفعها إلى أن تدرس الهندسة الكيميائية في جامعة الإمارات بمدينة العين التي تخرجت منها بدرجة ممتازة

وترى الحوسني أن مؤسسة الإمارات للطاقة النووية تقوم بدور كبير في إعداد الكوادر المواطنة للعمل في البرنامج النووي الإماراتي، مشيرة إلى أن هناك إقبالاً كبيراً من بنات الإمارات على الالتحاق بالدورات التدريبية والمنح الدراسية التي تستهدف تكوين جيل من الشباب الواعد في مجال الطاقة النووية.

مؤسسة الإمارات للطاقة النووية يعمل بها 1700 موظف، 60 بالمئة منهم إماراتيون، ومن بين هؤلاء تشكل النساء نسبة تصل إلى نحو 23 بالمئة، وهو معدل يفوق المعدل العالمي البالغ 20 بالمئة من النساء اللواتي يعملن في مثل هذه المهنة على مستوى العالم، وهذا أمر يجعل من دولة الإمارات متقدمة فيه، لذا نجد الحوسني مبتهجة وهي تتحدث عن تزايد أعداد مواطناتها الملتحقات بالدورات التدريبية والمنح الدراسية الهادفة إلى تشكيل جيل من الشباب المنخرط في المجالات النووية ذات الاستخدامات السلمية.

أنشأت مؤسسة الإمارات للطاقة النووية في العام 2014 مركزاً عالي المستوى للتدريب على أجهزة محاكاة لغرف التحكم بمفاعلات الطاقة النووية، الذي يعدّ المركز الأحدث من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، ويحتوي على جهازي محاكاة لمفاعلات الطاقة النووية مطابقة لتلك في غرف التحكم في المفاعلات في موقع “براكة” في المنطقة الغربية.

الحوسني كانت من بين المساهمين في تأسيس هذا المركز وهي تترأسه حاليا، ولها بعض الأبحاث في مجال تحليل سلامة المفاعل باستخدام برامج متخصصة في محاكاة الفيزياء النووية وفي هيدروليك الحرارة “الثيرمال هيدروليكس”.

علماء الإمارات

تقول المهندسة النووية الإماراتية إن هندسة المحاكاة هي إعادة تمثيل الظواهر الفيزيائية الطبيعية باستخدام برامج حاسوبية متخصصة، ويكمن الهدف منها في تدريب وتطوير مهارات أجيال جديدة من المهندسين الإماراتيين الذين سيشغّلون مفاعلات الإمارات النووية في المستقبل القريب، موضحة أن أجهزة المحاكاة تُستخدم في التعليم التقني وهي أيضاً أداة فعالة لتعريف الأشخاص بأنظمة الأمان في كل خطوات التشغيل، وكذلك وسيلة لاكتساب المهارات القيادية وتطبيقها، وتتطلب هندسة المحاكاة خبرات معينة في مختلف المجالات الهندسية.

الطاقة النووية تعتبر دولة الإمارات سباقة إليها لجهة بناء أولى محطاتها على مستوى المنطقة العربية، حين أنشأت "مؤسسة الإمارات للطاقة النووية"

الحوسني عضو في مجلس علماء الإمارات الذي اعتمدت الحكومة الاتحادية إنشاءه في فبراير 2016، وهو يهدف إلى خلق بيئة محفزة على الابتكار والبحث العلمي وبناء جيل من العلماء الإماراتيين في شتى المجالات العلمية، وتقديم المشورة لمجلس الوزراء حول العلوم المستقبلية والأبحاث والتخصصات المتقدمة والشراكات الاستراتيجية مع المؤسسات العلمية المحلية والأجنبية.

يترأس مجلس علماء الإمارات قائد الفريق العلمي لمشروع الإمارات لاستكشاف المريخ ابنة دبي سارة يوسف أميري خريجة هندسة الحاسب الآلي من الجامعة الأميركية بالشارقة، ويضم في عضويته إضافة إلى الحوسني نخبة من ألمع علماء وأكاديميي الإمارات مثل البروفيسور أحمد مراد الرئيسي وهو العالم في مجال الجيولوجيا المائية ومصادر المياه ونظائرها، وأحمد حسين الحارثي مخترع آلية إنتاج الوقود الحيوي من الطحالب، وفيصل عبدالله المرزوقي مخترع تقنية تنقية المياه بالاعتماد على تكنولوجيات النانو، وعلي عبدالله النقبي مخترع الكبد الصناعي ذي الثلاثة غرف، ومحمد مطر الشامسي عالم وخبير الروبوت، وغالب علي البريكي عالم التغذية، وحبيبة الصفار عالمة وخبيرة العلاج الجيني، كما يضم المجلس محمد عبدالعزيز سلطان العلماء استشاري جراحة المخ والأعصاب وأول جراح زرع جهاز مراقبة وقياس ضغط المخ عبر مستقبل لاسلكي، وأخيراً عارف الحمادي أستاذ هندسة الاتصالات والكهرباء والإلكترونيات.

القيادات النسائية

تفخر الحوسني بكونها أول مهندسة نووية في الإمارات، وحصولها عام 2014 على ميدالية “أوائل الإمارات” خلال احتفالات اليوم الوطني الـ43 يعدّ دافعاً للمزيد من العطاء والإنجاز، وتشير إلى أن هذا التكريم وما سبقه من تكريمات أخرى منذ بداية مشوارها المهني دليل على التقدير والتشجيع الكبيرين من القيادة الرشيدة التي تحث الإماراتيين دائماً على أن يكونوا في المركز الأول.

الإمارات ستبدأ بإنتاج الطاقة من أول المفاعلات النووية الأربعة التي تبنيها العام المقبل 2018 (الصورة لمحطة براكة للطاقة النووية غرب أبوظبي)

قالت عندما نالت جائزة أوائل الإمارات “كانت أسعد لحظات حياتي عندما تسلمت الميدالية من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، وعندما صافحته سألني لماذا اخترت هذا التخصص، فقلت له أريد أن أكون على قدر توجيهاتكم في المركز الأول”.

تزخر الإمارات بالكثير من القيادات النسائية البارزة محلياً وعالمياً، من اللواتي تعتبرهم الحوسني قدوتها في الحياة، أمثال الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة التنمية والتعاون الدولي، وريم الهاشمي وزيرة دولة، ورزان المبارك أمين عام هيئة البيئة في أبوظبي، ونوال الحوسني الحاصلة على بكالوريوس الهندسة من جامعة الإمارات ودرجة الدكتوراه من جامعة نيوكاسل البريطانية، وهي تشغل الآن منصب مديرة إدارة الاستدامة في شركة “مصدر” للطاقة الشمسية.

أما على الصعيد العالمي فترى الحوسني أن القدوة التي تسعى للوصول إلى عظمة إنجازاتها هي عالمة الفيزياء النمساوية المولد السويدية الجنسية ليز ميتنر التي واجهت تحديات جمّة في حياتها وسط ظروف الحربين العالميتين الأولى والثانية المدمّرتين، وتربص النازية بأسرتها وآلام الهجرة والتشرد في ألمانيا وهولندا وبريطانيا والدانمارك والسويد.

لكن ميتنر استطاعت بالعزيمة والإصرار أن تتجاوز كل هذه التحديات وغيرها وتصبح عضوًا فاعلاً في الفريق الذي اكتشف الانشطار النووي، وهو إنجاز تلقى عنه زميلها على مدى 30 سنة الكيميائي الألماني أوتو هان جائزة نوبل لعام 1944، بينما استبعدت هي من الجائزة بسبب آرائها السلبية حول هذا المنجز، على الرغم من امتداح الكثيرين من علماء عصرها لها كأفضل مثال للمرأة صاحبة الإنجازات العلمية.

ويبدو أن الحوسني لم تختر هذه الشخصية الرائدة اعتباطًا، فهي تسعى اليوم جاهدة لإكمال تعليمها بهدف الحصول على درجة الدكتوراه في العلوم النووية، والعمل على تطوير أجهزة المحاكاة التعليمية والبحثية المستخدمة في دولة الإمارات.

9