أماني فؤاد ترصد ظاهرة الثورة روائيا بعيدا عن قشور الأبوية

الخميس 2014/11/20
أماني فؤاد تبحث في نماذج روائية خلخلت المتعارف ونزعت إلى التجديد

القاهرة - عن “الدار المصرية اللبنانية”، صدر كتاب بعنوان “الرواية وتحرير المجتمع” للناقدة والباحثة المصرية أماني فؤاد، التي تناولت فيه بالدراسة مجموعة تقنيات جديدة تجلّت في الكتابات والنصوص الروائية خلال العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين، راصدة ظاهرة الثورة، المتمثلة في محاولة الروائيين الجدد تناول الوجود فنيّا وفكريّا بشكل مغاير، كأنهم ينزعون عن عالم الإبداع الروائي طبقات قشوره الأبوية ويثوّرون تقنياته الفنية المستقرة.

أوضحت المؤلفة، في مقدمتها، أنها حين تشير في دراستها إلى ثورة تخطّ ومجاوزة وتطوير في التقنيات، فلا تعني استحداثا جذريّا للتقنيات أو ابتكارا من عدم، بل تنطلق من طبيعة الفن وسياقاته الخاصة التي تختلف عن الثورة في مجال السياسة، وتتلمّس المساحات المشتركة بين التقنيات التقليدية والجديدة؛ لأن الإبداع كان دائما وسيظل تجاوزا.

وتضيف: «أتحسّس الإضافة بطبيعتها المتحركة والقلقة، المتوترة بتركيباتها المتشابكة وهندستها على نحو مختلف، بنحتهم لمحيط أكثر اتساعا، طلبا لحرية الحركة فيه، ومدّ أبعاد التقنية أفقيّا ورأسيّا، ودفعها لخلق فكرها الكامن في خلايا تكوّنها، من المفترض أنه عندئذ تصبح التقنية أكثر تعقيدا واستعصاء على المتلقي، لكنها تدفعه إلى المشاركة في العملية الإبداعية».

قسّمت أماني فؤاد كتابها إلى أربعة مباحث، حملت العناوين التالية: “التقنية وسؤال الدين” و”التقنية والسؤال الافتراضي والفانتازيا” و”التقنية الروائية وسؤال التاريخ”، وأخيرا “التقنية الروائية وسؤال اللغة والسرد”، في هذه المباحث، تناولت أماني فؤاد سبع عشرة رواية مصرية معاصرة لاثني عشر كاتبا.

الدين كان له حضوره الناصع في بنية النص الروائي، لكنه ليس الحضور المباشر التقريري


الخطاب الديني والفانتازيا


خصّصت المؤلفة المبحث الأول من كتابها لمناقشة تجلّيات الخطاب الديني الرسمي والشعبي في الرواية العربية، موضحة أن الدين كان له حضوره الناصع في بنية النص الروائي، لكنه ليس الحضور المباشر التقريري، وإنما يتخذ من الطبيعة المرنة للتقنية وما تتيحه من أدوات جمالية للصياغة في الإفصاح عن هذا الحضور رمزا وتوازيا، تجلّيه في صور ومجازات لغوية وأحداث وصراع يتجسّد في شخوص العمل الفني، ويتجلّى في رؤى أبطاله وتوجهاتهم ودوافعهم وتفسيراتهم لما يعنّ لهم من تساؤلات وجودية.

وقد حاولت المؤلفة، في هذا المبحث، إلقاء الضوء على تجلّيات الخطاب الديني في الرواية، بمعالجة نقدية متأنية، كما تصفها، لأربع روايات، هي “إنجيل آدم”، و”كتاب النحات” و”ضريح أبي” و”صياد الملائكة”، حيث اتفقت هذه الروايات فيما بينها في اتخاذ الدين قاسما مشتركا وأرضية جامعة تتمظهر على مسرحها سلوكيات الإنسان، ويفصح من خلالها عن أفكاره ورؤاه وشكّه، فضلا عن اتفاقها في الرؤية الفنية التي اتخذت من الدين مجالا تتضح من خلاله إشكاليات الإنسان المعاصر وتساؤلاته وأزماته.

في المبحث الثاني، تتناول المؤلفة خمس روايات لاتفاقها في استخدام التقنية الروائية لتوظيف الواقع الافتراضي داخل بنية السرد وعلاقة الإنسان بالإنترنت كعالم مواز غير مرئي، أو اللجوء إلى الطابع الفانتازي كمجال لإفصاح بنية التقنية عن ممارستها في نصّ روائيّ مفارق للواقع، كمحاولة للانفلات والتشظّي المدروس والموجّه بعمق وخبرة ذهنية ونفسية لصعوبة القبض على ذات كاتبها، وصعوبة إملاء اعتراف على روح المبدع بالرّكون إلى التسليم والاعتراف بصلابة الواقع وعدم القدرة على تفتيته.

كتاب الروائيين الذين ثاروا على السائد

وقد قسّمت المؤلفة الروايات الخمس إلى قسمين، الأول يضمّ روايتين هما “كلب بلدي مدرّب” و”في كل أسبوع يوم جمعة”، حيث تكشف الروايتان عن إشكاليات تواصل الإنسان في العصر الحديث وحاجاته ومتطلباته ونزوعه إلى التحقّق في ظلّ عالم متشظّ يتنازع هويته ويهدر ذاتيته خلف عالم متنوع من الشاشات الباردة التي لا تتيح حياة حقيقية، أما القسم الثاني فيضمّ ثلاث روايات، هي “صانع المفاتيح”، و”عالم المندل” و”روح محبات”، وهي ذات طابع فانتازي، يمتح من الخيال والموروث الأسطوري؛ لبناء النص وتشكيله تشكيلا مجازيّا يعبر فيه الروائي عن رؤيته، ويمرّر من وراء مجازيته همومه الوجودية وتساؤلاته وموقفه من الحياة والوجود والدين والمقدّس الجمعي الضارب بجذوره في أعماق الذاكرة التخيلية للوعي.


تحريف المسطور


في المبحث الثالث، تتناول المؤلفة بالدراسة والتحليل النقدي أربع روايات، هي “الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس”و”باب الخروج” و”تلك الأيام” و”مطر على بغداد”، باعتبار الروايات الأربع تمثل القدرة على تثوير الراكد وأحيانا تحريف المسطور بفعل المادية التاريخية، أو إعادة توجيهه أو قراءته فرديّا، بما يعبر عن طموحه الوجودي وتطلّعاته الإنسانية المشروعة.

وأوضحت المؤلفة أن من الروايات الأربع ما جنح إلى خلخلة ثوابته بشكل انتقائيّ يضيف فيه الأديب ويحذف بما يوائم ذاتية الروائي ورؤيته ومنها ما تبنّى رؤية استشرافية تتطلع إلى المأمول فيه أو التنبؤ بما سيكون، ومنها ما جنح إلى تحقيق فردية الذات الكاتبة بإنتاج تاريخ تصوري خاص، استثمارا للحظة تاريخية معينة، أو بدءا انتقائيّا لأحداث تاريخية صغيرة، لكنها بمثابة تأسيس وعي تاريخي فردي وإعادة هيكلة الماضوي بمراهنات اللحظي وإشكالياته وتطلعاته ومنها ما تبنى واقعية الحدث التاريخي وخطورة مراهناته الحربية وأثرها التشويهي للكيان الإنساني وتحطيمها للقيمة وللجمالي الساري في المستأنس وجودا كالأهل والأحباب والأوطان، والخوف من الاستلاب لرموز تجسّد فعل الحياة وأمانها، لا سيما للمرأة.

تنتقل المؤلفة في المبحث الرابع إلى دراسة وتحليل اللغة، باعتبارها مادة الرواية ووسيلتها وحاضنة الوجود أيضا؛ إذ من خلال اللغة تفصح التقنية الروائية عن تشكلها ودراميتها، ويعبر الروائي عن رؤيته، ويتحقق الجدل التذوقي بين المؤلف والمتلقي، وقد ضمّ هذا المبحث أربع روايات هي “إلياس” و”تانجو وموال” و”سيرتها الأولى” و”هكذا يعبثون”.

وأكدت المؤلفة، من خلال دراسة وتحليل الروايات الأربع، على أهمية اللغة التي تمثل الوعاء الحامل للفكر، الذي هو لغة صامتة، وتلجأ اللغة باعتبارها فكرة مكتوبة أو منطوقة لتفعيل وظيفتها الجمالية وطاقتها التأثيرية للتعبير عن الذات الإنسانية.

14