أما الأرض فتبقى: أيام في بلاد المايا

الأحد 2014/08/31
رسم على حائط يمثل موضوعات من عقود الكفاح ضد الديكتاتورية في غواتيمالا

“أما الأرض فتبقى”. بهذه الكلمات ودع جيرونيمو، أحد آخر زعماء “الهنود الحمر” المقاومين للاستعمار الأوروبي، الحياة، وقد تأكد من أن الإبادة أتت على شعبه، ولم يبق من نسله تحت السماء سوى الأرض وقد سكنتها أقوام أخرى.

ها أنا أخيرا في أرض السحر، كل ملمح منها، طبيعيا كان أو إنسانيا، قصيدة شعر. أرض الروح الطليقة والألوان الخافقة، وقد سكنت الطبيعة قبل أن تسكن أبدان البشر، أرض العذابات الإنسانية وآلام الفجأة الاستعمارية، وقد استوطنت في الروح والحركة وضوء العين. إنها المايا، وهؤلاء أهلها، ما تبقى من قبائل تتحدر بقاماتها القصيرة من نبع الأسطورة، ضاربة في نسلها ومزاجها بعيدا، في الألوان الخمسة: الأزرق والأحمر والأخضر والأبيض والأسود، ومن حولها نار تتعالى في طقس روحي لا يُستكنه إلا بالحواس، وقد حاكت هذه الكائنات اللطيفة ملابسها وأشياءها بالإبرة والخيط والخشب والطين، متخللة بها الحواس قبل الأشياء، وحملت شموعُها تلك الألوان لترمز بكل لون منها إلى أقنوم، مستدعية، في خيالاتها وأفكارها، أرواح الأسلاف ليتلاحم هؤلاء الحراس فائقو القدرة، في كل خطوة من خطوات الإنسان في تلك الجبال والسهول عميقة الخضرة.


البركان العملاق


ها هي الأرض، ما تزال هنا، والطريق من غواتيمالا سيتي إلى شيلا ثاني أكبر المدن في البلاد تستغرق بالباص نحو ثلاث ساعات. الباصات هنا ملونة كالعصافير، لكنها مثقلة بالأحمال ركابا وحاجيات. وللخروج من العاصمة لا مناص من دخول عنق الزجاجة عبر اختناق مروري تتسبب به العربات الخارجة من المدينة وتلك الداخلة إليها، قبل أن تنكشف الطريق من على جانبيها عن مناظر خلابة ساحرة، طريق جبلية لا تبدو وعرة لكنها تتلوى كثعابين عملاقة، وقبل أقل من نصف ساعة، سرعان ما تهدي الطريق الناظر صورة بعيدة لبركان حيّ تتوجه غمامة دخانية عملاقة. إنه بركان باكايا العملاق الذي سبق له أن ثار سنة 2010 وغطى كامل العاصمة بطبقة سميكة من الرماد. وفي غواتيمالا هناك 37 بركاناً، أربعة منها نشطة هي: بكايا وسانتياغيتو وتاكانا وفويغو.

لقد غطى الرماد البركاني هذا الرجل فجمده كما كان، ومعه سكان المدينة المائتي ألف كل حسب الوضعية الأخيرة التي كان عليها سائرا في الشارع، أو جالسا على أريكة، أو نائما في سرير، أو بائعا في السوق، أو متنزها على الشاطئ

حتى أواسط التسعينات، مع نهاية الحرب الأهلية الغواتيمالية، التي وضعت أوزارها مع توقيع اتفاق سلام بين الحكومة والمتمردين سنة 1996، كانت العاصمة غواتيمالا واحدة من أخطر مدن العالم، وقد حصدت الحرب خلال 30 عاما ربع مليون ضحية، وشهد الجوار الغواتيمالي المكسيك في الشمال والغرب، وبليز من الشمال الشرقي، والهندوراس والسلفادور من الجنوب، تدفق مليون ونصف المليون لاجئ هارب من العنف، وصل عدد كبير منهم، لاحقاً، إلى أميركا الشمالية وإسبانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى. وتتميز العاصمة التي يقطنها نحو مليوني شخص، ويحيط بها حوالي ثلاثة ملايين آخرين، بكثافة سكانية عالية، وتحيط بالمدينة من كل جانب جبال خضراء تسمق فيها الأشجار وتظلها سماء تسبح فيها الغيوم، مشكلة لوحة بصرية غاية في الروعة.


أخطر المدن


في شيلا، بعد ساعات ثلاث بالباص، وساعة انتظار في منتصف الطريق بينها وبين غواتيمالا سيتي، بسبب عطل طارئ على الطريق السريع، ها أنا في الساحة العامة للمدينة، والساعة تقترب من العاشرة ليلا. ما من صخب هنا، فالمدينة على اتساعها، مأهولة بساكنين يسيرون الهوينا. ربما هو الليل، خِلْتُ، لكن حركتهم في النهار لم تختلف كثيراً. سبعة دروب ضيقة، بعضها صاعد وبعضها الآخر منحدر، تفضي إلى الساحة العامة، حيث يربض مبنى البرلمان وقد أنشئ سنة 1821.

طراز معماري كولونيالي ينحت نفسه من العمارتين الألمانية والإسبانية. منذ الصباح الباكر تتجمع هنا عربات تبيع الأطعمة، خبز الذرة وعجينة الفاصولياء بلونها البني القاتم، وبعض الأشربة، بينها حساء الذرة مع الشعير، الباعة والزبائن من نفس الطينة، فقر وتقشف، وقلّة من ميسوري الحال ممن يشتغلون في التجارة.

ولا يكسر القاعدة سوى بعض سياح، يبدون عمالقة قياسا بتلك القامات القصيرة التي تميز السكان هنا، لا سيما أولئك الذين تحدروا من القرى المتناثرة في الجبال، وينتمون إلى قبائل المايا. بعضهم ترك الزراعة وسكن أطراف المدينة، منهم من يشتغل بائعا أو صانعا أو نادلا في مقهى، في مدينة يبدو أنها تعتاش، على نحو ما، على حركة السياحة.

في قلب المدينة، وفي جوار الساحة العامة، صعوداً نحو مرتفع صغير ينهض في طرف منه مسرح عملاق، ستكون لي غرفة تطل على بركان ضخم أبدل الاسبان أسمه الأصلي باسم سانتا ماريا، ومن ورائه جبل شاهق احتضن بركانا آخر لا يقل عن الأول ضخامة. والآن تخيل نفسك مكاني بسرير ووسادة ورأسك بين بركانين هائلين، يمكن لأحدهما أن يتململ وللآخر أن يغضب في أي لحظة.


تحت الرماد


حتى هنا في شيلا، وأنا أرتشف قهوتي في جوار بركان عملاق، لم تطو مخيلتي تلك الصورة لإنسان مدينة بومبي النائم في سرير من الرماد، والتي ظلّت تطاردني لسنوات، منذ أن تركت المدينة الإيطالية الهالكة على إثر ثورة عارمة لبركان فيزوف سنة 79 ميلادية دمرت ما عرف بمدينة الرذيلة، ومعها مدينة أخرى مجاورة هي هركولانيوم. وقد طمر البركان المدينة بالرماد لمدة 1.600 عام. ولم تكتشف مأساة بومبي بجلاء إلا في القرن الثامن عشر.

في زيارتي تلك إلى المدينة، وجدت نائما متحجرا في سرير، لم يسعفه الوقت حتى لأن يفزع، لمسته بيدي كان حجرا خالصا وفي بشرته الحجرية بثور كتلك التي تصيب البشر.

ثمة حزن عميق في عيون الغواتيماليين لم يوافقني أورولدو على هذه الملاحظة، فهم، كما يقول، شعب مرح لكن أقل نظرة من تلك العيون ترسل إليك ضوء ذلك الحزن العميق

لقد غطى الرماد البركاني هذا الرجل فجمده كما كان، ومعه سكان المدينة المائتي ألف كل حسب الوضعية الأخيرة التي كان عليها سائرا في الشارع، أو جالسا على أريكة، أو نائما في سرير، أو بائعا في السوق، أو متنزها على الشاطئ.

في أكثر ثوراته غضبا لم ينل هذا البركان من مدينة شيلا فقد صدت حممه عنها آلاف الأشجار العملاقة ومعها وديان خضراء سحيقة. أهي لعنة بومبي الخاطئة ما أودى بأهلها، واستئناسهم بخيرات الأرض البركانية فاقتربوا من حضن البركان، أم فطنة أهل المايا الذين بنوا مدينتهم على مسافة كافية للنجاة من غضب البركان هو ما أنقذ قصار القامة اللطفاء من ساكنة هذه الجهة من الأرض، إلى أن هبط عليهم الرجال البيض، كما تهبط شياطين الجحيم، من سفن غريبة الأشكال مجهزة بآلات عجيبة وبارود أخطر من نيران البراكين.


بشر وحمم


لكن هذا السانتا ماريا، يقول أورولدو؛ موسيقي، من المدينة، تعتبره الناس هنا بركانا وديعا. ربما لأن حممه لا تصل إليهم، أو لأن الأجيال التي شهدت ثوراته ابتلعتها الحروب منذ الصدام المبكر مع الغزو الإسباني في القرن الرابع عشر، مروراً بحروب الإبادة، وصولا إلى ثورات الاستقلال التي انتهت في عام 1821، وأعقبتها انتفاضات متعاقبة على السلط الديكتاتورية، ومن ثم ثورات للخلاص من أنظمتها القاسية استعرت خلال العقود الأربعة المنصرمة ووضعت أوزارها في أواسط التسعينات من القرن الماضي.

على أن قبائل المايا، التي تمتلك 22 لغة وثقافة شفوية ضاربة في التاريخ، لم تتخلص من الاضطهاد حتى يوم الناس هذا. فكم يبدو هذا البركان رحيما قياسا بالبشر وقسوتهم وما تسببوا به من عذابات وآلام إلى هؤلاء الناس.

لكن البراكين لا يمكن التنبؤ بثوراتها، أقول لأورولدو، فهي تفاجئنا قبل أن نستعد، ثم يأتي المؤرخون ليصفوا الوقائع، والفواجع ويودعوها في بطون التواريخ. كذلك هم المشاة في الشارع، عندما يبدون خامدين خاملين، مطرقين رؤوسهم أرضاً.

أنظر إليهم، يتبضعون وما تنبعث منهم سوى ضجة خفيفة، هل يبدون لك سعداء؟ هنا بعد عقود من القتل والسجن والتنكيل الجماعي، والاختفاء القسري لعشرات الآلاف، وبعد الوعود البراقة بحياة أفضل، زعماء الثورة والمعارضون اليساريون بين منفي ومشرد خارج البلاد، وبين ثائر صار شريكا رمزيا في حكم يميني، ونائب يتثاءب تحت قبة البرلمان، وإداري فاسد، ورجل مافيا أو تاجر لاعب بكل بضاعة، ومعها المخدرات. وهكذا أسفرت الانتفاضات وآلامها المبرحة عن وضع مزر. الدخل المتوسط للفرد هنا في أحسن الأحوال لا يزيد عن 250 دولاراً أميركيا، في ظل هجوم كاسح للحياة الاستهلاكية، وعجز متفاقم عن تلبية حاجات الأسرة .

يضيف أورولدو: أشتغل في مؤسسة ثقافية غير ربحية، هي اليوم على شفا الإفلاس بسبب إعراض الدولة عن دعمها. كنت أتقاضى 300 دولار في الشهر، واليوم أشتغل بربع مرتب. والمستقبل غامض. والمرعب، أن فرق الموت، عادت إلى اغتيال الفنانين والشعراء والكتاب والصحافيين الذين يعبّرون في مواقفهم عن ملمح ما معارض للنظام وللمافيات المتسلطة على المجتمع. الأسبوع الماضي اغتيل فنان مشهور، وجدوه مقطّعا قطعا، ومحشورا في كيس قمامة. ذنبه أنه رفض أن يقتطع مبلغا شهريا من مرتبه ويسلمه للمافيا . عقاب لشخص، ورسالة لغيره.


السطح والأعماق


أرض الروح الطليقة والألوان الخافقة، وقد سكنت الطبيعة قبل أن تسكن أبدان البشر، أرض العذابات الإنسانية وآلام الفجأة الاستعمارية، وقد استوطنت في الروح والحركة وضوء العين

ثمة تعاون وثيق بين السلطة المركزية والمافيات المحلية، وبينهما وبين شركات عابرة للجغرافيات والأوطان يضيرها أن يتحرر المجتمع، وتتحقق الديمقراطية، فهذان يهددان مصالحها، فالاستثمارات والاحتكارات الأجنبية لا تدر الأرباح الفاجرة ما لم تكن الأثمان المطلوبة لنهب الثروات دائما أقل.

ثمة حزن عميق في عيون الغواتيماليين. لم يوافقني أورولدو على هذه الملاحظة، فهم، كما يقول، شعب مرح. لكن أقل نظرة من تلك العيون ترسل إليك ضوء ذلك الحزن العميق الذي لا يمكن لخصال المرح أو الرغبة فيه أن تخفيه، ولا أن تحجب تلك الالتفاتات التي تنظر أشياء العالم بشيء كثير من الانكسار.

في غواتيمالا سيتي، وقبل أن ينطلق الباص بركابه العشرين، شعراء بملامحهم البرونزية، وهوياتهم اللاتينية المكسيك ونيكاراغوا، والهندوراس، وكوستاريكا، وتشيلي، وحتى إسبانيا وإقليم الباسك، ومعه هذا العربي، وقفنا أمام لوحة كبيرة لرموز يمثل كل منها عنصرا من عناصر الحياة والحواس ورموزها في اتصالها بأرواح الأسلاف، رعاة الحياة وحماتها. في هذه اللوحة تتكثف وتتلخص مجمل الثقافة الروحية لقبائل المايا.

وبعد ذلك أقيم لنا طقس النار لتتطهر أرواحنا مما يشوبها، فتصفى وتشف، وتصبح أقرب من تلك الصفة التي يحملها كل منا: الشاعر. وكذا احتفاء بما تحفل به قصائدنا، في لغاتها المختلفة، من عناصر أولى تتصل وتلك الرموز والأقانيم التي هي بالضرورة خلاصات روحية ورمزية لأبعد ما في البراءة البشرية من صفاء في البسيط الذي هو سطح الماء، وأغمض ما في الأعماق.

استغرق طقس النار ساعتين، وطوال الوقت، كان المتكلم بلغة المايا يبتهل ويعدد أسماء العناصر، ونحن نردد وراءه. يا لحروفها ذات القاف والحاء والخاء، كما لو أنها العربية ولكن بمعان لم تدرك. ألقينا بالشموع، بألوانها الخمسة، في النار، وانتظرنا حتى ذاب كل شيء، وصارت النار رمادا، فركع الجميع وقبّلوا الأرض.

11