أمبرتو إيكو على خطى الموسوعيين من هوميروس إلى جيمس جويس

الأحد 2014/04/20
مشهد كلاسيكي يمثل مصرع آخيل كما روته إلياذة هوميروس

على خطى الموسوعيين الغربيين الكبار الذين أسسوا لبداية النهضة الثقافية الغربية ينطلق الروائي والناقد الإيطالي أمبرتو إيكو في كتابه لانهائية القوائم : من هوميروس حتى جويس الصادر حديثا عن مشروع كلمة للترجمة بأبو ظبي بترجمة ناصر مصطفى أبوالهيجا، مترحلا بين جنبات الأعمال الأدبية الخالدة بدءا من إلياذة هوميروس وأدب القرون الوسطى وحتى عصر الحداثة وما بعد الحداثة، لكنه على ضخامة العمل الذي يقدمه في هذا الكتاب وما يشكله من تجربة مثيرة، ينتقل فيها بين فنون مختلفة، إلا أنه يعترف بمحدودية ما قدمه، وذلك من خلال الإشارة في مقدمة الكتاب إلى الأشياء التي تم إغفالها، والأشياء التي لم يستطع الكتاب أن يجعل منها نهاية لهذا العمل، طالما أن لا نهائية القوائم تظل مفتوحة على عالم الإبداع الذي يتغذى دائما وأبدا من المنجز الجمالي في حقلي الفن والأدب.

وعلى الرغم من التنوع والثراء المعرفي والفني والنقدي الذي يقدمه إيكو في هذا الكتاب، إلا أن ما يستوقف القارئ العربي هو غياب أية إشارة للتراث الثقافي والأدبي الشرقي القديم أو الحديث، وكذلك الأمر بالنسبة للثقافات الشرقية الأخرى، ما يدل على مدى تمركز الوعي الغربي حول ذاته، وتكريسه لتلك المركزية مع مرجعياتها الدينية المسيحية واليهودية.


فكرة الكتاب


يتحدث إيكو عن الكيفية التي نشأت فيها فكرةهذا الكتاب، بعد أن قامت إدارة متحف اللوفر بدعوته لكي ينظم طوال شهرنوفمبر من عام 2000 سلسلة من المؤتمرات والمعارض وجلسات القراءة للجمهور والحفلات الموسيقية، التي تتمحور جميعا حول موضوعات يختارها إيكو، الأمر الذي جعله يتقدم مباشرة بموضوع القائمة- الكتاب. علاقة إيكو بالقوائم ليست جديدة لأن جميع رواياته كما يعترف شخصيا تغصُّ بهذه القوائم. هذه العلاقة القديمة مع القوائم يعيدها إلى أصولها الأولى التي نشأت عنها، والتي تمثلت في في دراسته عندما كان شابا للنصوص القروسطية وأعمال جويس. لكنه يعترف في الآن نفسه بأنه لم يخطر بباله يوما أن يقوم بإعداد مجلد خاص بالحالات غير المتناهية ،يتناول فيه وصف السفن في إلياذة هوميروس، التي اتخذ منها هذا الكتاب نقطة البداية في هذا الكتاب. ولا يختلف الأمر عنده بالنسبة إلى باقي الأشياء غيرالمتناهية التي تناولها، سواء ما يتعلق بروايات جويس أو الأعمال الأدبية والفنية المعاصرة، في حين يعترف بغياب الكثير من الأسماء عن رحلته الاستكشافية كهذه لسبب واحد، هو الحجم الضخم الذي سيكون عليه الكتاب، ما سيجعل منه كتابا مفتوحا على اللانهاية.

الكتاب يعتمد النص المعني إضافة إلى الأعمال الفنية الخالدة التي تقدم نموذجا عن هذه القوائم غير المنتهية


ترس آخيل


يبدأ إيكو رحلته مع القوائم اللامتناهية بالحديث عن ترس آخيل في إلياذة هوميروس، إذ يرى علاقة وثيقة بين دقائقه الغنية ووجود عمل حرفيِّ دقيق في صناعة المعادن. فهو يحتوي على مشاهد عديدة يبدو فيها أن تصويرها لا يعنى بالمكان وحده، وإنما بالزمان أيضا، وكأنها متوالية من المشاهد. لذلك يخلص إلى أن هذا الترس هو بمثابة تجل للشكل والطريقة التي يتدبر الفن فيها التمثيلات المتناغمة، التي تؤسس النظام والهرمية والمبدأ القائم على علاقة الشكل بالخلفية. لا يتوقف إيكو عند الجانب الجمالي في هذا العمل بل يتناول الوظيفة الإحالية له، باعتباره عملا سرديا يحيل على منطقة حضرية أو ريفية تشغل وعي المتلقي طالما أن المتلقي لا يشغله عند رؤية هذه المواضيع ما يقع خارج الإطار، بل يتمركز في نقطة محددة منه. ويرى إيكو أن هوميروس كان قادرا على بناء شكل مغلق، طالما أنه كان يعرف جيدا العالم الذي يتحدث عنه، الأمر الذي جعله قادرا على منحه شكلا، لكن هذا الشكل لا يعني أنه لا يوحي باللانهائية الجمالية التي هي في حقيقتها ليست سوى شعور ذاتي بشيء أعظم منا. إنها الإحساس الذي ينبع من الاكتمال التام والمحدود للشيء الذي ينال إعجابنا.

وينفي أن يكون الشكل شيئا تختص به الثقافات الراقية، التي تعي العالم حولها، لأنه أمر نمطي موجود لدى الثقافات البدائية التي تمتلك صورة غائمة عنه، ويكون عملها مقتصرا على وضع قوائم بخواصه، كما هو الحال في كتاب أنساب الآلهة لهزيود.

الكتاب يعتمد النص المعني إضافة إلى الأعمال الفنية الخالدة التي تقدم نموذجا عن هذه القوائم غير المنتهية، ما يجعله رحلة في متون تلك الأعمال العظيمة أدبية كانت أم فنية أم أسطورية.

كتاب "لانهائية القوائم" يترحل بين جنبات الأعمال الأدبية الخالدة


القائمة البصرية


إيكو يعتمد في هذا الكتاب عند الحديث عن القوائم اللفظية على الصور للتعليق على هذه القوائم، وهو ما يشكل مأزقا لأن الصورة المنحوتة محددة في المكان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللوحة المحددة بإطار. لكنه يرى أن ثمة أعمال أخرى تجعلنا نرى أن ما بين إطار اللوحة ليس كل شيء وإنما تدل على الكثرة، كما هو الحال بالنسبة إلى أعداد محاربي هوميروس. أعمال أخرى كاللوحات الهولندية المسماة بالحياة الساكنة التي تصور الفواكه واللحوم والأسماك، هي أعمال قائمة على الشكل، فهي تتراكم في مركزاللوحة بهدف تحقيق الشعور بالوفرة والتنوع العصي على الوصف. ورغم أنها تنطوي على إلماح بالقوائم فإنها كما يرى إيكو ترمز إلى الزائل وتدعو المشاهد للتفكير في عرضية المتاع الدنيوي.هذا التوصيف الذي يقدمه إيكو يتعارض مع مقولات صاحب التأويل المفتوح للأعمال الأدبية والفنية الذي سبق لإيكو وتحدث عنه في كتابه السيميائيات، طالما أنه ينطلق من أحكامه وشعوره حيال هذه الأعمال، بوصفها نتيجة عامة تحكم موقف كل مشاهد لها.

ويعود إيكو إلى مشهد السفن في إلياذة هوميروس لا باعتبارها مثالا رائعا على القائمة، ولكن لما يطلق عليه مصطلح الأنماط التي لا توصف. وقد تكرر ذلك عند هوميروس عن اعترافه بعجزه عن عد أعمال عوليس ومآثره أوعدد الموتى الذين رآهم الجحيم .هذه الأنماط التي لا توصف كثيرة في الأدب كما يجدها في أعمال هزيود وبيندار وفيرجيل، وفي أعمال معاصرة يختار نماذج منها دكتور فاوستوس وأدونيس لجيامباتيستا مارينو والإنياذة فيرجيل.


لانهائية الأماكن


ما يصح على وصف الأشياء والأفراد يصح أيضا على الأماكن، وهنا يستعين بسفر حزقيال من خلال قائمة الأملاك، وكذلك الأمر في أعمال تشالز ديكنز في وصفه لأماكن لندن التي غيّبها السناج والسخام. ولا يختلف الأمر عند إدغار ألن بو في رؤيته حول سلسلة الأفراد المختلفين وبروست في وصفه للمدينة التي عاشفيها طفلا.

لكن القائمة المكانية المذهلة يجدها حاضرة في أعمال جويس لاسيما في الفصل الذي يقدم فيه المئات من أسماء الأنهر في الأقطار المختلفة. وفي دراسته للانهائية القوائم عند جويس يجد أنها لا تأتي من الجهد الذي يتوجب على القارئ بذله، بل عن الإمكانات التأليفية التي تظهرها الأبجدية الإنكليزية والتي لم يقصد جويس منها تقديم معلومات جغرافية، بل أراد لها أن لا تكون للقائمة نهاية.

ولا يختلف الأمرفي عمل بورخس الألف بقوائمه غيرالتامة عن الأمكنة والبشر والتجليات المثيرة للقلق. أمثلة كثيرة يقدمها إيكو من نصوص سفر حزقيال وإدغار ألن بو ومارسيل بروست وإيتالو كالفينو ووالت ويتمان إلى جانب العديد من اللوحات العالمية.


قوائم وقوائم


يميز إيكو بين القوائم العملية أو البراغماتية والقوائم الشعرية فالأولى تمتلك ثلاث ميزات هي الوظيفة الإحالية الخالصة أي أنها تحيل على أشياء في العالم الخارجي، ووظيفة عملية في تسمية الأشياء. كما تدون الأشياء المعروفة والموجودة فعلا، فهي تمنح مجموع الأشياء شكلا مهما اختلفت، لأنها مترابطة بسبب وجودها، لكنها تظل قوائم محدودة. وإذا كان السبب الذي يدفع الناس لتأليف القوائم العملية معروفا، فإنه يسأل عن السبب الذي يدفع الناس الى تأليف القوائم الشعرية، إذ إن هوميروس لم يكن معنيا بمعرفة قادة الإغريق أو إخبار القارئ عنهم، الأمر الذي يجعلها لا تحيل إلا على عالمه الملحمي الخاص.

علاقة إيكو بالقوائم ليست جديدة لأن جميع رواياته كما يعترف شخصيا تغصُّ بهذه القوائم

ويتحدث إيكو عن العلاقة التبادلية القائمة بين القائمة والشكل سيما أن قائمة الأشياء حتى المختلف منها تمنح القائمة نظاما، ومن ثم تمنحها الشكل لمجموعة ما كانت لولا القائمة تبدو منتظمة . ويفرد لبلاغة التعداد حيزا خاصا يتحدث فيه عن البلاغة منذ العصور الوسطى وما اشتملت عليه من قوائم منطوقة وقابلة للنطق بصورة مضطردة، مبينا أنها لم تول أي أهمية لٌلإشارة إلى الكميات التي لا تنضب بالقدر الذي عنيت فيه برد الصفات والخواص إلى الأشياء بصورة مسهبة. إن الأشكال المختلفة للقوائم عند إيكو تنطوي على فكرة التراكم وهكذا فإن الأعداد هي نوع من أشكال التراكم. وعن قوائم العجائب يؤكد الباحث أن موسوعات القرون الوسطى امتلكت معيارا تصنيفيا غائما، لأنها كانت قوائم بسيطة لمعلومات غيرمترابطة، ولذلك يرى أن هذه الموسوعات تفترض شكلا، نظرا لأن صورتها التنظيمية قد امتلكت وظيفة تذكرية، في حين أن ما يهم القارئ العادي هو قائمة العجائب مثل كتاب العجائب لأرسطو حيث اتخذت تلك القوائم وظيفة شعرية خالصة لدى الكتاب المحدثين، الذين استكثروا المعارف القديمة واعتبروا أنها تحيل إلى عالم خيالي.

13