أمة تودّع شعراءها

الأربعاء 2015/04/29

خلال 48 ساعة فقط فقدنا شاعرين كبيرين: عبدالرحمان الأبنودي ومحمد الفيتوري، قبل أيام فقدنا الشاعر التونسي المبدع أحمد اللغماني وشاعر البحرين الكبير عبدالرحمان رفيع، قبل ذلك غادرنا إلى الأبد سعيد عقل وجورج جرداق وأنسي الحاج وسميح القاسم، وقبلهما ترجّل أبرز شعراء الأمة: نزارقباني ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي وغازي القصيبي ومنصور الرحباني وعبدالله البردوني وآخرون كثر.

رحل الشعراء الكبار كما رحل الزعماء الكبار والعشّاق الكبار والثوّار الحقيقيون الكبار والفنانون الكبار، حتى لتكاد الأمة تغلق ديوانها بعد أن استشعرت العجز عن اكتشاف مواهب جديدة قادرة على تجديد معانيه وصياغة مفرداته بروح العصر الذي تعيش والقادم الذي تستشرف.

ومع اتساع رقعة الموت وتقلّص رقعة الحياة لم يعد رحيل الشعراء مثيرا للحزن ولا باعثا للأسف، فهناك من بني جلدتنا من يبتهج لموت الشعراء، ربما لأنهم يعتبرون الشعر عدوا لهم بما يبعثه من وعي يتناقض مع وعيهم، وبما ينشره من قيم تختلف عن قيمهم، وبما يعتمده من فعل ابتكار في اللغة ينافسهم في ساحة اللعب بالكلمات.

ولأن الشعر عنوان الحياة فإنه يمثّل خطرا على فقه المنظّرين لثقافة الموت وفكرهم، فعشية ظهور داعش، وبينما كان بعض الدعاة ينشدون لصليل السيوف وقطع الرقاب، خرج علينا أحد الدعاة ليحث الناس على تجنب قراءة الشعر، منوها بأن التبحر الشديد في الشعر يلهي القلوب عن القرآن، وفق تعبيره، مضيفا أن “الشعر ممنوع شرعاً، لأنه يحجب القلوب عن تأثير القرآن.. فقليل منهم من يبكي عند سماع القرآن، لانشغالهم بالمحفوظ من الشعر وانغماسهم في تذكره والاستشهاد به”.

هذا الداعية المعروف جدا، كان في الواقع يدعو إلى مقاطعة الوعي والجمال والرقي الثقافي والحضاري والعمق الإنساني والسمو الفكري والوجداني من أجل ترك المجال رحبا وفسيحا لثقافة جديدة بدأت تخترق مجتمعاتنا بعدائها الصارخ لإنسانية الإنسان التي يجسدها الشاعر.

وللأسف فنحن نعيش زمن رحيل الشعراء الكبار وتناسل الدعاة المتطرفين وأمراء الحرب وقادة الميلشيات الخفية والمعلنة، وتلك مصيبة أخرى تنذر بالمزيد من الظلام، بعد أن خرجنا من دورة ثقافية نيّرة ودخلنا أخرى لا ضوء فيها.

24