أمثولات شعرية تتشابك فيها الجذور مع الأجنحة

يعتبر آدم فتحي من جيل شعري فاصل في تاريخ الشعر التونسي، وهو جيل الثمانينات من القرن الماضي، حيث بدأت تتشكل معالم نصّ شعري تونسي مختلف، استفاد شعراؤه من الجهد التّنظيري لحركة الطّليعة ومن الحراك السياسي والنّقابي في تلك الفترة والذي كان في أوج غليانه.
السبت 2016/11/05
كتابة شعرية خالصة

عرف آدم فتحي بقصائده الملتزمة، سواء منها المكتوبة بالعامية التونسية أو المكتوبة بالعربية الفصحى، لكنه يطل علينا بعد الثورة بكتاب شعريّ تجاوز به تجربته الشعرية، وأرسى به معالم مشروع شعريّ حقيقي.

و”نافخ الزّجاج الأعمى” هو كتابه الصادر عن دار الجمل، يرفع به آدم فتحي العارضة إلى أرفع مستوياتها أمام القارئ، حيث الكتابة الشعرية الخالصة من مخلّفات الشعر الشفهي. ويحيلنا الشاعر منذ عنوان الكتاب “نافخ الزّجاج الأعمى” إلى عالم من الخيال المحض: أعمى ينفخ الزّجاج. نحن نعرف أنّ فنّ نفخ الزّجاج يتطلّب مهارات جسدية وذهنيّة وبصريّة أيضا حتى تأخذ عجينة البلور في النار الشكل الذي أراده لها النافخ، لكن النافخ هنا أعمى، فكيف يستوي معه الأمر؟، وهذه لعبة الشاعر الأولى.

وينظر الشاعر في نفسه، حيث المدن التي عبرها من توزر إلى غار الدّماء، فغار الملح والشريفات..إلخ والتي استحضرها بأسلوب أليغوري “تمثيلي” في نصّ “فارس نفزاوة” والذي نفهم أنّه لم يكن سوى قناع الشاعر.

يتأمل الشاعر في نفسه، حيث المفردات الضاربة في جذور الأساطير وفي الثقافة الشعبية التونسية التي شرب منها آدم فتحي الدقلاية، البخنوق، أغاني صليحة، الماغون، تراكي، الشهيلي، مجردة، الهندي، المهاريس.. وغيرها من المفردات التونسية وهي أسماء للأشجار والطيور والناس والفواكه، والتي أفرد لها الشاعر ملحقا للهوامش في آخر الكتاب للتعريف بها للقارئ العربيّ.

“نافخ الزّجاج الأعمى” نحت في النثر بإزميل الشعر. معرض لأمثولات شعرية مدهشة تتشابك في سماواتها الجذور والأجنحة، صاغها الشاعر بدقّة نساجة أمازيغيّة. يعود آدم فتحي إلى الأساطير الشعبية وإلى الملاحم الشعرية الكونيّة ليصوغ بها عالمه الشعريّ. حفنة من رمل الجنوب وحفنة من رمل الشمال لتتآخى الصحراء والبحر في كائناته الزّجاجية.

نصّ “آدم فتحي” مزروع بالفخاخ، وعليك أن تكون فطنا وأنت تتحرّك بين الكلمة والكلمة، فيه ما في النصوص المؤسّسة من قدرة عالية على هضم المعرفة الإنسانيّة.

تصلنا من نصوصه أصوات الفلاسفة والمتصوّفين الذين يقولون بفكرة الحلول “الاحتراق في سبيل الضوء؟”.

يقول في نصّ “تراكي”:

“انهضي أيتها الحشرات/ إلى جلودك الآدميّة.

نسمع هنا صوت كافكا في جوقة الصراصير، وأصوات السّورياليين ونشاهد صورهم من رسّامين وشعراء؟”. ويذهب آدم فتحي إلى الشعر عبر غابة الفلسفة، حيث تنبع الحكمة في مغاورها. فثمة أصوات خافتة لهرقليطس ونيتشه وشوبنهاور تأتي من ثقوب النّصوص. ويبدو الشاعر في كتابه هذا مسكونا بمؤرّخ يشتغل داخل متحف للفنون، وهو يحاول استحضار كل الأشياء الملهمة في تاريخ الفنون: ناي أماديوس، غليون عم الطاهر شريعة، غزالة كيوتو، سوط كافافي، أذن فان غوغ، أصابع جياكوميتي، حمار نرسيس، قصبة أوكتافيو، أنف بينوكيو، غراب إدغار آلان بو، بئر طاليس، أغنية صليحة، شجرة فيروز، بحة الشيخ إمام، مدينة نجيب بلخوجة.. إلخ.

“نافخ الزجاج الأعمى” هو كتاب “الكلّ شيء” قولا وحلما. هذه المعادلة الأقسى التي لامسها آدم فتحي، كيف يقول كلّ شيء ويحمل النفس بكلّ شيء، يكتب وفي خاطره كلّ مشاريع الكتابة العظمى التي غيّرت مسار الإنسان من الميتارفوزس لأوفيد إلى “هكذا تكلّم زاردشت” لنيتشه. كما يبدأ الشاعر كتابه بحركة أولى هي بمثابة حوار قصير بين طفلة وأبيها “الأعمى” كما يؤكّد الشاعر، ويختمه بحركة ثانية، فتبدو خاتمة الكتاب متّصلة ببدايته بشكل دائريّ، ليدخلنا الشاعر في جدلية المطلق واللامحدود: العالم دائرة تفضي نهايتها إلى بدايتها، كما يقول المتصوّفة.

17