أمثولة الفداء

الأربعاء 2017/09/06

التنازع حول الرمزيات والأسماء والأمثولات والأماكن هو قدر الاشتباك اليهودي الإسلامي المتواتر عبر قرون طويلة، ولم تكن رؤيا النبي إبراهيم إلا تفصيلا في تراث متنازع عليه يفرز في كل مرة قضايا ملتبسة؛ فالملاك يحول دون إنفاذ ما ورد في رؤيا النبي إبراهيم بشأن ولده إسحاق في العقيدة التوراتية، وبشأن ولده إسماعيل في العقيدة الإسلامية، والتضحية تتم في جبل “المريا” ببيت المقدس في الرواية الأولى، وبجبل عرفات بمكة في الرواية الثانية.

لكن رمزيات التضحية/ الفداء حافظت على دلالاتها المقترنة بنشأة السلالة الإبراهيمية الجامعة بين العقيدتين المتقاطبتين والمتقاطعتين في آن، صحيح أن تحويل الجذر الطقوسي العنيف إلى سردية دنيوية، لم يحظ بجهود لافتة في الثقافتين، لكن أمثولة الفداء نفسها ستستمر في التجلي بصيغ مختلفة في المعتقدات الشعبية ومخيلة الناس عن القرابين والأضاحي التي تسيل فيها دماء غير البشر، فداءً وتقربا لله.

ولعل مما يلفت الانتباه أن أمثولة الفداء والتضحية لم تكتسب بعدا تأويليا دنيويا إلا في الفن المسيحي مثلها مثل وقائع الصلب ودرب الجلجلة والعشاء الأخير … تتواتر مئات اللوحات المجسدة لواقعة إنقاذ ولد إبراهيم في كاتالوغات الفن النهضوي والباروكي والقوطي والرومانسي لعل أشهرها لوحات رامبرانت وكارافاج ومارك شاكال ولورانزو غيبيرتي…

الثابت فيها دائما هو العنوان غير المتحقق: “التضحية بإسحاق” (في النهاية لم تتم التضحية) ثم الاندفاعة الصاعقة للأنثى الشقراء (الملاك) المنبهقة من السماء لانتشال الخنجر من يد الشيخ المروع، بينما الابن مستسلم لسكينة الموت…

يبدو فيها الرسام الغربي غير منشغل بشخصياته الثلاث إلا بقدر تمثيلها لصورة تحول القضاء الرباني، وولادة الحياة من حافة الدم البشري المحقون؛ ملامح العيون الجاحظة والأطراف المتوقفة عند عتبة الفعل، ولغز التحول المدفون في لحظة الفداء هي ما شد الفنان المهووس بكشف سر القدر.

وحين انتشرت روايات “التضحية بإسحاق” منذ أواخر القرن السابع عشر وتلك التي تستلهم الواقعة في تمثيل القرابين الإلاهية من مثل رواية “سالامبو” لفلوبير، لم يكن النموذج الإسلامي حاضرا إلا بوصفه انزياحا عن الأمثولة التوراتية، وتحريفا لها، وشأن كل السرديات المسيحية الحديثة والمعاصرة المنحازة اعتبر الفداء تراثا مجازيا غربيا في مقابل الحسية العنيفة للنموذج الشرقي الذي مثلته الطقوسية الإسلامية، بحيث لا يمكن الفصل هنا بين النظر الاستشراقي للظاهرة والرعب المعاصر من الإسلام السياسي، ومحاولة إدماج الأمثولة القديمة ضمن نسق الإسلاموفوبيا، إنه الفهم ذاته الذي ينزع عن الاحتفال الديني للمسلمين بذكرى التضحية جانبه الرمزي ويحوله بحسب التسمية الغربية إلى مجرد “عيد للخروف”.

كاتب مغربي

15