"أمراء وأميرات المدن": جولة في مدينة متخيّلة

مساحات العرض في قصر طوكيو تحولت إلى أحياء وغرف وشوارع أشبه بمدينة مُتخيلة، تحوي أعمال أكثر من خمسين فنانا تستحضر خمس مدن هي لاغوس ومانيلا ومكسيكو سيتي وطهران ودكا.
الأحد 2019/08/04
كائنات فضائية من مانيلا

 لا يمكن لنا أن نلتقط “روحَ المدينة” بدقة، نستطيع فقط أن نستنسخ ونعيد إنتاج أجزاء منها، قطعٌ لا يمكن لمجموعها أن يرسم الصورة الكاملة، خصوصا أن المدينة بمواطنيها ومجانينها وشرطتها تختزن النظام العام، الذي ينتجه الذين سبقوا ويتبنونه، ليعكس كل تفصيل فيها علاقات قوة مختلفة، سواء كان جدارا شبه مهدم، أو سيارة مهجورة أو مارة يرتدون ثيابهم اليوميّة ويقطعون الشارع بانتظام، هذه الأشكال والعلامات تخزن داخلها شبكة من العلاقات العاموديّة في التاريخ والأفقيّة بين الأفراد، لإنتاج مساحة الحياة والاستقرار التي تسمّى المدينة، بكل ما تحويه من أنشطة سياسية واقتصادية وثقافيّة.

يقيم قصر طوكيو في العاصمة الفرنسية باريس معرضا بعنوان  “أميرات وأمراء المدن”، وإثره تحولت مساحات العرض في القصر إلى أحياء وغرف وشوارع أشبه بمدينة مُتخيلة، تحوي أعمال أكثر من خمسين فنانا تستحضر خمس مدن هي لاغوس ومانيلا ومكسيكو سيتي وطهران ودكا، تتلاشى الحدود بينها وتتداخل دون نظام قد يوصلها حد الفوضى، وكأننا في حلم هذيانيّ، نكتشف فيه العنف والخوف واللذة، فكل فنان يعيد بناء جزء من مدينته ضمن المدينة المتخيّلة، دون أي ترتيب جغرافي يجمع أو يصنف المدن، فقط مساحات مرتجلة قد تتشابه فيها الموضوعات.

قبل أن ندخل المعرض يرحب بنا على الباب كائن شبه آلي وشبه بشري من أعمال الفنان المكسيكي فيرناندو بالما رودريغز، هذا الكائن الذي يتحرك بمجرد المرور بجانبه، هو الأول من مجموعة أعمال لرودريغز تمثّل أشباه حيوانات آلية غير متقنة الصنع، تتحرك بصورة عشوائية وأحيانا تنتفض فجأة، وكأنها بقايا عالم تُبعث فيها الحياة بشحنات بسيطة من الكهرباء، أخشاب وحديد وتراب ومعدات منزلية تحاول النجاة، كحالة مدينة نيومكسيكو التي تعاني الفقر وقمع السكان الأصليين، لتبدو الأرض ومكوناتها كأنها في العناية المشددة معلقة على أطراف الحياة، بعدما خُربت الأوطان الأصلية ومكوناتها واستبدلت بتكنولوجيا رخيصة لا يمكن الاعتماد عليها.

ما يثير الاهتمام في المعرض منحوتة بعنوان “دعه يعمل، دعه يمر” لمجموعة من الفنانين المكسيكيين، وهي حوت بلاستيكي ضخم، أحشاؤه على الأرض، لكن عوضا عن الدماء، نشاهد منتجات الثقافة الشعبية الأميركية من ألعاب ومأكولات وبرامج ترفيه تخرج من بقايا هيكل الحوت العظمي ولحمه الذي تعلوه أسهم صيد أميركيّة ومكسيكيّة، هذا العمل إهداء لذكرى الحوت الشهير “كيوكو” بطل الفيلم الهوليوودي “ويلي حرا”، والذي مات عام 2003 بعد أن باعته المكسيك إلى أيسلندا، لتأتي المنحوتة إحالة إلى البلاد التي تبيع نجومها وثرواتها دون أي اعتبار، وخصوصا بعد اتفاقية التجارة الحرة في أميركا الشمالية، التي مهدت للرأسماليّة الأميركيّة ومنتجاتها بوصفها حلا لمشكلات البلاد، في حين أنها دمرت الاقتصاد والرموز الثقافيّة، وكأن المنحوتة وعلاقتها مع الحوت الحقيقي إشارة إلى خطر الرأسمالية، التي ترسم فانتازما متخيلا، جميلا ومُشبعا، لكنها تقتل كل ما تلمسه وتنفي عنه أصالته.

الرأسمالية وضحاياها
الرأسمالية وضحاياها

نشاهد أيضا الثياب والتصميمات التي أنتجها ليروي نيو في مانيلا، المدينة التي اجتاحها البلاستيك وكاد يغرقها، لتأتي الأزياء التي تحمل عنوان “كائنات فضائية في مانيلا” كتعليق على مستوى التلوث هناك، خصوصا أنها ارتديت من قبل مجموعة من فناني الأداء الذين تجولوا في المدينة ومشوا في أرجائها ككائنات فضائية تثير استغراب المارّة، ولا تنتمي للمكان، هم يرتدون ما هو مؤقت لكن لا يمكن التخلص منه، فالبلاستيك يشكل أزمة عالمية الآن، كون الأطنان منه تترسب في البحار وفي الأرض دون وسيلة للتخلص منها، لتأتي هذه الأزياء مجرد بداية، فماذا لو تجاوز الأمر الثياب وقرر البلاستيك التهامنا، أو استبدال جلدنا.

العمل الأشد إثارة للاهتمام في المعرض هو المنحوتة أو عمل التجهيز الذي يوظف غرفة بأكملها، والذي أنجزه الفنان الفلبيني الذي يستخدم الاسم المستعار دوكتور كارايوم كونه كان فنان شارع ويخاف من الاعتقال، إذ نشاهد على الجدران مخططات تشريحيّة كاريكاتوريّة لجثة نراها أمامنا، يتحرك بين سطحها وأحشائها رجال صغار يقومون بعمليات وأنشطة مختلفة، وكأننا أمام حضارة تعيش على هذا الجسد/الجيفة، فكاريوم الذي يأسره تشريح الجسد البشري يحاول في هذه المنحوتة أن يغير وجهة نظرنا للعالم ومكاننا ضمنه، فنحن أيضا طفيليات “نقتل” المكان الذي “نعيش” عليه، متجاهلين شكل الحياة الأصلي الذي كان موجودا قبلنا وحقيقة أن المكان نفسه كائن حيّ.

لا يمكن الإحاطة بكافة الأعمال في المعرض، خصوصا أن بعضها لا يبدو مفهوما أو مبتذلا، وأحيانا مألوفا، ولا ندافع هنا عن مفهوم الأصالة لكن عن تلك الألفة التي نشاهدها في الأعمال التي تبدو بسيطة جدا دون أن يكون المفهوم وراءها متماسكا، بل مجرد صدى لأعمال أخرى، ما يوقعها بفخ الفن المعاصر والسياسات الجماليّة المرتبطة به، مع ذلك هناك أعمال يتضح لنا أنها محاكاة جديّة لأعمال أخرى، كأغنية “هذه نيجيريا” التي تحاكي كلمات وأداء وموسيقى أغنية “هذه أميركا”، وفيها ينتقد المغنّي فالز الحياة في نيجيريا والنظام السياسي الفاسد والقتل والفقر، لتبدو الأغنية هنا وسيطا جماليا يحتفي بما سبق، لا مجرد تقليد أعمى أو قليل الاحتراف.

14