أمراض العقل العراقي

الاثنين 2013/08/19

يموت المواطن العراقي في كلتا الثقافتين، المنتمي إلى ثقافة الانتحار أو المنتمي إلى ثقافة الاستشهاد.

كلاهما يؤمن أيضاً أنه سيذهب إلى الجنة مباشرة، الانتحاري الذي يفجر نفسه بالحزام الناسف أو السيارة المفخخة، والمقتول الذي سينال الشهادة فور مقتله.

ينطلق كل واحد من هؤلاء من نظرية دغمائية مقفلة يصعب تفكيك بنيتها الصلدة.

وإذا كان المنتمي إلى ثقافة الانتحار قد فقد كل أغطيته بعد خروج المحتل وبالتالي بطلت كل حججه السياسية والدينية، فإن المنتمي إلى ثقافة الاستشهاد يوغل في اجترار قتامة هذه الثقافة بالإصرار على تبني مبادئها الميتافيزيقية. هذه هي أمراض العقل العراقي.

في هاتين الثقافتين تسعى كل ثقافة إلى تأثيم الطرف الآخر بعد تسفيله وهتكه ولصق كل الصفات المرذولة به بطريقة «هذائية» لا تستند إلى أدنى مقوم، سواء كان واقعياً أو رمزياً.

ثقافة الانتحار تنطلق من ذلك الجرح النرجسي «خسارة السلطة» والفكر التشاؤمي الذي يقود إلى الاكتئاب واليأس. في حين تقوم ثقافة الاستشهاد بتسفيل أي عقل نشيط يعمل على صيانة الذات وتجعل منه عقلاً مستقيلاً.

في هذا التكيّف الناقص وتحت سقف الدستور المتوعك يجري الصراع السياسي في العراق من دون أدنى شعور بالواقع من قبل أطراف النزاع.

ثقافة الانتحار التي خسرت كل شيء تقريباً بما فيه الأخلاق، تستنجد برؤية شائخة من ثقافات خارجية من أجل العودة إلى السلطة مهما كلف الثمن (ضحايا، تدخل خارجي، انهيار الاقتصاد، ارتهان الإدارة).

أما ثقافة الاستشهاد، فهي غير قادرة على سن قوانين إنتاج النجاح ولا تسمح للآخر بإنتاج هذه القوانين.

كلتا الثقافتين تتبنى عبادة الصورة المتخيلة عن الذات المثالية، ولم تنفع الأمثلة التي سطّرها العراقيون خلال هذه السنوات العجاف بنبذهم للطائفية.

الساسة يعيشون بذاكرة مشطورة، لكن المواطن لن ينسى الشرطي الشيعي الذي احتضن الانتحاري الذي يرتدي حزاماً ناسفاً وأخرجه من دائرة الانتخابات وانفجر معه خارج القاعة في العام 2005.

لن ينسى المواطن العراقي السني هذه التضحية كما لن ينسى المواطن العراقي الشيعي الشاب الأعظمي السني الذي غرق في نهر دجلة بعد أن أنقذ عدداً من الزائرين الشيعة في حادثة الجسر الشهيرة.

لن ينسى المواطن العراقي الشيعي تضحية الضابط العراقي السني وأخيه المقاتل السني اللذين استشهدا في الناصرية قبل أيام قليلة وهما يحتضنان الانتحاري المزنّر بالحزام الناسف ويأخذانه بعيداً من الزوار الشيعة ثم ينفجران معه وينقذان إخوتهما في الوطن.

ثقافة الانتحار التي تنتج الانتحار وتصر عليه، لا ترى ولا تسمع ولا تصدّق هذه الأمثلة التي يقدمها المواطن العراقي كل يوم في نبذه للطائفية التي يهدد بها الساسة كلما سنحت سانحة، بل تزداد هستيرية وجنوناً في توكيد ذاتي معطوب لا تستطيع حتى البسيكولوجيا توصيفه.

في المقابل لا تسعى ثقافة الاستشهاد إلى تخصيب العقل بدفع الأحزان والمخاوف والمهددات، إنها غير قادرة على تفجير النزعات الودادية بين المواطنين بقدر إثارتها هذه المخاوف والمهددات.

العلاج الإيماني الذي تسعى إليه ثقافة الاستشهاد، لا يستطيع إن يلبي حاجة المواطن الذي تمزقت هويته، لأن هذا العلاج لم يخرج من المختبر، بل هو شفاهي وغيبي وأقرب إلى الميثولوجيا.

كلتا الثقافتين في حاجة إلى تأهيل نفسي واجتماعي من خلال تطمين الجراح النرجسية للثقافة الانتحارية وإعادة النظر بالاحتفالات الدينية بالنسبة إلى ثقافة الاستشهاد من خلال ضبط هذه الاحتفالات (العلاج الإيماني) وصقلها بما يجعلها نافعة محلياً وخارجياً ولا تثير الشركاء.

أمراض العقل العراقي أصبحت كثيرة، وبعضها قد يصبح مزمناً إن لم يقم الأصحّاء بتدارك المعضلة وإيقاف هذه الهستيريا.

8