أمران لا يلتقيان.. الجهادية والثورة

الخميس 2013/12/19

للثورة السورية أسبابها وأهدافها؛ فهي انفجرت لأن الواقع لم يعد يطاق، ولأن الفقر ناهز الـ 30 بالمئة، والآن أصبحت أغلبية الشعب تحت خط الفقر، وبسبب تغوّل النظام الأمني الذي غطى على سياسات النهب فيما قبل عام 2000 وما بعده، أي زمن القطاع العام وزمن السياسات الليبرالية، وبالتالي حدث انهيار بالصناعة والزراعة وكافة الخدمات، وتأثر بكل ذلك من يعمل بهذه القطاعات إضافة للعاطلين عن العمل، ولاسيما فئة الشباب، والتي كان لها دور مميز في التحسس لكل هذه القضايا، باعتبارهم جزءاً من الشعب المُفقر فساهموا في إطلاقها.

أسبابُ الثورة، ستُجدّدها بصورة مستمرة، إلى أن تتحقق الأهداف المرتبطة بها في سوريا وسواها؛ وفي هذا قد تثمّن جماعات في المعارضة والثورة أهدافاً على أهداف، ولكنها كلها تسعى من أجل صراع سياسي ضمن دولة حديثة. هذه بعض أوجه الثورة بشكل دقيق؛ وقد انطلقت الثورة بوضوح كامل، معلنة أنّها ثورة كل السوريين المتضررين، ولذلك شاركت كافة المدن السورية، وكافة أفراد المجتمع بغض النظر عن هويتهم الدينية، ولكن شذّ عن المشاركة المدن الكبرى، حلب ودمشق، والأحياء الثرية كذلك، وقطاعات شعبية لأسباب تتعلق بتخوفات طائفية، ولكن ذلك لا يلغي أنها ثورة، بل ثورة شعبية وممثِلة لكل السوريين.

ببدء دخول النصرة وداعش وبقية الجماعات العسكرية الجهادية، برز وجه جديد لصالح النظام وضد الثورة، فالنظام والإخوان وبعض التيارات الديمقراطية هم بالتحديد من طرح قصة الأكثرية الدينية المتضررة من النظام وفئوية النظام الطائفية، وبالتالي بدأت تتكرس قضية نظرية وسياسية اسمها العلاقة بين الثورة والطائفية، ولكن القضية بقيت في إطار الاختلاف السياسي والنظري، وأحيانا كانت تظهر من خلال المال السياسي لتكريس توجّه محدّد للإعلام أو إغاثة من يواليهم، وحاول الإخوان حينها البدء بتشكيل كتائبها المسلحة أو دعم كتائب معينة لتعمل لصالحها. نقول وحتى هذه اللحظة لم نشهد ممارسات طائفية منهجية ومنظمة بصفوف الثورة أو المناطق المحررة.

مع النصرة وداعش، والأخيرة بالتحديد، شهدنا ليس طائفية وظلامية غير مسبوقة فحسب، بل وقتلاً ممنجهاً لكل من يخالفها، ولم تتورع عن إنشاء سلطتها الخاصة ومحكمتها الشرعية وفرض أحكامها، وطرد كل تمثيل عسكري أو سياسي أو مدني أو إعلامي مخالف، وتكرر مشهد الطرد بالقتل وفرض الأحكام في كافة المناطق التي سيطرت عليها الثورة من قبل بقوة المظاهرات وقوة الكتائب المحلية والجيش الحر، وأبرز مثال عن حكمها الجهادي والشمولي شكل سيطرتها على مدينة الرقة؛ المدينة الأولى في الخروج الكامل عن النظام؛ حيث تمّ إنهاء كافة المظاهر الثورية على مراحل، وقُتل واعتقل وهجر كل من كان معارضاً تاريخياً للنظام فيها، أو كان له دور مركزي في إطلاق الثورة فيها.

ممارسات هذه المجموعات والتكفيريين بالتحديد، لا علاقة لها بالثورة، فهي فقط وسيلة لفرض رؤاها على المجتمع، بل هي من أنهت دور الشعب في الاستمرار بالثورة، ودفعت قسماً منه ليتقبل عودة النظام ذاته؛ وبالتالي يبرز استخلاص مفاده: الجهادية من صنع النظام في المناطق المحررة. الحقيقة أن النظام لن يستطيع فرض سلطته مجدداً، والتكفيريون هؤلاء يعملون بإمرة النظام أو ما يريده بالتحديد، ومن هنا نفهم سبب تصفيتها لمختلف أوجه الثورة قبل قدومها.

إسلام هؤلاء لا صلة له لا بالجهاد ولا بالإسلام الشعبي، بل هناك كثير من المسلحين يصفون أنفسهم بالمجاهدين، وهذه الصفة لا تفترض أبداً أية ممارسات طائفية أو ظلامية أو إجرامية، بل هي صفة عامة كصفة المسلم أو سواها، وبالتالي لا علاقة حتى لداعش بمفهوم الجهاد بالمعنى الدقيق، وهي مجرد مجموعات إجرامية تتغطى بالدين لتبرر أفعالها.

هذه المجموعات ليست من أرض سوريا، وإذا كانت سوريا ليست عصية عن وجود مثل هؤلاء الأفراد، فهم لم يشكلوا ظاهرة فيها أبداً، وعادة ما كانت ظاهرة الجهادية بالمعنى “الداعشي” مرفوضة مجتمعياً بل ودينياً، عدا أن جملة التطورات متعددة المستويات في سوريا تلفظها. النصرة وداعش ومختلف الجهاديات القريبة منها، تشكّل خطراً حقيقياً على مستقبل الثورة، وستشكل ورقة ضغط إضافة لإعادة إنتاج النظام ذاته باعتباره يدّعي مقاتلة الإرهاب.

هؤلاء التكفيريون، أصبحوا ظاهرة عسكرية تتوسع بالتدريج، وقد برزت ظواهر عسكرية مشابهة ولكن جهاديتها أقل منها، كالجبهة الإسلامية ومكوناتها، ولا يعني هذا عدم خرق النظام لها، ولا يعني أنّها قوى لصالح الثورة، وهناك ممارسات تماثل تماماً داعش والنصرة، ولكن التمييز بينها يجب أن يكون دقيقاً؛ فهي لا تعمل لصالح الثورة وتطرح رؤية لا علاقة لها بها، بل ضمن إطار إسلامي مدعوم من دول خارجية، وفي إطار التنافس بين القوى السياسية، أي يمكن ضبطها جزئياً دون تجاهل مشروعها الخاص بها. هؤلاء التكفيرين لم يظهروا إلا بسبب تحوّل الثورة في جانب كبير منها إلى حرب، وبزوال الحرب سيتراجع موقعهم. داعش لن تجد مكاناً في سوريا، والنصرة سيتقلّص وجودها، أما الجبهة الإسلامية فسيتم نبذها بالتدريج، وبالتالي ستتقدم الثورة من جديد.


كاتب سوري

9