أمطار ملكية ونيران داعشية

الخميس 2015/05/07

بمناسبة أحد الأعراس الملكية في لندن، قررت السلطات في بريطانيا استخدام طائرات لطرد السحب من سماء العاصمة خلال يوم الاحتفال لضمان الجو الصحو، وغياب الأمطار التي يمكن أن تفسد جو العرس كما ذكرت إحدى الصحف، وأضافت على سبيل التندر، أن هناك استثناء لمنطقة من مناطق المدينة هي “كيلبرن”، التي ستتركها سلطات الطقس لعواصف الأمطار تضربها، بسبب ما أظهرته مراكز استطلاع الرأي العام من مشاعر أهلها المعادية للنظام الملكي.

تذكرت هذا العقاب العشوائي الذي يشمل أقلية من أهل المنطقة لا تشارك الأغلبية مشاعرها تجاه العرش، وهي عقوبة ملكية ذات محتوى إنساني تحيل إلى المقارنة مع عشوائية أهل التوحش والسقوط الأخلاقي والإنساني، الذي لا سوابق له منذ العصور البدائية، إلا أنه إجرام يتكرر في هذا العصر بوسائل أكثر فتكا ودمارا. فقد تواترت الأخبار في الفترة الأخيرة من ليبيا عن حملات القصف العشوائي التي تقوم بها ميليشيات التطرف الإسلامي ضد أهالي مدينة بنغازي، وتحتوى كلمة عشوائي على حمولة من الرعب يقشعر لها الجسم، لأنه استهداف بالقذائف والصواريخ لأحياء سكنية وأناس ليسوا طرفا في ميليشيات الاحتراب، ذهب ضحيتها نساء وأطفال ورجال ينامون آمنين في بيوتهم التي سقطت فوق رؤوسهم، وآخر ضحايا هذا القصف الإجرامي الذي يسمونه عشوائيا، مركز الإسعاف السريع في المدينة، أسفر عن قتل عناصر الإنقاذ وجرحهم في هذا المركز، وهم أناس سخروا أنفسهم للعمل الإنساني وإسعاف البشر الجرحى في مناطق التوتر والصراع، دون تفرقة بين هذا وذاك سوى أنه بشر يحتاج الإسعاف ويخاطرون بحياتهم في سبيل أداء عملهم. فأي درك أعمق من هذه الهوة يمكن أن يصلها الفعل الإجرامي؟

ولا أدري كيف يستطيع المجتمع الدولي أن يغمض عينيه على مثل هذا التوحش في بلد لا وجود فيه لدولة يمكن أن تحقق الإنصاف وتعاقب المعتدين. نعم للمسار التفاوضي الذي يقوده مندوب الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا وجهوده في جمع المتخاصمين في حوار الصخيرات في المغرب، وهو مسار يمضي بموازاة الحرب التي تدور في مناطق مختلفة من ليبيا، بأمل إيقافها والوصول إلى صيغة يرضى عنها المتحاربون، فيتركون السلاح، ويباشرون العمل السياسي لبناء الدولة.

ولكن ليس معنى ذلك ألا نرى عقابا يطال مرتكبي هذه الجرائم التي تستهدف المدنيين، وقد شرع المجتمع الدولي لحزمة من العقوبات التي تم استخدامها في مناسبات كثيرة وفي مختلف مناطق التوتر في العالم وجاءت بنتائج لإيقاف الإرهاب، فلماذا لا نرى استخداما لها في مثل هذه الحالة المتفاقمة في ليبيا، وأهمها استصدار مذكرات القبض على المجرمين وتقديمهم إلى محكمة الجنايات الدولية، ومتى يمكن استخدامها إن لم يكن في مثل هذه الحالة وفي مثل هذا الوقت، وإزاء هذه الجرائم التي تنقل وسائل الإعلام المرئية تقارير عنها بالصوت والصورة والشهود.

وإنني لعلى يقين أن السكوت على هذا الإجرام في ليبيا سوف يخلق تقليدا لدى دواعش العالم في استخدامه في مناطق أخرى، وقد رأينا تكرارا له في عدن من قبل ميليشيات تحارب الشرعية، وتوجه الصواريخ والمدافع إلى أحياء سكنية لاستهداف أهلها بنيران الإجرام والتوحش، ولعل إجراء مماثلا يجب أن يطال هذه الميليشيات، إضافة إلى ما حصل لبعض الخارجين على الشرعية من تجميد لأموالهم وحظر على سفرهم ووضع أسمائهم في قوائم سوداء ومنع إصدار تأشيرات لهم، وهي بالتأكيد غير كافية، ولم نر لها تأثيرا يذكر على المسار الإجرامي المعادي للدولة والمعرقل للمسيرة السلمية، والخارج على الشرعية والقانون، وأنا أتحدث هنا عن المنظمة الدولية الأممية، وخارج إطار التحالفات الإقليمية التي قدمت معالجات عسكرية للموقف.

مثلما يجب أن نرى حزما من الأمم المتحدة في اليمن، فأتمنى أن أرى هذا الحزم في التعامل مع الضالعين في العمليات الإرهابية التي تقوم بها جماعات التطرف الإسلامي، من بداعش إلى بمجلس شورى ثوار بنغازي وأنصار الشريعة، وبقايا الجماعة المقاتلة في الشرق الليبي، وهي مجاميع إرهابية معادية للدولة وللمسار السلمي، ولا يشملها الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة، وتحتاج إلى معالجة تضع رادعا لها، بدل تركها تعبث بمقدرات الوطن وترتكب الجرائم ضد الأبرياء، وتستهدف الضيوف والإعلاميين.

كاتب ليبي

9