أمل دنقل هل يمثل قصيدة الرفض أم سلطة الهامش؟

مسميات عديدة للشاعر المكتفي بظله الخاص، النائي عن بريق السلطة، المناوئ لمركزية المتن، فهو شعر الرفض بتعبير البعض، وهو شعر المقاومة كما يرى آخرون، وهو شعر منشقّ يتمتع بسلطة موازية هي “سلطة الهامش” برأي فريق ثالث، هكذا كان الشاعر المصري الراحل أمل دنقل.
الخميس 2017/08/03
لماذا أمل دنقل الآن أيها الناقد

الشاعر المصري أمل دنقل (1940-1983) واحد من أبرز الشعراء الذين لم ينصاعوا للسلطة، ولم ينساقوا وراء السائد الشعبي والذائقة الجمالية الجمعية، الأمر الذي دفع مجموعاته الشعرية إلى فضاء التمرد على الثوابت والتحرر من القيود الفنية والاجتماعية والسياسية والأيديولوجية، ومن هذه المجموعات (التي طبعت معظمها في بيروت لتعذر نشرها بمصر آنذاك): “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”، “تعليق على ما حدث”، “مقتل القمر”، “العهد الآتي”، “أقوال جديدة عن حرب البسوس”، “أوراق الغرفة 8”.

الاتفاق على استقلالية تجربة أمل دنقل الشعرية لا يمنع الخلاف حول طبيعة التجربة وملامح خروجها على المألوف، وهل هو شاعر يحمل نبوءة ما أو حلمًا بالتغيير أو نزعة خلاصية، أم يكتفي بانتقاد الواقع وإدانة العالم؟

كثيرة هي الكتب التي تناولت تجربة أمل دنقل الشعرية، وأحدث هذه الأطروحات، التي تناولت أعمال صاحب “كلمات سبارتاكوس الأخيرة” في سياق لم يبتعد في مدخله عن سابقيه، كتاب “قصيدة الرفض- قراءة في شعر أمل دنقل” للناقد جابر عصفور، الصادر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في مجلد ضخم متعدد الأجزاء، وقد جرت مناقشة الكتاب مساء الاثنين الماضي (31 يوليو) في قاعة المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، بحضور نقاد ومبدعين، وأدارها الدكتور هيثم الحاج علي رئيس هيئة الكتاب.

الملمح الأبرز لقصيدة دنقل يتمثل في قدرتها على خلق سلطة موازية للهامش المنشق، قادرة على مخالفة السلطة الرسمية

شعرية الانشقاق

يذهب الناقد محمد بدوي في قراءته إلى أن الدكتور جابر عصفور في كتابه “قصيدة الرفض” يقدم إطلالة احتشادية معرفية، إذ يحيط بتجربة أمل دنقل الشعرية بلاغيًّا وعروضيًّا وفلسفيًّا وسياسيًّا، ويمزج بين الجمالي والتحليلي والتاريخي، لكن الطاغي على الكتاب هو الصوت السياسي المباشر على غرار نقاد ستينات القرن الماضي، الذين اقتصر طرحهم على موضوع النص وتأويله كخطاب، وتلك إشكالية كبيرة.

ولا يميل محمد بدوي إلى اعتبار “الرفض” سمة مميزة لقصيدة أمل دنقل، فهذه السمة أقرب إلى أن تكون عادية ومألوفة لدى شعراء كثيرين غيره، وقبله، لكن الملمح الأبرز لقصيدة دنقل يتمثل في قدرتها على خلق سلطة موازية للهامش المنشق، قادرة على مخالفة السلطة الرسمية والمؤسسات المركزية وأيضًا الجماعة الشعبية بمرتكزاتها الجمعية ومألوفاتها السائدة، ومثل هذا الشاعر “المنشق” لا يمكن تأميمه في إطار جيل أو مجموعة من الشعراء تتخذ قصائدهم تيمة الرفض عنوانًا مجانيًّا.

أمل دنقل، وفق رؤية محمد بدوي، لم يكن كذلك شاعرًا خلاصيًّا، ولم يقدم نبوءة ما ولا استشرافًا لواقع بديل مستقبلي، لكنه اكتفى ببناء برج مراقبة خاص به، ولم تكن له أيديولوجيا مكتملة، سياسية أو فكرية أو شعرية أو ثورية، وكان سخطه الإنساني نابعًا من شعوره بالفجيعة والغدر الكوني وأخطاء العالم، وجاء وعيه الحداثي غير نسقي، ومليئًا بالتناقضات.

هذه السلطة الموازية في قصائد أمل دنقل، كما يرى بدوي، قد تنعكس في صورة قصائد تحريضية، لتحث على معارضة سياسية مباشرة في بعض الأحيان، كما في قصيدته “لا تصالح”، التي كتبها مخاطبًا السادات بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد.

إطلالة احتشادية

من جهته، استعرض الناقد حسين حمودة مفهوم الرفض لدى أمل دنقل، وفق رؤية جابر عصفور في كتابه، فهذا الرفض فعل خلاق يعني عدم الرضا بما هو كائن، وهو انتصار للأقلية التي تقول “لا” في مواجهة الأغلبية التي تردد “نعم”، كما في قصيدته الشهيرة “كلمات سبارتاكوس الأخيرة”: “المجد للشيطان معبود الرياحْ/ من قال “لا” في وجه من قالوا “نعم”.

ويفرق حسين حمودة بين الخطاب الجمالي لدى دنقل وبين الخطاب السياسي، موضحًا أن الشاعر انتصر للفن على حساب المباشرة والزعيق، مستخدمًا الأقنعة كحيلة لإذابة السياسي في مجرى النهر الإبداعي، وهذا ما رصده جابر عصفور في تحليله تجربة دنقل. ويقول حمودة “ثمة فكرة حاضرة في كتاب عصفور، هي الوظيفة الاجتماعية للشعر، ومن ثم للنقد. وإذا كان عصفور يرى أن دنقل يراعي الجمهور عادة، فإن عصفور ذاته يراعي الجمهور في هذا الكتاب”.

ورأى حسين حمودة أن جابر عصفور قد تحرر في كتابه من القيود المنهجية، ولم يلتزم بالطرح الأكاديمي الحرفي، إنما قدم انشغالاته الانطباعية و”شهادته” على تجربة صديقه الشعرية، وفي مثل هذه الرؤية يتداخل الذاتي والموضوعي.

إسقاطات واعتراضات

أشار الناقد الدكتور خيري دومة إلى أن ما يقصده جابر عصفور بـ”قصيدة الرفض” يعني كافة الأوجه؛ الجمالية والاجتماعية والميتافيزيقية والسياسية، لكن المدخل السياسي يحكم قارئ كتاب عصفور، شاء أم أبى، خصوصًا ما يتعلق بالإسقاطات التي يرصدها جابر عصفور على الواقع الراهن.

واعترض خيري دومة على ما ذهب إليه جابر عصفور في كتابه، بشأن أن أصداء أمل دنقل تكاد تتجلى في ثورة “30 يونيو”، في مشهد زحف الجماهير ضد الإخوان وسلطتهم الدينية، ويقول حمودة: من الظلم الكبير لأمل دنقل وضعه في هذا السياق التاريخي الملتبس الذي لا نزال نعيشه حتى الآن، ولماذا لم يضعه الكاتب في سياق “25 يناير”، التي وصفها المؤلف بأنها انتفاضة وليست ثورة؟ لقد كان دنقل نصير الأقلية، ولم يكن فردًا من بين ملايين يرددون قناعة مشتركة.

الشاعر انتصر للفن على حساب المباشرة والزعيق، مستخدمًا الأقنعة كحيلة لإذابة السياسي في مجرى النهر الإبداعي

ووصف الشاعر والكاتب شعبان يوسف مصطلح “قصيدة الرفض” بـ”المستهلك”، مشيرًا إلى أن جابر عصفور يحمّل بعض نصوص دنقل الشعرية ما لا تتحمله من أعباء سياسية، وأفكار ربما هي في الحقيقة تخص عصفور ولا تخص تجربة دنقل.

وانتقد البعض كتاب عصفور في ما ذهب إليه من أن دنقل ترك الشعر العاطفي من أجل إرضاء “الوهم اليساري” بالقصائد السياسية، وهذا أمر يبدو غير منطقي، وتساءل الشاعر شعبان يوسف: لماذا لم يكتب جابر عصفور عن صديقه ورفيق جيله أمل دنقل في حياته؟ ولماذا أصر جابر عصفور في العام 1975 (في أوج توهج دنقل) على كتابة مقالات وصف فيها الشعر المصري آنذاك بالخامل، ووصف الشعراء ومنهم دنقل بالفقر وعدم القدرة على الإتيان بجديد؟

واعترضت الناقدة عبلة الرويني على ما طرحه جابر عصفور في كتابه، من أن التجاء دنقل إلى الأسطورة الفرعونية كان بهدف إرضاء الناقد لويس عوض، المستشار الثقافي لصحيفة الأهرام، وجذب انتباهه إلى تجربته، وتقول الرويني “رؤية عصفور غير دقيقة بالمرة، بل إنها جارحة، إذ تشكك في شعرية دنقل وتنتقص من استقلالها عن أي مؤثرات وإغراءات”.

ويعتقد كثيرون أن الإسقاطات السياسية التي توخاها جابر عصفور في قراءته تجربة دنقل تستهدف إعادة شحذ الذاكرة الوطنية من جديد في الوقت الحالي، انطلاقًا من أن “آفة حارتنا النسيان”، وإن لم يكن لجابر عصفور نشاط سياسي كمعارض في ذلك الوقت، فلعله الآن بإلقائه الضوء على تجربة دنقل يريد التكفير عن عدم مشاركته ضمن صفوف المعارضة في سبعينات القرن الماضي وما بعدها.

15