أمل نصر وريثة رسامات مصر تنظر إلى المستقبل

التشكيلية المصرية خصت الجزء الأكبر من تجربتها الفنية واهتمت نقديا بتجارب الفنانات المصريات اللواتي تعتبرهن نماذج حية للإبداع، وهي تنظر إليهن بالكثير من الإجلال.
الأحد 2018/06/17
ناقدة ورسامة. ما أصعبها من مهنة

تجدها حاضرة في كل مكان للتعريف بالفن المصري الحديث. قدرتها النقدية قائمة على دربة أكاديمية ليس من اليسير التغاضي عنها.

حين حدثتها عن شغفي برسوم محمود سعيد تأملتني بعاطفة، كما لو أني لمست شغاف قلبها، وهي التي أقامت معرضا شخصيا عام 2003 في متحف ذلك الفنان المصري الرائد.

لديها قدرة على أن تحول الدرس إلى لقاء صداقة تمتزج فيه المعرفة بالوله الشخصي. يحدث العكس حين تنفتح أحاديثها الشخصية على بحر من المعلومات التي تجدها ضرورية من أجل خلق قاعدة سليمة لحوار بين شخصين، يجمعهما عشق الفن.

بعدان لروح واحدة

التقيتها عام 2010 في أصيلة المغربية، في مناسبة لا علاقة لها بموسم المدينة العريق. حين اكتشفنا معا أنه قد تم التغرير بنا وأن المناسبة التي دعينا إليها يغلب عليها الطابع الاجتماعي حاولتُ أن أخفف من وقع الصدمة عليها بالضحك والمزاح وهو ما جعلها تتخلى مؤقتا عن ردود أفعالها الجادة وتعتبر تلك الأيام الثلاثة التي قضتها في أصيلة إجازة استرخاء.

يومها حضرت أمامي المعلمة التي تملك القدرة على السماح للإنسانة التي تقيم في داخلها أن تقاسمها المائدة نفسها.

ولأننا كنا ضيوفا دُعيوا خطأ إلى حفلة ليست لهم، فقد كنا نقضي الوقت في أحاديث جانبية، غالبا ما كنت استدرجها إليها من أجل زيادة معرفتي بالفن المصري الحديث.

لقد فتحت أمل نصر لي صفحات موسوعتها التي تتقن التنقل بينها مغمضة العينين. ما سحرني أكثر أن كل تلك المعرفة لم تلحق الضرر بيديها اللتين ظلتا تتحركان بحرية وخفة وعفوية طفل على سطوح لوحاتها.

الفنانة المصرية تعتبر نفسها وريثة لأولئك النسوة اللواتي تنظر إلى تجاربهن باعتبارها دروسا شخصية
الفنانة المصرية تعتبر نفسها وريثة لأولئك النسوة اللواتي تنظر إلى تجاربهن باعتبارها دروسا شخصية

وإذا ما عرفنا أنها غزيرة الإنتاج في الجانبين، النقدي والفني، يمكنني القول بيقين إن نصر لا تفصل بين ما هو نقدي وما هو فني إلا في حدود الأدوات والتقنيات أما الروح فهي واحدة.

فالرسامة التي تعرف الفن التشكيلي المصري من داخله نجحت في أن تصنع مصفاة تمر من خلالها تأثيرات الفنانين الذين تحبهم إلى تجربتها الفنية. هي ابنة الفن المصري المولعة بالبحث عن أسراره وهي في الوقت نفسه الباحثة عن أسلوبها الشخصي في ركام هائل من الأساليب التي صارت على دراية بها بسبب كدحها النقدي.

ولدت نصر عام 1965 في الإسكندرية. تخرجت من قسم التصوير. “أبعاد في التصوير” هو عنوان رسالة الماجستير عام 1993 أما رسالتها لنيل شهادة الدكتوراه عام 2000 فقد كانت بعنوان رؤية معاصرة لجماليات التكوين في الفنون المعاصرة.

أقامت نصر أول معارضها الشخصية عام 1989. تقوم الآن بالتدريس في مرسم مكتبة الإسكندرية وأتيليه الإسكندرية بعد أن قامت ولسنوات طويلة بالتدريس في كلية الفنون الجميلة.

نالت جائزة الدولة للإبداع في التصوير عام 1998. ولأن الكاتبة كانت تنظر إلى الرسامة بحسد فقد نالت نصر جائزة الدولة التشجيعية في مجال النقد الفني عام 2011.

لم تكتف أمل نصر بنتاجها الغزير في مجالي الرسم، الذي بلغ حوالي ثلاثين معرضا شخصيا إضافة إلى مشاركتها في الكثير من المعارض الجماعية داخل وخارج مصر، والنقد، الذي تمثله كتب عديدة إضافة إلى مساهمتها في تأليف كتب مشتركة، بل حرصت على الحضور في المشهد التشكيلي المصري والعربي باعتبارها ناشطة، منسقة معارض وعضو لجان تحكيم ومساهمة في ندوات نقدية ولقاءات فنية في مختلف أنحاء العالم العربي.

تقوم أمل نصر بكل ذلك النشاط إلى جانب عملها الأكاديمي معلمة فن ومشرفة على الكثير من أطروحات الماجستير والدكتوراه.

يكون المرء في حيرة من أمره حين يتابع ما تقوم به تلك المرأة التي صار الفن حياتها الشخصية. ما قامت وتقوم به يحتاج إلى أكثر من حياة.

ابنة الفن المصري المولعة بالبحث عن أسراره
ابنة الفن المصري المولعة بالبحث عن أسراره

هناك جانب مهمّ في تجربة الفنانة يتعلق باهتمامها بالمرأة، إنسانة وفنانة. لقد خصت ذلك الجانب بالجزء الأكبر من تجربتها الفنية واهتمت نقديا بتجارب الفنانات المصريات اللواتي تعتبرهن نماذج حية للإبداع، وهي تنظر إليهن بالكثير من الإجلال.

إنها تعتبر نفسها وريثة لأولئك النسوة اللواتي تنظر إلى تجاربهن باعتبارها دروسا شخصية. هي ابنة الريادة النسوية في الفن بدءا من تحية حليم وانتهاء بنازلي مدكور مرورا بجاذبية سري وإنجي أفلاطون.

ما يميز نصر ناقدة هو ذلك الشعور العميق بالولاء للفن المصري وللمرأة المصرية المبدعة والذي عبرت عنه بشيء لافت من الإنصاف من خلال كتاباتها ومحاضراتها.

ثقة مطلقة بالجمال

ليس مؤكدا أن الرسامة تتقدم على الناقدة في حياة أمل نصر العملية. وهو ما يصح في مجال النظر إلى العديد من التجارب الشبيهة، مثل أسعد عرابي، فيصل سلطان، وعبدالرحمن السليمان. وهو حكم ليس سلبيا. ذلك لأن الفنان ــ الناقد إذا ما نجح في إقامة نوع من التوازن بين بعدي شخصيته يكون قادرا على توضيح الكثير من قضايا الفن الغامضة بحكم أنه يتحدث من داخل العملية الفنية التي هي خبرته الشاملة وقوته اليومي.

إضافة إلى محاضراتها ومداخلاتها المنشورة في كتب الندوات واللقاءات الفنية أصدرت نصر عددا من الكتب، أذكر منها “جماليات الفنون الشرقية” الذي صدر عام 2002 ضمن سلسلة آفاق الفن التشكيلي “عبد السلام عيد” وهو كتاب شامل عن تجربة الفنان صدر عام 2012 تلاه كتاب “مرايا العاطفة” عام 2013 كما صدر لها عن دائرة الثقافة والفنون بالشارقة كتاب بعنوان “جماليات المنمنمة الإسلامية” وذلك في عام 2014.

عناوين الكتب وحدها تشي بتلك السعة المعرفية التي تتميز بها نصر وهي تتحرك بين قارات الفن الوهمية كما لو أنها تقوم برحلة واقعية بين بلدان متجاورة تتقاسم الرغبة في تبادل خبرات العيش المشترك.

نصر الرسامة تتقدم على نصر الناقدة في حياتها العملي
نصر الرسامة تتقدم على نصر الناقدة في حياتها العملي

الانسجام الذي خلقته نصر بين بعدي شخصيتها هو مصدر ذلك الاحتفال بجماليات العالم الذي يحيط بها والذي تحاول التعبير عن ثقتها به من خلال اللون والكلمة.

هذه فنانة تثق بالجمال بطريقة مطلقة. لذلك لم تكتف بلذائذها الشخصية بل صارت تبشّر بما تراه نافعا.

ترسم لتتذكر

نصر رسامة غير نمطية. إنها لا تكرر تجاربها، مهما كانت تلك التجارب ناجحة على المستوى النقدي أو الشعبي. إنها ترى نفسها في ما لم تفعله بعد. هي صنيعة مستقبلها الذي لا يزال في عالم الغيب. في آخر تجاربها الفنية التي أطلعتني عليها تبدو كما لو أنها تتعلم. ذلك هو دأبها دائما.

حرصها على أن ترى نفسها في ما لم تفعله بعد لا في ما فعلته في أوقات سابقة يدفع بها إلى الانبهار دائما بما يمكن أن ينجزه لقاء المواد المستعملة بعيدا عن الرقابة التي تظل نصف واعية.

حرصت نصر على أن تقف وسط المسافة. فهي تشخيصية تجريدية في الوقت نفسه. وهي رمزية تحتاط كثيرا من أجل أن لا تخفي انجذابها إلى الواقع. لا تضحي باللحظات الشعرية غير أنها حريصة على الجانب السردي الذي يميّز الفن المصري عن سواه من الفنون العربية الحديثة.

لقد حافظت على ذلك التوازن لا لشيء إلا لأنه يعبر عن هويتها التي هي مزيج مما عاشته ومما تخيلته. ما خبرته شخصيا وما تعلمته نظريا. ترسم أمل نصر ما تراه كما لو أنها تتذكره.

9