أمنيات شعرية غريبة

الاثنين 2017/05/29

لماذا يذهب الشعراء العشاق، من القدامى خاصة، في تمنياتهم أو أحلامهم إلى تخوم بعيدة، قد تبدو مفرطة في سذاجتها حيناً أو موغلة في لا عقلانيتها حيناً آخر؟ كان مجنون ليلى، مثلاً، يتمنى سعادةً لم تكن متاحة له، كان محروماً منها إلى أقصى حد، يمكنني أن أسميها: سعادة الإهمال، سعادة أن يكون في منأى عن رقابة الناس وفضولهم المؤذي، سعادة أن يظل طفلاً، في رفقة البهائم، لا تقع أفعاله وأفعال ليلاه تحت طائلة الزمن. وبذلك فهما يمرحان بين مُطْلقين، من البساطة وبراءة الطفولة والرعوية، يضمنان لهما تلك الجنة النائية عن اللؤم وشراك المكيدة:

تعلّقْـتُ ليلـى وهي ذاتُ ضـفيرةٍ/ ولم يبدُ للأترابِ من ثَدْيها حَجْمُ/ صغيرينِ نرعى البُهْـمَ، يا ليتَ أننا/ إلى اليوم لم نكبرْ ولم تكبرِ البُهْـمُ

إنه يذهب في أمنيته بعيداً، إلى طفولة تجاوزها منذ زمن، وإلى مهنة ليست له، إلى الرعي، حيث خيط الغناء المجروح يتسرب من جراح الناي مثقلاً بالوحشة والحنين القاسي إلى كلّ ما مضى. أن يخلط هو وحبيبته عمريهما بذلك الزمن البهيمي، المتصل بمعنى السماء الغامضة البعيدة حتى يتاح لهما الإفلات من سطوة الزمن وضريبة العمر المسؤول عما يفعل وعما ينوي فعله ربما. ولنا أن نسأل هنا: هل كان مجنون ليلى يحاول الفرار من زمنه الآدمي القاحل المليء بالقسوة والفضول؟

وإذا كان المجنون يتمنى سعادته في اللواذ بعالم البراري وبهائمها السعيدة، وبالطفولة وما تتضمنه من بعد عن لؤم الدوافع وفساد الرقيب، فإن نظيره في العشق “كثيّر عزة” يذهب بأحلامه أبعد من صاحبه. فهو لا يقنع برفقة القطيع متوّجاً، هو وحبيبته، بقناع الطفولة، بل يتمنى لو أنّ كليهما بعيران أجربان، مطرودان، محكومان بالعطش، والرمي بالحجارة، وجفاف المراعى. أية مبالغة في التمني، وأيّ ذهابٍ في ما لا يعقل من رؤًى وتخيلات؟

ولكن أية سعادة كان يتمتع بها ذلك القطيع القديم ليكون موضع حسد مجنون ليلى وصاحبه إلى هذا الحد؟ هل كانت له حرية القطيع في هذه الأيام، هذا القطيع المبثوث تحت الغيم، والمتناثر على عشب نظيف، وسماء صافية الزرقة؟ أيّة طبيعة لينة هذه، تصغي فيها البحيرات المسترخية إلى النسيم العالي ونداءات المياه البعيدة؟

ينساب بك القطار بين قارات العالم المتراصة، مقتحماً هذه الجغرافيا المتشابكة، المفعمة بمعاني الرهبة والجمال، المحيطات المتلاطمة، والجبال الممعنة في وعورتها، والوديان التي لا تكفّ عن الاتساع. تقطع هذه المسافات وأنت تتأمل في قلب هذه الطبيعة المحتشدة بكل مظاهر الغضب والحنان والجمال والتهلكة.

وهكذا فإن كل ما تراه، أو تلمسه، أو تصغي إليه هو موضوعٌ لارتواء حواسك، لتأملها ومتعتها ولأخذ العبرة منها أيضاً. وحين تمر بتلك السهول المتموّجة على مدى البصر، فلا شيء ربما أدعى إلى التأمل من تلك الكائنات الراضية حد النشوة، وهي تتناول كل ما تشتهي. أعني كلما حُرِمَ منه بعض البشر في بقاعنا المغلوبة على أمرها: الأمنُ والشبع والارتواء والإحساس الغامر بالسعادة الصافية.

ولكن، إلى أين تهرب من تأوّهات ذاكرتك، وأنت تقف بين لحظتين من المقارنة المميتة، بين سعادة تعم الكائنات جميعاً، وبين شعوب بتمامها، تكاد تذبل من الخوف والجوع والإحساس المهلك بفقدان آدميتها كل يوم؟

شاعر عراقي

14