أمن إيران أهم من كرسي الأسد وتصريحات رفسنجاني تمهيد للانقلاب عليه

الأربعاء 2013/09/18
رفسنجاني سياسي داهية نجح في الخروج سالما من كل الأزمات

نشر في الأيام الأخيرة على شبكات الإنترنت نص خطاب هاشمي رفسنجاني الأخير، الذي تم تكذيبه من قبل مرضية أفخمي، الناطقة باسم وزارة الخارجية. وأشارت أفخمي إلى أن «تصريحات رئيس «تشخيص مصلحة النظام» قد تم تشويهها وتم تكذيبها من قبل مكتبه». وشكّك آخرون في صحة هذه التصريحات.

لكن بعد الإعلان عن هذه التصريحات جرى نشر تسجيل صوتي للخطاب يؤكد صحة تصريحات رفسنجاني على الرغم من الشكوك التي أثيرت حوله. وهذه التصريحات ما هي إلا امتدادا لسياسة هاشمي رفسنجاني في السنتين الأخيرتين، وهي سياسة تختلف عن سياسة مسؤولي النظام ومن ضمنهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. وهي تعبر عن اقتراب رفسنجاني من منتقدي النظام.

تحدّث رفسنجاني في الخطاب عن الحرب الأهلية في سوريا قائلا: «لقد لحقت بالشعب السوري في السنتين الأخيرتين خسارة كبيرة. وفقد أكثر من 100 ألف قتيل وهُجَّر قرابة 8 ملايين مواطن سوري. وفاضت السجون بحيث تحوّلت بعض الملاعب الرياضية إلى سجون. وتعرّض الشعب إلى الحملات الكيميائية من قبل حكومته من ناحية، وهو من ناحية أخرى بانتظار القنابل الأميركية لتقع على رأسه». لقد أطلق رفسنجاني تصريحاته حول استخدام السلاح الكيميائي بمهارة وبشكل موزون ومحسوب. فهو على خلاف المعادين لأميركا، بيّن للرأي العام العالمي أن الجمهورية الإسلامية غير مستعدة لأن تعرض أمنها للخطر مقابل الحفاظ على كرسي بشار الأسد.

في هذا الخطاب لم يجر الخوض في استخدام السلاح الكيميائي، كما ظنّ البعض عن طريق الخطأ، أو وضع اسم الحكومة بدلا عن المعارضة. بل أشير بصراحة ودون لبس ودون خطأ أو زلة لفظية. وباعتقادي أن مثل هذا الحديث قد أثير عن عمد، فهو جزء من أقوال الشعب الإيراني واحتجاجاتهم التي قمعت من قبل الحكومة.

السياسي الداهية يريد رفسنجاني في تصريحاته، أولا، أن يضع نفسه على بعد من هذا المأزق وأن يقف موقف المحتجّ إلى جانب الشعب الإيراني وشعوب العالم. وثانيا، يدرك رفسنجاني الوضع المأزوم لإيران ولا يريد أن يربط مصير الجمهورية الإسلامية بمصير نظام الأسد. إنه يدرك بأن على الحكومة الإيرانية أن تختار بين نظام الأسد وبين إقامة علاقات طبيعية مع الغرب ودول الجوار. وهذا الأمر ليس غريبا على رفسنجاني هذا السياسي الداهية الذي خرج سالما من كل الأزمات المختلفة التي تعرضت لها إيران.

موقف المسؤولين في إيران حول استخدام السلاح الكيميائي في سوريا دليل على حيرتهم وقلقهم البالغ من أن تطال الحملة العسكرية الأميركية ضد سوريا إيران. وأكثر التصريحات حدّة جاءت على لسان سيد مسعود الجزائري، معاون شؤون التعبئة والدفاع في هيئة أركان القوات المسلحة، الذي أكد على أن «أميركا على معرفة بالخطوط الحمراء في الجبهة السورية، وأي تجاوز لهذا الخط الأحمر سيؤدي إلى عواقب وخيمة للبيت الأبيض».

وما أجبر رفسنجاني على الاعتراف بدور نظام الأسد واتهامه بالجرائم التي تجري في سوريا القلق من ردود فعل الغرب على تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين من أمثال الجزائري. الذي أعلن «أنه على أميركا أن تقلق على مصير وليدها غير الشرعي في المنطقة».

لكن مثل هذه المواقف الحادة لم تتكرر، ودخل آية الله خامنئي على الخط وأكد على أن: «المنطقة أضحت أشبه بمستودع للبارود، ولا يمكن التنبؤ بما سيحل بها. وعلى أن لا يتخذ أحد أي موقف دون التحقق من حقيقة الأمور». أما محمد جواد ظريفي وزير الخارجية الإيراني الذي سبق وأن حمّل المعارضة في سوريا مسؤولية استخدام الأسلحة الكيميائية، وبعد أن سمع بتصريحات المرشد وتصريحات روحاني فقد امتنع عن تكرار تصريحاته السابقة. فقد أدان روحاني استخدام السلاح الكيميائي دون أن يوجه الاتهام إلى نظام الأسد أو إلى المعارضين. ومؤخرا توجه وفد من مجلس الشورى الإسلامي إلى سوريا والتقى الأسد، ولم يتحدث الوفد بأية كلمة عن التهديدات الأميركية والإسرائيلية لسوريا. وبعيدا عما يتسرب إلى الإعلام، فإن مهمة الوفد كانت إفهام المسؤولين السوريين بأن لا يعولوا على تدخل إيران في المواجهة مع أميركا. والسبب هو أن إيران الآن في وضع سياسي هش.

تراجع طهران


دور رفسنجاني كسياسي متمرس كان له أهمية في التراجع الجديد لطهران. فقد قام رفسنجاني كسياسي بدور مماثل عبر مراحل مختلفة من مراحل الأزمات التي عصفت بإيران. وكمثال على ذلك دوره في إنهاء الحرب بين العراق وإيران حيث أبدى حصافة وفراسة متميزة. فقد كان من أبرز المدافعين عن حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران في البداية. ثمّ وبعد أن كلفت الحرب إيران موارد مالية ضخمة وضحايا كبيرة، سعى رفسنجاني إلى إنهاء الحرب قبل وفاة الخميني، حيث أدرك أن آية الله الخميني هو الشخص الوحيد الذي يستطيع الوقوف في وجه الداعين إلى استمرار الحرب. لقد كانت أهداف الخميني من الحرب تثبيت مواقع النظام في الداخل، والعمل على تصدير الثورة إلى الدول الأخرى. ولهذا عمل على تعبئة المجتمع من أجل استمرار الحرب لفترة تمتد إلى عشرين سنة. لذلك كان رفسنجاني على يقين بأنه لا يمكن إيقاف الحرب إلا عبر الخميني. وكان على علم بأن استمرار الحرب يشكل مصدرا يدر الأرباح لبعض المجاميع ولا يمكن وقف ذلك إلا بأمر من الخميني الذي أنهى الحرب بكل بساطة. ولذا سارع المنتفعون من استمرار الحرب إلى اتهام رفسنجاني بخيانة الإمام بعد وفاته.

النموذج الآخر من القدرة السياسية لرفسنجاني برز أثناء حملة الولايات المتحدة وحلفائها ضد العراق. فمع البدء بالحملة العسكرية بادرت الجهات المعادية لأميركا داخل الحكم في إيران إلى المطالبة بأن تقف إيران إلى جانب صدام حسين في مواجهة الولايات المتحدة. وكان رفسنجاني يدرك النتائج الخطيرة لهذا الخيار، وعمل على وقف هذه الدعوات. فهذه الجهات أرادت أن تربط بين مصير صدام حسين وبين مصير إيران، تماما كما يجري الآن حيث تطالب جهات متطرّفة أن تربط مصير النظام بمصير الأسد.

أما النموذج الثالث من مهارة رفسنجاني السياسية فهي سعيه للخروج من الأزمة التي واجهت البلاد إثر انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2009. فقد وجّه رفسنجاني خطابا إلى خامنئي، يحذره من النتائج الخطيرة للسياسة التي يتبعها خامنئي في المجتمع. وقال في رسالته إنه يرى النار والدخان يتصاعد من فوهة الأزمة. وإن الوضع متفجر في المجتمع.

لكن خامنئي فهم رسالة رفسنجاني على أنها دعوة لتخليه عن احتكاره للسلطة ولم يبد أي استعداد لسماع مقترحاته. وينظر خامنئي إلى نظام ولاية الفقيه على أنه نظامه المطلق، وإن الحفاظ على النظام هو الحفاظ على سلطته المطلقة واحتكارها. فيما ساهمت رؤى رفسنجاني في انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2009 في تقديمه إلى المجتمع كوجه جديد وإيجابي خصوصا في صفوف المعارضين والمنتقدين للنظام. ونتيجة لذلك برز نجمه في انتخابات 2013.

وهكذا تقدم رفسنجاني للمشاركة في انتخابات عام 2013 من أجل إنقاذ النظام من أزمته بسبب سوء إدارة أحمدي نجاد والمرشد وحرس الثورة. لكن خامنئي عاد من جديد ووقف ضد رجوع رفسنجاني إلى سدة الرئاسة رغم ما يتمتع به من دعم واسع من قبل الشعب خوفا من نهجه. وحذف اسمه من قائمة المرشحين لخوض الانتخابات.

اليوم تحولت الأزمة السورية إلى معضلة عالمية. وإيران هي أقرب حليف لبشار الأسد. ويطالب المتشددون المتعطشون إلى الحرب داخل الحكم في إيران بدعم بشار الأسد حتى لو أدى ذلك إلى الصدام مع الولايات المتحدة وحلفائها دون أن يفكروا في عواقب ذلك ومصير النظام الإيراني نفسه عند ربطه بمصير نظام الأسد. وأدرك رفسنجاني هذه الحقيقة وعبّر عن اختلافه مع هذه السياسة، وتصريحاته حول الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد ما هي إلاّ رسالة إلى الإيرانيين والمجتمع الدولي كي يضع فاصلة بين إيران وبين نظام الأسد.

*ترجمة: عادل حبه

6